يحتل الجيش الجزائري المرتبة الثالثة بين أقوى الجيوش الإفريقية فيما يأتي الجيش المغربي في المرتبة الخامسة

يحتل الجيش الجزائري المرتبة الثالثة بين أقوى الجيوش الإفريقية فيما يأتي الجيش المغربي في المرتبة الخامسة

لا يكاد يمرّ أسبوع دون أن نسمع عن اتهامات من هذا الطرف أو ذاك إلى جاره بتهديد أمن البلد والمنطقة ككل، فتبدأ التقارير الإعلامية تتحدث عن بدأ دق طبول الحرب بين الجارين الشقيقين، نتحدث هنا عن المغرب والجزائر اللذان وصلت العلاقة بين نظاميهما إلى طريق شبه مسدودة نتيجة عوامل عدة، لكن السؤال الأهم هل يمكن حقّا أن نشهد حربًا عسكرية بين البلدين؟

توتر جديد

آخر الاتهامات صدرت عن الجزائر، إذ اتهم نظام تبون الجارة الغربية بتنفيذ هجوم على قافلة شاحنات في منطقة حدودية بين موريتانيا ومنطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها، وتشير تقارير إعلامية إلى أن الهجوم وقع الأحد في منطقة عين بنتلي.

وأدانت الجزائر، وفق بيان لوزارة خارجيتها ما وصفته بـ "عمليات الاغتيال الموجهة باستعمال أسلحة حربية متطورة.. ضد مدنيين أبرياء رعايا ثلاث دول في المنطقة" هي الجزائر وموريتانيا و"الجمهورية العربية الصحراوية" التي تعترف بها الجزائر، وقالت إن "هذه الممارسات العدائية والمتكررة تنطوي عن مواصفات إرهاب دولة".

وأكدت الخارجية الجزائرية أن "سياسة الهروب إلى الأمام المنتهجة من قبل قوة الاحتلال المغربية تشكل تحديًا مستمرًا للشرعية الدولية، وتعرّض المنطقة برمتها إلى تطورات بالغة الخطورة"، وقالت إن الهجوم سيعرّض محاولات الأمم المتحدة لتخفيف التوتر الإقليمي للخطر.

يحتل الجيش الجزائري المرتبة الثالثة بين أقوى الجيوش في القارة الإفريقية، فيما يحتل الجيش المغربي المرتبة الخامسة في نفس التصنيف

إثر هذا البيان مباشرة، أكد وزير التهذيب الوطني وإصلاح النظام التعليمي الموريتاني محمد ماء العينين ولد أييه مقتل موريتانيين الأحد في منطقة تقع على الحدود مع الصحراء الغربية، في "حادث وقع خارج تراب الوطن" دون أن يوضح طبيعة ما جرى، فيما أكدت وسائل إعلام محلية أن عدد القتلى هو ثلاثة موريتانيين.

بدورها، نقلت وسائل إعلام مقربة من جبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية، أن طائرة مسيرة مغربية استهدفت فجر الأحد قافلة شاحنات قرب الحدود بين الصحراء الغربية وموريتانيا، مما أسفر عن سقوط قتلى.

ولا تعتبر هذه المرة الأولى التي تتهم فيها الجزائر المغرب بتنفيذ عمليات قتل ممنهجة في الصحراء الغربية، ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أعلنت سلطات الجزائر مقتل ثلاثة من رعاياها في قصف نسب إلى المغرب واستهدف شاحنات تقوم برحلات بين موريتانيا والجزائر.

 

تأتي هذه الاتهامات في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدَين توترات حادة، وصلت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وسحب الجزائر سفيرها من الرباط بسبب ما وصفته بـ"أعمال عدائية" من جانب المملكة، وهو قرار اعتبرته الرباط "غير مبرَّر على الإطلاق".

كما أقدمت الجزائر على وقف نقل الغاز الجزائري عبر الأراضي المغربية إلى إسبانيا، رغم ارتفاع كلفة خيارات التصدير الأخرى التي لديها، فضلًا عن اتهامها جارتها الغربية بمساعدة الحركة من أجل استقلال منطقة القبائل (الماك) في التخطيط لهجمات تستهدف المساس بأمن البلاد والوحدة الوطنية، واتهامها بـ"دعم الجماعات الإرهابية التي تسبّبت في إراقة دماء الجزائريين خلال العشرية السوداء"، فضلًا عن اتهامها بزرع الكيان الصهيوني على حدودها الغربية.

في مقابل ذلك، دائما ما تتهم المملكة المغربية الجارة الشرقية بدعم جبهة البوليساريو وباستضافة قادتها على أراضيها، وهو ما يعقد الوصول لحل لمشكلة الصحراء الغربية المتواصلة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.

طبول الحرب؟

المتأمل لاتهامات الجزائر المتتالية للمغرب والبلاغات الصادرة عن جبهة البوليساريو يقول إن المنطقة على أبواب حرب لا تُبقي ولا تذر، فدائما ما تؤكد الجزائر أن تحركات المغرب "لن تمرَّ دون عقاب"، خاصة وأن أغلب مشاكلها الداخلية والخارجية متأتية منها، وما الاتهامات الأخيرة إلا رسائل جدية لاستعداد جيشها للخيار العسكري في أي لحظة.

بدورها، ما فتئت جبهة البوليساريو حليفة النظام الجزائري تؤكد قصفها لمواقع من تصفه بـ "المحتل المغربي"، مخلفة خسائر كبرى في العتاد والجنود المغربي، بالتزامن مع قرار المغرب إنشاء منطقة عسكرية جديدة على حدوده الشرقية مع الجزائر، الأمر الذي يعتبر تحولًا غير مسبوق في استراتيجيته الأمنية.

بوادر الحرب تظهر أيضًا في سباق التسلح الذي تشهده المنطقة، إذ يحاول كل من المغرب والجزائر تكثيف صفقاتهما العسكرية وتنويع تحالفاتهما في المنطقة، فضلًا عن الحصول على التقنيات المتطورة والبحث عن منافذ استخباراتية جديدة.

ما يجعل الحرب مستبعدة أيضا، أن الطرف الأجنبي المتسبب في الأزمة بين المغرب والجزائر ليس من مصلحته حاليا نشوب أي حرب جديد في شمال إفريقيا

عرفت سنة 2021، زيادة وتيرة السباق المحموم نحو التسلح؛ إذ ارتفعت واردات كلا الطرفين من الأسلحة بشكل ملحوظ خلال السنة، وذلك رغبة من كل جانب في ترجيح كفة ميزان القوى لصالحه، فحسب تقرير موقع "غلوبال فاير باور" الخاص بسنة 2021، يحتل الجيش الجزائري المرتبة الثالثة بين أقوى الجيوش في القارة الإفريقية، فيما يحتل الجيش المغربي المرتبة الخامسة في نفس التصنيف.

بدوره، ذكر معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) في تقريره السنوي أن واردات الأسلحة "للخصمين الإقليميين المغرب والجزائر شكلت مجتمعة 70% من إجمالي الواردات الإفريقية من الأسلحة الرئيسية بين 2016-2020".

تتربع موازنة الدفاع الجزائرية على عرش الموازنات القطاعية الأخرى، وجاءت قبل وزارتي التربية والصحة، إذ بلغت الموازنة العامة للدفاع 1230 مليار دينار أي ما يعادل نحو 9.7 مليار دولار، كما يخصص المغرب ميزانية كبرى للقطاع العسكري، إذ بلغت 5.7 مليارات دولار، خلال السنة الماضية.

حرب مستبعدة

رغم كل هذه المؤشرات فإن الحرب مستبعدة بين الطرفين نظرًا لعديد الأسباب منها الداخلي والخارجي، فكل حرب لا بد لها من حاضنة شعبية تدعمها وهو غير متوفر في المغرب والجزائر فشعبي الدولتين يرفضان تمامًا الحديث عن حرب بين بلديهما، خاصة وأن هناك روابط كبيرة بينهما ولا فائدة من الحرب، بل إنها ستزيد من متاعب البلدين.

وتعرف كل من الجزائر والمغرب مشاكل داخلية كبيرة شملت عديد المجالات كالاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهو ما أثر على التنمية هناك وتدهور المعيشة لفئات كثيرة في كلا البلدين، وأي حرب قادمة ستزيد من متاعبهم.

ليس من مصلحة أحد اندلاع حرب في شمال إفريقيا، فأي حرب ستزيد تقسيم المنطقة، وهو ما سينعكس سلبًا على الشعوب المغاربية التي تسعى لرؤية مغرب عربي موحد بعيدًا عن الصراعات الثنائية التي قسمت دولة الاتحاد المغاربي.

 

ما يجعل الحرب مستبعدة أيضًا، أن الطرف الأجنبي المتسبب في الأزمة بين المغرب والجزائر ليس من مصلحته حاليًا نشوب أي حرب جديد في شمال إفريقيا، خاصة في الظرفية الحالية التي تشهد إعادة تشكل النظام العالمي.

كما يخشى الطرف الخارجي، توقف إمدادات النفط والغاز المتأتي من الجزائر، وهو ما سيكون سببًا لاندلاع أزمة طاقة عالمية، في ظل تواصل الحرب الروسية ضد أوكرانيا وارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية إلى مستويات قياسية لم تشهدها منذ سنوات، لذلك فإنه سيقف ضد أي حرب مرتقبة بين المغرب والجزائر.

بالمحصلة.. ليس من مصلحة أي طرف سواء الجزائر والمغرب أو الطرف الخارجي في نشوب حرب بين الجارين المغاربية في الوقت الحالي، وأي حرب أو حتى مجرد مناوشات بسيطة بينهما ستكون عواقبها كبيرة على المنطقة ككل.