تسعى حكومة جونسون لإقامة معسكرات للاجئين في رواندا

تسعى حكومة جونسون لإقامة معسكرات للاجئين في رواندا

مع بداية الحرب الروسية ضد أوكرانيا فتحت أغلب الدول الأوروبية حدودها للاجئين الأوكرانيين الهاربين من هول الحرب، وخصصت لهم رعاية كبيرة، لكن تعاملها مع المهاجرين من باقي الجنسيات يختلف، وتشهد بذلك منظمات حقوق الإنسان، حتى إن بعض الدول الأوروبية لم تعد تخفي عداءها ورفضها الكلّي للاجئين، وما كانت تقوم به سرًّا للتصدي للهجرة أصبحت تقوم به علنًا.

نتحدث هنا عن بريطانيا التي وقّعت مؤخرًا اتفاقية مثيرة للجدل مع رواندا، تقضي بتحويل هذا البلد الأفريقي -العضو في منظمة دول الكومنولث- إلى "محتشد" لاستقبال اللاجئين المرحّلين من بريطانيا مقابل أموال مالية طائلة.

مال مقابل البشر

فشل رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، في إقناع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بضرورة استعادة جميع المهاجرين غير النظاميين الذين يصلون إلى إنكلترا آتين عبر بحر المانش، ما حتّم عليه البحث عن دولة أفريقية علّها تقبل بأن تكون "معتقلًا" لهؤلاء اللاجئين حتى تدرس طلبات لجوئهم.

وجدَ جونسون ضالته في رواندا، حيث تمَّ الاتفاق -أمس الخميس- على إرسال المهاجرين غير النظاميين الذين يصلون بريطانيا إلى كيغالي، وقال رئيس الوزراء البريطاني في خطاب قرب دوفر في جنوب شرق إنكلترا: "اعتبارًا من اليوم.. أي أشخاص يدخلون إلى المملكة المتحدة بشكل غير شرعي إضافة إلى أولئك الذين وصلوا بشكل غير شرعي منذ الأول من يناير/ كانون الثاني قد يعاد نقلهم إلى رواندا".

يملك الرئيس كاغامي سجلًّا أسود في مجال حقوق الإنسان، إذ دائمًا ما تشهد البلاد اغتيالات غامضة تمسّ ناشطين سياسيين وحقوقيين وصحفيين ومعارضين في المنفى

أشار جونسون إلى أن رواندا "ستملك القدرة على إعادة توطين عشرات آلاف الأشخاص في السنوات المقبلة"، من جانبها رحّبت رواندا على لسان وزير خارجيتها بالاتفاق، حيث قال فانسان بيروتا في بيان إن "رواندا ترحّب بهذه الشراكة مع المملكة المتحدة لاستضافة طالبي لجوء ومهاجرين وتوفير سبل قانونية لهم للإقامة".

وفقًا لهذا الاتفاق، ستمنح المملكة المتحدة رواندا ما يصل إلى 120 مليون جنيه إسترليني (157 مليون دولار أو ما يعادل 144 مليون يورو)، ليتمَّ "دمج المهاجرين غير النظاميين في مجتمعات عبر البلاد"، وفق بيان الخارجية الرواندية.

صفقة جديدة بملايين الجنيهات الإسترلينية ستشهد سفر الأشخاص الذين يبحثون عن ملاذ في المملكة المتحدة مسافة 4000 ميل من أجل معالجة طلبات اللجوء الخاصة بهم من قبل الرواندية، ومن المنتظر أن تقتصر خطة الترحيل في البداية على الرجال غير المتزوجين.

وبموجب الصفقة، ستتحمّل رواندا المسؤولية عن الأشخاص الذين سيرسلون إليها، وتشرف على سير طلبات لجوئهم في غضون 3 أشهر، وفي نهاية المطاف سيحظون بإقامة لمدة 5 سنوات في رواندا في حال حصولهم على اللجوء.

تملص من المسؤولية

انتُخب جونسون رئيسًا للوزراء في يوليو/ تموز 2019 على خلفية عدة وعود من بينها ضبط الهجرة غير النظامية، لكن يبدو أنه لم يُفلح في تحقيق وعده، فبحر المانش شهد في عهده عبور أعداد قياسية من المهاجرين غير النظاميين قادمين من فرنسا.

تجاوز عدد الأشخاص الذين عبروا بالفعل بحر المانش هذه السنة 5000 شخص، أي أكثر من ضعف العدد الإجمالي المسجّل في هذه الفترة من السنة الماضية، وقد سجّلت بريطانيا خلال عام 2021 تضاعف أعداد المهاجرين الواصلين إليها عبر بحر المانش 5 مرات تقريبًا مقارنة بعام 2020.

إذ عبرَ عام 2021 ما لا يقلّ عن 28395 مهاجرًا غير نظامي من فرنسا إلى إنكلترا على متن قوارب صغيرة أو داخل شاحنات كبيرة، مقابل عبور حوالي 8400 مهاجر عام 2020، كما بلغ إجمالي عدد المحاولات لعبور بحر المانش العام الماضي 52 ألف محاولة، كما تمَّ تسجيل 36 حالة وفاة لمهاجرين أثناء محاولتهم الوصول إلى بريطانيا.

 

تقول الحكومة البريطانية إن عدد المهاجرين الذين ينتظرون النظر في طلبات اللجوء في بريطانيا بلغ نهاية عام 2021 تسعة أضعاف ما كان عليه عام 2010، وتشير الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية إلى أنه خلال عام 2020 شكّل الإيرانيون العدد الأكبر من طالبي اللجوء إلى بريطانيا، يليهم العراقيون ثم الألبان ثم الإريتريون ثم السودانيون ثم السوريون ثم الأفغان.

وتأمل الحكومة البريطانية في التخلُّص من المهاجرين غير النظاميين بعد اقتناعها بصعوبة التصدي لهم في البحر أو إعادتهم إلى فرنسا، وحتى يكسب رضا ناخبيه من الشعبويين، رأى جونسون ضرورة إرسال المهاجرين إلى رواندا والتخلص منهم.

يُذكر أن حكومة جونسون سعت منذ توليها السلطة في ديسمبر/ كانون الأول 2019، إلى إقامة نظام هجرة أكثر صرامة، فقد عززت حكمها الاستبدادي المناهض للمهاجرين باسم السيادة البريطانية.

وتؤكد تقارير حقوقية ممارسة سلطات بريطانيا الاستبداد المناهض للمهاجرين، وانتهاجها سياسات مبنية على القسوة وعدم الإنسانية المدمرة تجاههم، ويظهر ذلك في عمليات الاحتجاز المهاجرين ورحلات الترحيل، والقسوة البيروقراطية والعنصرية المؤسسية.

لماذا رواندا؟

لم تكن رواندا الخيار الوحيد لحكومة جونسون لبعث محتشدات لاستقبال اللاجئين غير النظاميين المرحّلين من بلادها، إذ كانت غانا في القائمة أيضًا لكنها رفضت ذلك، وفق ما أكدته أكرا في يناير/كانون الثاني الماضي.

ويعود اختيار رواندا إلى عدة أسباب، منها أنها ليست المرة الأولى التي توقع مثل هذه الاتفاقيات، فقد سبق لها أن وقعت في نهاية أبريل/ نيسان 2021 صفقة هجرة مع الدنمارك، كما حاولت "إسرائيل" تنفيذ عملية مماثلة عام 2018، حيث أرسلت مهاجرين غير مرغوب فيهم -كثير منهم إريتريون وسودانيون- إلى رواندا.

تسعى الحكومة البريطانية للتنصُّل من التزاماتها تجاه الأشخاص الذين يطلبون اللجوء على شواطئها، عبر رميهم في معسكرات ومحتشدات في رواندا

في رواندا لا يمكن الخشية من المنظمات الحقوقية هناك، فالرئيس بول كاغامي الذي يحكم البلاد منذ عام 2000 إثر الإطاحة بالرئيس باستير بيزيمنغو، يمسك بزمام الأمور ولا أحد يُخالف أمره، ومن يخالف يكون السجن أو الموت مصيره.

ويملك الرئيس كاغامي سجلًّا أسود في مجال حقوق الانسان، إذ دائمًا ما تشهد البلاد اغتيالات غامضة تمسّ ناشطين سياسيين وحقوقيين وصحفيين ومعارضين في المنفى، والتهمة الجاهزة دائمًا بحق المعارضين هي تمجيد أيديولوجيا المجازر والتفرقة العرقية.

كما تحدثت منظمة هيومن رايتس ووتش عن انتهاكات تعرّض لها لاجئون على الأراضي الرواندية، وتقول المنظمة الحقوقية إن هذا البلد الواقع في شرق أفريقيا لا يحترم حقوق الإنسان الأساسية، ويشاركها في هذا الرأي عدة منظمات حقوقية أخرى.

وسجّلت عام 2018 قتل قوات الأمن الرواندية ما لا يقلّ عن 12 لاجئًا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، عندما احتجّوا على قطع الحصص الغذائية، كما قامت السلطات باعتقال ومحاكمة أكثر من 60 منهم بتهم من بينها التمرد و"نشر معلومات كاذبة بقصد تكوين رأي دولي معادٍ للدولة الرواندية".

الغريب في الأمر أن حكومة المملكة المتحدة أعربت بنفسها في العام الماضي عن قلقها بشأن "القيود المستمرة على الحقوق المدنية والسياسية وحرية الإعلام" في رواندا في جلسة للأمم المتحدة، لكن الآن جونسون يدّعي أن رواندا واحدة من أكثر البلدان أمانًا في العالم.

 

تمنع اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين إرسال أشخاص إلى بلد يواجهون فيه مخاطر على الحياة أو قيودًا على حريتهم، كما تنصّ الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على أنه لا يجوز إخضاع أي شخص للتعذيب أو المعاملة السيّئة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة، لكن يبدو أن للحكومة البريطانية رأيًا آخر.

ومن مكاسب هذه الاتفاقية بالنسبة إلى بريطانيا الحد من الهجرة غير النظامية، حتى إن كان في الأمر انتهاك لحقوق الانسان، لكن في المقابل سيجني نظام بول كاغامي أموالًا طائلة مقابل هذه الصفقة، وسيتمكّن أيضًا من فرض اسمه كقائد أفريقي استباقي يساعد الأوروبيين لحلّ مشاكلهم، حتى إن تحولت بلاده إلى معسكر لإيواء المهاجرين غير النظاميين.