دأب قيس سعيد على تأويل دستور تونس وفق ما تقتضي مصلحته الشخصية

دأب قيس سعيد على تأويل دستور تونس وفق ما تقتضي مصلحته الشخصية

أصبح سياسيو تونس يلعبون على المكشوف، وبتنا أمام الفعل وردة الفعل، فبعد ساعات قليلة من عقد أكثر من 120 نائبًا في البرلمان التونسي اجتماعًا افتراضيًا في تحدٍ للرئيس الذي جمد أعمالهم، وتصويت 116 نائبًا منهم بنعم ودون رفض أو تحفظ على مشروع قانون يلغي التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس، قرر قيس سعيد حل البرلمان رغم تأكيده في مرات سابقة استحالة الأمر لمخالفته الدستور.

ما حصل يوم أمس صباحًا وليلًا، أدخل الحيرة لدى فئة كبيرة من التونسيين بشأن مآلات الوضع في البلاد، فالرئيس يؤول الدستور وفق هواه - يُجمده ويستدعيه متى شاء - ولا رقابة عليه، لكن هل استعجل سعيد الخطوة وسقط في "فخ النواب"؟ إذ يعني حل البرلمان وجوبًا تنظيم انتخابات سابقة لأوانها في ظرف زمني لا يتجاوز 3 أشهر.

حل البرلمان ومتابعة النواب قضائيًا

صدر قرار حل البرلمان في ساعة متأخرة من ليلة أمس، كباقي القرارات الرئاسية، فخلال اجتماع لمجلس الأمن القومي، قال سعيد إنه قرر حل البرلمان "حفاظًا على الدولة ومؤسساتها"، وأضاف أن تونس تعيش وضعًا استثنائيًا ومحاولة انقلابية، وتابع "النواب الذين عقدوا اليوم جلسة عن بعد، يعلمون أن لا شرعية لهم وما يفعلونه الآن وما سيفعلونه لاحقًا، لا قيمة قانونية له".

ويعني سعيد هنا الجلسة العامة التي عقدها البرلمان برئاسة طارق الفتيتي وشارك فيها 121 نائبًا عن مختلف الكتل البرلمانية قرروا خلالها إلغاء الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس في 25 يوليو/تموز الماضي، وشملت حل الحكومة وتعليق عمل البرلمان، فضلًا عن إلغاء المراسيم والأوامر التي أصدرها الرئيس منذ ذلك التاريخ، سعيًا منهم لحلحلة الأزمة السياسية في البلاد.

حل سعيد للبرلمان، يُظهر جليًا أن الرئيس ماضٍ في مشروعه السياسي غير آبه بكل دعوات الحوار ولا الضغوطات الداخلية والخارجية الممارسة عليه

حذر الرئيس التونسي في كلمته من أن أي لجوء للعنف سيواجه بالقانون وبالقوات المسلحة، قائلًا: "الدولة ليست لعبة لمن يحاولون الانقلاب عليها"، وفي معرض حديثه، قال سعيد "إنها محاولة فاشلة للانقلاب وتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي وسيتم ملاحقتهم جزائيًا".

وأعلن سعيد أن وزيرة العدل بادرت برفع دعوى أمام النيابة العمومية ضد كل من شارك في اجتماع البرلمان، وبالفعل أمرت وزيرة العدل وكيل الدولة بمحكمة الاستئناف بتونس بفتح تحقيق ضد نواب في البرلمان بتهمة التآمر على أمن الدولة وتكوين وفاق إجرامي.

التلاعب بالدستور

استند سعيد في قرار حله للبرلمان للفصل 72 من الدستور الذي ينص على أن "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، يضمن استقلالها واستمراريتها، ويسهر على احترام الدستور"، الغريب في الأمر أن هذا الفصل لا ينص صراحة ولا ضمنيًا على حل البرلمان وإنما تم تأويله وفق الصيغة التي ترضي الرئيس.

الغرابة لا تنتهي هنا، ففي شهر سبتمبر/أيلول الماضي، علق قيس سعيد العمل بالدستور باستثناء التوطئة والبابين الأول (المبادئ العامة) والثاني منه (الحقوق والحريات)، لكنه اليوم يستدعي فصلًا من الباب الرابع المتعلق بالسلطة التنفيذية ويبرر به حل البرلمان، أي أنه يعلق العمل بالدستور متى أراد ويستدعيه متى اقتضت الحاجة لذلك.

ليس هذا فقط، إذ أكد قيس سعيد في أكثر من مناسبة خلال خطبه ولقاءاته مع مسؤولين أجانب وتونسيين أنه لا يمكنه كرئيس للجمهورية حل البرلمان لأن الدستور التونسي لا يسمح بذلك، لكنه ليلة البارحة استند إلى الدستور لحله، ونظرة صغيرة للفصل الذي بنى عليه سعيد كل تحركاته وهو الفصل 80 نرى أنه لا يمكن حل البرلمان خلال فترة الاستثناء وكل خروج عنها هو خروج عن الدستور.

مواصلة نهج الاستبداد

تعني هذه التحركات أن الرئيس ماض في مشروعه السياسي غير آبه بكل دعوات الحوار ولا الضغوطات الداخلية والخارجية الممارسة عليه، فهو لا يرى أمامه إلا مشروعه الذي سبق أن قدم بعض تفاصيله خلال حملته الانتخابية لكن التونسيين لم يأخذوا كلامه على محمل الجد، فهو يحل المؤسسة تلو الأخرى ويزدري ما تبقى من مؤسسات الدولة.

ومنذ وصوله قصر قرطاج، يحاول سعيد الاستثمار قدر المستطاع في نقاط عديدة - على غرار الفساد المستشري في البلاد وصمت خصومه خوفًا أو طمعًا ودعم بعض القوى الأمنية والعسكرية له، فضلًا عن الدعم الخارجي الذي يتلقاه من بعض القوى الإقليمية - حتى يضمن لبرنامجه النجاح، دون مراعاة مصلحة الشعب.

ودائمًا ما يدعي سعيد سعيه لإنقاذ تونس من الخطر الداهم المحدق بها، لكنه في حقيقة الأمر - وهذا ما أكدته تصريحاته وتحركاته المختلفة - يسعى لمجد شخصي خاص، لا مكان فيه لمصلحة الشعب، فالمهم عنده ترسيخ برنامجه الشخصي الغامض والاستحواذ المطلق على السلطة.

وتعقيبًا على قرار سعيد الأخير بشأن البرلمان، قال حزب العمال: "حل الرئيس لمجلس نواب الشعب خطوة ستغرق البلاد في طور جديد من النزاع على السلطة"، كما قال الحزب اليساري في بيان له: "سعيد أغرق البلاد في المجهول وعمق تبعيتها ودفع بها بخطى أسرع نحو الإفلاس، كما أنه دفع بالشعب نحو مزيد من البؤس منذ إعلانه الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو/تموز الماضي".

الوقوع في فخ النواب

بالرجوع إلى سبب عدم حل سعيد للبرلمان في وقت سابق، نرى أن السبب الأبرز كان عدم رغبته في الذهاب لانتخابات سابقة لآوانها، وليس كما ادعى أنه لا يرغب في مخالفة الدستور، وهذا الأمر لا يخدم برنامج قيس سعيد، فالرئيس يريد انتخابات وفق هواه.

يرى المحلل السياسي التونسي سعيد عطية أن قيس سعيد أقدم على حل البرلمان مكرهًا بعد استدراج واضح من خصومه، ويقول عطية في حديثه لـ "نون بوست" إن "حل البرلمان يعني دستوريًا انتخابات برلمانية مبكرة في غضون ثلاثة أشهر وهو ما سيضغط من أجله كل معارضي الرئيس".

بعد حل البرلمان، توجب على الرئيس الدعوة لانتخابات تشريعية سابقة لأوانها عملًا بالدستور

وأضاف "نحن هنا أمام تغيير كلّي لكل قواعد اللعبة التي أراد قيس سعيد فرضها عبر انقلاب 25 يوليو/تموز الماضي"، وبدا لعطية أن "قرار البارحة هو إعلان وفاة لمشروع الرئيس الشخصي، فقد أتى تحت الضغط والخوف واحتماء بفتوى أمين عام اتحاد الشغل، ما يعني أن الرئيس لن يكون اللاعب الرئيسي الوحيد داخل المشهد خلال الفترة المقبلة وهو ما يعكس توتره الواضح للعيان خلال خطاب البارحة".

وكان الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي قد دعا في وقت سابق إلى حل البرلمان وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، وهو ما دعا إليه أيضًا رئيس كتلة حركة النهضة في البرلمان عماد الخميري الذي دعا إلى انتخابات مبكرة بعد إنهاء الإجراءات الاستثنائية، كما دعا إلى حوار وطني شامل يهدف لحل الأزمة ووقف الانهيار.

كما دعا النائب عن حزب التيار الديمقراطي نعمان العش إلى الأمر نفسه، قائلًا: "لا بد من الذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة باعتبار أن رئيس الجمهورية أصبح جزءًا من الأزمة وليس الحل"، مضيفًا أن بإمكان البرلمان الجديد تعديل الدستور دون العودة إلى ما قبل 25 يوليو/تموز.

بدوره قال الصحفي التونسي كريم البوعلي لـ "نون بوست" إن الرئيس سعيد ساهم بقراره الأخير في إخراج تونس من الأزمة السياسية التي وضعها سعيد فيها قبل 8 أشهر من الآن، ويرجع هذا القرار إلى عدم امتلاك سعيد الوقت الكافي والضمانات القانونية والتعسفية التي يعتمد عليها في تأويلاته للدستور، لإبقاء البلاد دون برلمان 6 أشهر أخرى، وفق البوعلي.

أكد محدثنا أن سعيد لا يمتلك خيارات كثيرة للمناورة ولا مجال له لتفعيل خريطة الطريق التي أعلنها في وقت سابق، لذلك لجأ إلى إسقاط مشروعه بيده وهو يُسابق الزمن الآن نظرًا للظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد والانهيار الكبير للمالية العمومية وأزمة المواد الأساسية، والسؤال المطروح الآن: هل يقبل سعيد بعملية انتخابية وفق قواعد اللعبة القديمة؟

يبدو أن هذا الأمر صعب بالنظر إلى شخصية سعيد والخطوات التي أقدم عليها منذ توليه الحكم، وهو ما يعني فتح البلاد لصراع مجهول العواقب سيلعب فيه التدخل الأجنبي دورًا مفصليًا.