تواصل الانتهاكات الإسرائيلية في حق المسجد الأقصى وسط صمت عربي

يواصل كيان الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاته في مدينة القدس المحتلة، تحديدًا في الأقصى المبارك الذي تعرّض لسلسلة من الانتهاكات غير المسبوقة، من اعتداءات وتكسير وحرق وصعود للقناصة الإسرائيلية على السطوح، إلى جانب ممارسة سياسة الفصل العنصري والسماح للمستوطنين باقتحام الأقصى وأداء صلواتهم فيه، في الوقت الذي يحاول فيه إفراغه من المصلين الفلسطينيين.

يرمي كيان الاحتلال من وراء هذه الاعتداءات إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف، في ظل صمت العرب والمسلمين، بمن فيهم "لجنة القدس" التي أُسست خصيصًا للتصدي للمحاولات الإسرائيلية الرامية إلى طمس الطابع العربي الإسلامي للقدس.

لكن ما إن نعرف رئيس اللجنة، حتى نعرف سبب صمت اللجنة، إذ يرأس ملك المغرب محمد السادس هذه المؤسسة العربية الإسلامية، التي اقتصر نشاطها على صياغة بيانات الإدانة، مثلها مثل باقي الهيئات والمؤسسات العربية الإسلامية.

السؤال المطروح الآن، هل صمت لجنة القدس وقتي ومرتبط بتطبيع المغرب علاقاته مع كيان الاحتلال الصهيوني قبل نحو سنة ونصف، أم أن الصمت يلازمها منذ انبثاقها عن منظمة المؤتمر الإسلامي سنة 1975؟

أهداف اللجنة

قبل الإجابة عن هذا السؤال، دعنا نتعرّف أولًا إلى هذه اللجنة وعملها، حيث جاء إنشاء لجنة القدس بناءً على توصية من المؤتمر السادس لوزراء خارجية البلدان الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، الذي عُقد بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية بين يومَي 12 و15 يوليو/ تموز 1975.

قرّر الوزراء المجتمعون في ذلك المؤتمر تكوين لجنة دائمة من 17 دولة تُسمّى "لجنة القدس"، مهمتها متابعة تنفيذ القرارات التي تتّخذها مؤتمرات المنظمة، واقتراح ما تراه مناسبًا على الدول الأعضاء لتحقيق أهدافها، فضلًا عن متابعة القرارات المصادق عليها حول القدس من مختلف الهيئات والمحافل الدولية.

دائمًا ما لازمَ ملك المغرب الصمت تجاه الاعتداءات الصهيونية في حق القدس والأقصى، فعلاقاته مع الإسرائيليين أهم وأقوى

أُسندت رئاسة اللجنة إلى ملك المغرب بموجب قرار المؤتمر العاشر لوزراء الخارجية الذي انعقد بمدينة فاس المغربية سنة 1979، وفي سنة 1998 اُستحدثت وكالة تابعة للجنة القدس تُسمّى "وكالة بيت مال القدس الشريف"، التي ينصبّ جهدها على مجالات الصحة والتربية والإسكان وصون التراث الديني، وذلك بمبادرة من ملك المغرب.

منذ تأسيسها، عقدت لجنة القدس 20 دورة جرت جميعها في المغرب، باستثناء دورة واحدة في نيويورك الأميركية على هامش الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وعُقدت أول دورة في يومَي 2 و3 يوليو/ تموز 1979 في مدينة فاس المغربية، وآخرها بمدينة مراكش في يومَي 17 و18 يناير/ كانون الثاني 2014.

عُقدت أغلب هذه الاجتماعات لمناقشة المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تهويد مدينة القدس المدينة وتغيير وضعها القانوني والتاريخي، وبحث سُبل التصدي للانتهاكات الصهيونية المتواصلة، ووقف العدوان المستمر على مدينة القدس المحتلة والأراضي الفلسطينية والعربية الأخرى المحتلة.

صمت دائم

المتأمّل في أهداف اللجنة، وفق ما جاء في موقع منظمة التعاون الإسلامي الرسمي، يذهب إلى مخيلته أن اللجنة تمكّنت من الحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي القائم للحرم القدسي، لكن الواقع يقول عكس ذلك، حتى إن الفلسطينيين لم يعودوا ينتظرون شيئًا من هذه اللجنة، وفي هذا الصدد يقول رئيس الهيئة الإسلامية العليا للقدس وخطيب المسجد الأقصى، عكرمة صبري: "إننا لا ننتظر شيئًا من لجنة القدس التي يترأّسها المغرب بعد تطبيعه مع الكيان الصهيوني".

 

أوضح صبري في تصريح إذاعي تناقلته وسائل الإعلام، أن "هذه اللجنة لا جدوى منها لأنها أضحت مشلولة بعد ارتماء المغرب في أحضان الكيان الصهيوني"، وسط التصعيد الخطير الذي تشهده القدس من اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى وتدنيس قوات الاحتلال الصهيوني لباحاته.

يُذكر أن المغرب أعاد علاقاته الدبلوماسية مع كيان الاحتلال في ديسمبر/ كانون الأول 2020، وكان ثمن التطبيع حينها الاعتراف الأمريكي بسيادة المملكة على الصحراء الغربية المتنازع عليها مع جبهة "البوليساريو".

 

تمَّ التطبيع نهاية سنة 2020، لكن لجنة القدس غائبة منذ عقود، إذ لم تجتمع خلال الـ 20 سنة الماضية إلا مرتين آخرها سنة 2014، رغم خروج ملك المغرب محمد السادس في كل مرة للحديث عن "جهود" اللجنة التي لا يراها إلّا هو، ودعوته لاجتماعات عاجلة لا تُعقد إلا في مخيلته.

يعني هذا أن التطبيع الأخير ليس المسؤول الأول عن صمت "أمير المؤمنين"، الذي يرأس لجنة القدس، تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحق القدس والأقصى الشريف، ذلك أن علاقات الملك محمد السادس متجذّرة قبل التطبيع.

ودائمًا ما لازمَ ملك المغرب الصمت تجاه الاعتداءات، فعلاقاته مع الإسرائيليين أهم وأقوى، وهو ما يفسّر تشجيعه الدائم للمغاربة، خاصة الشركات، على إقامة علاقات مع الإسرائيليين، بحجّة أن العديد منهم أصلهم مغربي، فضلًا عن فتح أبواب المغرب للإسرائيليين.

لا يهم القادة العرب دعم القضية الفلسطينية بقدر ما يهمّهم التسويق لصورتهم وكسب مزيد من الامتيازات

لم يُعرف عن ملك المغرب محمد السادس منذ توليه الحكم في يوليو/ تموز 1999، أي دعم جدّي للقدس ولا القضية الفلسطينية، إذ يكتفي كغيره من قادة العرب ببيانات الإدانة والاستنكار، وفي أفضل الأحيان يقوم بإرسال مساعدات غذائية وطبية في بعض المناسبات، لتبييض صورته أمام الرأي العام المحلي والعربي والإسلامي.

ليس هذا فحسب، بل منعت سلطات المغرب في أكثر من مرة مظاهرات وفعاليات مساندة للقضية الفلسطينية، وآخرها قرار جامعة مغربية وقف الدراسة لمدة 3 أيام حتى تمنع فصيلًا طلابيًّا من تنظيم فعالية منددة بالتطبيع ومساندة للقضية الفلسطينية.

ماذا عن العاهل الأردني؟

يُذكرنا صمت رئيس لجنة القدس بصمت ملك الأردن الذي يملك الوصاية على المقدسات في عاصمة فلسطين المحتلة -القدس الشريف-، إذ لم نرَ عملًا يُذكر للعاهل الأردني نصرة للفلسطينيين، رغم تأكيده المتكرر بذل كل جهد ممكن للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي، وحماية الهوية العربية الإسلامية والمسيحية للقدس ومقدساتها، من منطلق الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

 

جدير بالذكر أن الوصاية على الأماكن المقدسة في القدس آلت سنة 1924 إلى الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى، والمدفون في الحرم القدسي، وجرى تأكيد ذلك في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي وقّعت في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 1994.

وتمَّ التأكيد أيضًا في الاتفاقية التي تمَّ التوقيع عليها بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وملك الأردن عبد الله الثاني عام 2013، والمعروفة باسم اتفاقية "حماية الأماكن المقدسة في القدس"، إذ جاء فيها أن الوصاية على هذه الأماكن آلت إلى الملك عبد الله الثاني.

 

عوض التركيز على حماية القدس والمقدسات هناك، ركّز العاهل الأردني جهده في المحافظة على الوصاية والتصدي لجهود دول أخرى تسعى للحصول على الوصاية، ذلك أن النظام الملكي الأردني اكتسبَ الكثير من الشرعية في العالم الإسلامي، ونفوذًا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بسبب وصايته على الأقصى.

يبدو جليًا؛ أن القادة العرب لا يهمّهم دعم القضية الفلسطينية بقدر ما يهمّهم التسويق لصورتهم وكسب مزيد من الامتيازات، أي أنهم يتاجرون برئاستهم لبعض اللجان التي من المفترض أن تدعم القضية الفلسطينية.