نكتب جملًا متفائلة ونقرر من قلوبنا نهاية الانقلاب، ثم نستفيق على أخبار مربكة، فتضيق صدورنا ونرى الانقلاب يؤبد الكارثة، وقد يناقض مقال لنا آخر مقال صدر لنا قبله بأسبوع، إذ تعوزنا معطيات كثيرة عما يجري في كواليس السياسة الدولية.

نستشعر تعاطفًا في الخطاب الدولي المعادي للانقلاب، لكن نرى مؤشرات على دفعه نحو مزيد من تأزيم الوضع الداخلي دون أي اكتراث بعواقب الكارثة الاجتماعية التي تهدد كيان الدولة أو ما تبقى منه.

لا نشك في أن البلد يدار من خارجه وأن من نراهم في الصورة الداخلية صدى لمواقف وقنوات لتنفيذ إملاءات خارجية ونضحك من خطابهم عن السيادة الوطنية، نعرف يقينًا أننا نحتاج صبرًا كثيرًا على كل هذا الزيف، ونظن خيرًا بالمستقبل بناءً على معطى ثابت يكشف نفسه عبر نوافذ كثيرة، الانقلاب وأنصاره لا مستقبل لهم لأنهم لا يقترحون شيئًا جديدًا على شعب ذكي يعرف أن يتخلى دون عنف عما يجده غير مجد مثل استشارة الرئيس المهزلة.

معارك في ضريح الزعيم الميت

كلما رغب سياسي في مراودة المنظومة عن نفسه، ذهب يزور قبر بورقيبة ويعلن الولاء، فصارت ذكرى وفاة بورقيبة (6 أبريل/نيسان) موعدًا سنويًا لإعلان الولاء لمشروع لم يعد أحد يتبين ملامحه الأولى لكثرة ما ألصقت به من شهوات تنتهي كلها برفض وجود الإسلاميين في الحكم بل في الوجود نفسه، وما زالت مفاوضة المنظومة تتم بإعلان الاستعداد لقتل الإسلاميين، وهو ما كان يهوى الزعيم سماعه على فراش موته.

الخريطة لم تتغير منذ ما قبل الثورة رغم الحرية التي تفشت كعطر كثيف، الإسلاميون هم الخطر على المنظومة القديمة، لذلك فالفاشية مثل اليسار الاستئصالي واليسار الفرانكفوني ومثل قيس وجمهوره الملتحق حديثًا بصف مراودي المنظومة يلتقون عند نقطة واحدة: أيتها المنظومة امنحينا السلطة بأي طريقة كانت وسنريحك من الخوانجية.

لقد تصارع الرئيس مع الفاشية في ذكرى وفاة الزعيم على من يخدم المنظومة عبر الانتماء للزعيم (الزعيم الساحلي والمنظومة ذات العمق الساحلي)، وكلما هربنا من حديث الجهوية خرج في وجوهنا كجن القمقم.

هناك الآن دستور الثورة مقابل دستور الانقلاب الذي هو استعادة سخيفة لدستور بورقيبة زايد المجالسية التي اكتملت فقط في خيال الرئيس

يجب الإقرار بأن المنظومة تتقن المناورة أمام الثورة وأمام من وضع عمق الثورة في نص الدستور خاصة فرض مبدأ الميز الإيجابي ومبدأ الحكم المحلي الذي يفكك السلطة المركزية المملوكة حصريًا للمنظومة (بنت بورقيبة وصنع يديه)، وفي هذه اللحظة نحن بعيدون عن دستور 2014 ونحارب من أجل عدم إلغائه، لكن اليقين الذي سيظل مسلطًا على المنظومة مهما نجحت في المناورة أن قد صار للناس قاعدة نضال ومصدر تشريع للمستقبل.

مشروع بورقيبة وأنصاره ومنهم الرئيس المنقلب ودستوره القادم (نجزم أنه سيكون نسخةً مستعادةً من دستور 1959 أي دستور بورقيبة) مقابل الثورة وأنصارها والإسلاميين الملتفين جميعًا حول الثورة ودستورها وليس لهم وثن أو ضريح غير الشهداء.

إن المشهد يتضح أكثر في كل حركة من حركات الانقلاب (آخرها مراودة المنظومة في قبر الزعيم)، ورغم أن الثورة ودستورها وجمهورها لا يملكون القوة الكافية لإسقاط الانقلاب بسرعة، فهم يملكون شرعية الدستور ويملكون الصبر الطويل، وكل يوم يمر يزيد الانقلاب هشاشة، وأثر هذه القوة يظهر في ارتباك المنقلب عقب كل مظاهرة، أما جلسة البرلمان الافتراضية فنظن أنها أحدثت رجةً في قلب المنظومة.

دستوران وجبهتان

ختم المنقلب استشارته بنسبة تعبر فقط عن تخلي الناس عنه وعن مشروعه، لكنه يصم أذنيه ويمضي في مشروعه، وسيعلن قريبًا عن دستوره الجديد ثم يستفتي الناس بشأنه، ومهما كانت نسبة المشاركة سيقول إن الدستور مقبول، ثم ينظم انتخاباته بلجنة يحدد مكوناتها بنفسه ويتقدم للحكم (لن يحدد دستوره مدد بقاء الرئيس في مكانه) بحيث يمكننا أن نتخيله يموت في كرسيه ككل الحكام العرب قبله، نعم في الأثناء أركع كل المنظمات التي كانت تخدم المنظومة بإخلاص وفي مقدمتها النقابة، وهو الآن يضع اللمسات الأخيرة على حوار أعلنت نتيجته قبل البدء فيه، وهي نتيجة الاستشارة التي يحولها فريق سري إلى دستور.

أين المعارضة التي تنتمي للثورة وأسميناها أعلاه جماعة دستور 2014؟ إنها في الشارع ضد الانقلاب لكنها تحتاج إلى صبر طويل لاستنزاف مشروع الرئيس وإظهار عدم قابليته للتطبيق في الواقع، كما تحتاج إلى وعي بأنها تحارب وحدها دون سند خارجي، وأظن أن كثيرًا منها لا يزال يعول على بيانات السفارات ويظن خيرًا بالسفراء، ونحن نرى مفاوضات السفارات على ترتيب مستقبل البلد، وفي هذه الترتيبات لا يهم أي دستور يحكم، بل المهم أن يظل البلد ساحة استثمار مالي وسياسي وأمني للبلدان المؤثرة وخاصة فرنسا وأمريكا.

معارضة الانقلاب تحتاج أن تعيد ترتيب أفكارها على مشروع أكبر من إسقاط انقلاب، بل على بناء بلد جديد على قاعدة دستور 2014، أي أن تتجاوز النضال الظرفي المبني على خيال قصير النظر إلى بناء خطة نضالية طويلة الأمد كانت قد أعلنتها الثورة وتم الالتفاف عليها بسرعة.

المطلوب في تقديرنا وفي غياب القدرة على البقاء في الشارع في اعتصام مفتوح أو تنظيم عصيان مدني لا يملك أي طرف في المعارضة إنجاحه، أن تواصل المعارضة تشويش راحة الانقلاب دون بث وهم إسقاطه بمظاهرات متباعدة لم تجدد شعاراتها والانكباب على مشروع سياسي لدولة جديدة هي دولة دستور 2014 الذي لم يطبق

هناك الآن دستور الثورة مقابل دستور الانقلاب الذي هو استعادة سخيفة لدستور بورقيبة زايد المجالسية التي اكتملت فقط في خيال الرئيس، ويمكن أن نتحدث قريبًا عن حرب الدساتير في تونس، لكن وجب قبل ذلك أن نتحدث عن فرز عميق حصل بين الثورة ودستورها والمنظومة ودستورها.

ستكون المعارضة - لنقل سيكون جماعة دستور الثورة - في الشارع يوم 10 أبريل/نيسان للاحتفال بذكرى شهداء 1938 المظاهرة العظيمة من أجل برلمان تونسي، لكن المظاهرة الرمضانية لن تزعج الانقلاب كثيرًا لأنها ستكون ضمن خطة اكتفت منذ وضعها بشعار إسقاط الانقلاب، لكن بعد ثمانية أشهر نرى المعارضة محتاجة لقراءة المشهد بطريقة مختلفة، فللانقلاب أدوات بقاء وعمره ليس مرتبطًا برغبة المعارضة كما أن بقاءه ومناوراته مع السفارات وخاصة بتقدمه في خطته (التي تم الترحيب بها خارجيًا) ستضمن له المزيد من القوة والتمويل، لقد استغفلت السفارات المعارضة بإيهامها أنها ضد الانقلاب ولن تساعده على البقاء وكنا من الغافلين.

المطلوب في تقديرنا وفي غياب القدرة على البقاء في الشارع في اعتصام مفتوح أو تنظيم عصيان مدني لا يملك أي طرف في المعارضة إنجاحه أن تواصل المعارضة تشويش راحة الانقلاب دون بث وهم إسقاطه بمظاهرات متباعدة لم تجدد شعاراتها والانكباب على مشروع سياسي لدولة جديدة هي دولة دستور 2014 الذي لم يطبق. كم يلزم من الصبر؟ ما يكفي لبناء دولة لا تبحث عن مشروعيتها في قبر الزعيم.