ورثت المعارضة التونسية ميراثًا ثقيلًا منذ سنوات الستين، ينبني هذا الميراث على أن الليبرالية الاقتصادية توجُّه مدمِّر للفقراء، وهي بالتالي بيئة خلّاقة للظلم الاجتماعي، والصفحة الثانية من هذا الميراث هو أن الدولة ملزمة برعاية شعبها الفقير ودعمه في حياته المادية ليحقق الرفاه الاجتماعي.

هذه الفكرة/ الميراث/ السياسة ترسّخت بالتجربة الاشتراكية الدستورية التي تولّت بعد خروج الاستعمار المباشر، وهي بدورها كانت استنساخًا أو تطبيقًا لفكرة سادت في تلك الحقبة في البلدان المتحررة حديثًا من أمريكا اللاتينية إلى بلدان آسيا.

وكل التحولات/ التعديلات الاقتصادية التي أعقبت التجربة الاشتراكية حاولت التوفيق بين خطوات ليبرالية محسوبة، بالتوازي مع سياسات دعم المعيشة للفقراء، وسمّيناها بتعايش القطاعات، ولم تملك أية حكومة مرّت بالبلد شجاعة مصارحة الناس بأن هذا المزج غير مُنتِج للرفاه، وإنما هو سياسات ترقيعية لا تعدو كونها رشوة سياسية للنقابات وللمعارضة المتكلّسة حول أفكار يسارية طفولية، خاصة بعد ما سميناه بثورة الخبز عام 1984.

الدولة الاجتماعية المزيفة

تونس ليست دولة اجتماعية كافلة ولم تكن كذلك منذ البداية، ولم تفلح في الكفالة الاجتماعية طبقًا للنماذج المعروفة عالميًّا مثل دول الجنان الاجتماعية، أي بلدان إسكندنافيا.

تخدم القوانين السارية في البلد مصلحة رأس المال الخاص أولًا، بدءًا من القطاع السياحي إلى الصناعات التحويلية (المناولة مع رأس المال الغربي الفرنسي منه بالتحديد)، وقد أفلحت نسبيًّا في تعليم مجاني موجّه للطبقات الفقيرة والطبقة الوسطى الدنيا بتعريف آلان سافري، ومكّنت الفقراء من صحة أساسية مجانية تقريبًا، ولكن انتهت هذه الوظيفة منذ التحول الثاني نحو الليبرالية بدخولها في برنامج الإصلاح الهيكلي عام 1987.

لقد موَّلت كل الخدمات الاجتماعية من ضرائب القطاع العام ومن مؤسسات القطاع العام الاقتصادية (الجنان النقابية)، لكنها منحَت دومًا لرأس المال الخاص مساحات حرية اقتصادية بلا مقابل اجتماعي.

لم يردّ هذا القطاع كرم الدولة بل ابتزّها دومًا بالتهديد بنقطة ضعفها (التشغيل)، وغني عن القول هنا أن طبقة رأس المال الخاص هي التي كانت تصنع السياسات وتسنّ القوانين، عن طريق وكلاء من الحزب الحاكم خاصة في مرحلة بن علي الفاسدة.

دليلنا على فشل الدولة الاجتماعية (أو زيفها، وهو التعبير الأصح) هو الثورة نفسها، فالذين ثاروا عليها هم من تركتهم وراء/ خارج نظام المنافع والامتيازات التي كانت توزّعها على حزامها السياسي الأول، أي طبقة رأس المال وكثيره فاسد وملوث.

لكن الثورة لم تلتقط الإشارة التي أرسلها الشارع المُفقَر، وما كان يمكنها أن تفعل؟ فالفلوس كانت في الجهة المعادية للثورة، وقد حكمت على مصير الثورة رغم أن الذين تولوا السلطة أولًا كانوا من ضحاياها.

الليبرالية كخيار بديل

في مؤتمر النقابة العمالية الأخير، تكلم ممثّل نقابة الأعراف مدافعًا بشراسة فاقت شراسة نقابة العمال عن مؤسسات القطاع العام، وكان هذا غريبًا في الظاهر لكني أقرأه بطريقة مختلفة، فما دامت مؤسسات القطاع العام قائمة فإنها ستتكفّل بالخدمات الاجتماعية (الصحة والتعليم والبنية التحتية) التي تخفِّف عبء حمل الاجتماعي على رأس المال الخاص.

لا يهم أن تكون هذه المؤسسات فاشلة أو لا تحقق أرباحًا كبيرة، لكن دورها الاجتماعي يعفي المؤسسات الخاصة من هذا العبء، والدولة (أو الحكومات) ستقوم بواجب ستر العورة الاجتماعية المخيفة وتكفيها شرّ الانتفاضات الاجتماعية على غرار انتفاضة الخبز عام 1984.

هنا نعود إلى جذر المشكلة، وهو قطاع عام فقير ومنهك نقابيًّا، تستعمله السلطة الحاكمة (لا فرق هنا بين من حكمَ قبل الثورة ومن حكمَ بعدها) غطاءً سياسيًّا أكثر منه اقتصاديًّا واجتماعيًّا، لتخفِّف الأعباء على القطاع الخاص.

منطق اليسارية الطفولية يقول بأن ندفع القطاع العام نحو الحكم، ونلغي القطاع الخاص و"نفكر بطريقة سوفيتية"، لكني أرى مجريات الواقع تدعونا إلى العكس، رفع الغطاء عن القطاع الخاص بفتح بوابات الاستثمار لرأسمال جديد ومختلف، بعضه محلي وكثيره خارجي (ضمن سياق عولمي مفتوح يملك مفاتيح السوق العالمية).. هنا نطرح السؤال المركزي: هل علينا أن نخاف من الليبرالية؟

دفع البلد نحو ليبرالية متوحّشة تمنح الحكم الاقتصادي للسوق المعولم لتحطّم بوعي جديد الغطاء الاجتماعي المزيف (أي سياسات ليبرالية قاسية ومؤثرة)، ولا نرى وسيلة لكسر هيمنة القطاع الخاص التونسي المتواكل على الدولة، وأغلبه فرنسي، وعلى مجريات الوضع الاقتصادي والاجتماعي، إلا بفتح السوق الاستثمارية التونسية لرأسمال خاص جديد، يقضي على دلال المؤسسات الخاصة الاحتكارية القائمة، وإحداث ما يكفي من الرجّة الاقتصادية بإدماج مستثمرين جدد يكسرون منافسة قاسية وفعّالة مع الوضع القائم، وتخليص الدولة من عبء الاجتماعي الذي موّلته دومًا من دمها ولحمها، أي فتح البلاد لكل مستثمر خاص مهما كانت جنسيته.

سيبدو هذا الاقتراح (لكسالى الفكر من الستالينية المرضية) كخيانة وطنية، ولكني أعتبرها خطوة جبّارة نحو صراحة سياسية واقتصادية جديدة. لم يعد يمكن للدولة تمويل الاجتماعي بمردود ضريبي منتزع بقوة الدولة من موظفي القطاع العام وحدهم دون البقية، ثم الاستعداد لتحمل كلفة "الدماء الاجتماعية" التي تنتج عن مرحلة تحول عميقة، لا تتدخل فيها الدولة إلا بتعديل قوانين المنافسة بين الفاعلين الأحرار في المجال الاقتصادي.

دماء اجتماعية كثيرة

التونسيون منشغلون في هذه اللحظة (ربيع 2022) بشكليات دستورية، ويهربون إليها خوفًا من مواجهة الحقيقة الفاجعة، حيث إن الدولة الاجتماعية التي طالما دافعوا عنها كذبة كبيرة، وقد حان الوقت للخروج من تحت هذا السقف الهشّ نحو ليبرالية متوحشة (وهذا تعبير ستاليني أكتبه كتوصيف لا كمعتقد).

نحتاج مواجهة الحقيقة عارية بلا براقع. لقد سقطت الدولة الاجتماعية المزيفة وحلَّ محلها بالقوة لا بالرغبة عصر الليبرالية التي تدفع الناس إلى الاعتماد على أنفسهم لتدبُّر عيشهم، بقطع النظر عن الشفقة المزيفة على الفقراء التي يمارسها سياسيون ستالينيون مزيّفون، بعضهم إسلامي جاهل، يخشون مواجهة نقابة رأس المال.

لا أرى سببًا للخوف من الليبرالية، إنها أفق لمعركة تأسيس قاسية تسيل فيها دماء المتواكلين على الدولة الاجتماعية المزيفة، وهؤلاء ليسوا فقراء ولكنهم طبقة طفيلية عاشت من استخدام السياسيين الجهلة لدعم مواقعها (ومنهم النقابة الكذابة).

لقد فتح الانقلاب معركة حقيقية ستحكم على مستقبل تونس، وتجعل بلد المتواكلين على الدولة يتعلم أن يعتمد على نفسه.. هنا تولد تونس المستقبل. الليبرالية أفق لا عقاب. لندخل العصر الليبرالي.