تدخل الحرب الروسية في أوكرانيا شهرها الثالث وسط توقعات بإطالة أمدها

بينما كان يتوقعها البعض حرب الأيام المعدودات إذ بها تدخل شهرها الثالث وسط توقعات بإطالة أمدها دون سقف زمني في ظل غطرسة جميع الأطراف والإصرار على المضي قدمًا نحو تحقيق الأجندات المتباينة، فيما يدفع الشعب الأوكراني والاقتصاد العالمي ثمن تلك الحرب التي من المرجح أن تكون مرحلةً فاصلةً في خريطة النظام العالمي.

60 يومًا مرت على الغزو الروسي لأوكرانيا، حين شنت القوات الروسية أول هجماتها فجر 24 فبراير/شباط الماضي، كانت الترشيحات حينها تذهب إلى أن العملية لن تستغرق أكثر من أسبوع على أقصى تقدير في ظل الفروق الشاسعة في القدرات العسكرية والتسليحية، لكن التطورات الميدانية التي شهدتها ساحة القتال كان لها رأي آخر، فالأمر تجاوز كل التوقعات لتجد موسكو نفسها في الوحل الأوكراني، لا يمكنها التزحزح عنه، وسط ضغوط غربية غير مسبوقة، دعم عسكري للأوكرانيين وعقوبات مشددة لخنق الاقتصاد الروسي.

حزمة من التساؤلات تطل برأسها بعد شهرين على انطلاق عملية الغزو التي شهدت تغيرات تكتيكية في إستراتيجية المواجهات تبعًا للتطورات الميدانية، التي كان الدعم الغربي فيها كلمة السر، أبرزها: من المنتصر؟ وما حجم الخسائر التي تكبدها الطرفان؟ وما السيناريوهات المتوقعة في ضوء حرب المعلومات المضللة من الطرفين بشأن الوضع عسكريًا التي تأتي في إطار الحرب النفسية التي لا يمكن الاستناد إليها لقراءة المشهد بصورة موضوعية؟

تغيير إستراتيجي

يبدو أن موسكو بعد انقضاء تلك الفترة الطويلة من الحرب أحدثت تغييرًا في إستراتيجيتها للمرحلة المقبلة في المعركة، وأصبحت تكثف ضرباتها على المناطق الجنوبية والشرقية في أوكرانيا، بعد أن كان تركيزها منصبًا على المناطق الشمالية فقط.

خلال المرحلة من الأولى من الحرب كان الاهتمام الأبرز على العاصمة كييف، إلا أن الأمور لم تكن كما خطط لها، إذ قوبلت القوات الروسية بمقاومة شرسة، عززها الدعم الغربي المتواصل، ما أجبر الروس على تغيير خطتهم لنقل المعركة من العاصمة إلى الجبهة الشرقية والجنوبية.

وعليه وضعت موسكو عينًا على الشرق، حيث خاركييف المجاورة، وعينًا أخرى على الجنوب، حيث بحر أزوف والبحر الأسود، من ماريوبول وصولًا إلى شبه جزيرة القرم، ومن خيرسون وميكولايف وانتهاءً بأوديسا في الجنوب الغربي، في تحول أثار الكثير من التساؤلات عن دوافعه الرئيسية.

هناك من يرى أن إسقاط كييف لم يكن هدفًا روسيًا من الأساس، وأن المناوشات التي جرت على حدود العاصمة كانت من قبيل إجهاض القوات الأوكرانية وتقليم أظافرها وتفريغها من قواتها بما يمهد للسيطرة على المناطق الجنوبية والشرقية بصفتها الهدف الرئيسي

وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، قال في تصريحات له في 19 أبريل/نيسان الحاليّ إن بلاده بدأت مرحلة جديدة من عمليتها العسكرية في أوكرانيا، معربًا عن ثقته خلال مقابلة مع قناة إنديا توداي التليفزيونية "بأنها ستكون لحظة مهمة جدًا في هذه العملية الخاصة بأكملها".

وعن الهدف من تلك المرحلة الجديدة، أشار القائم بأعمال قائد المنطقة الوسطى للقوات المسلحة الروسية، روستام مينيكايف، إلى مساعي الجيش الروسي بسط سيطرته الكاملة على منطقة دونباس وجنوب أوكرانيا، منوهًا أن ذلك سيوفر ممرًا بريًّا إلى شبه جزيرة القرم وإلى القوات الموجودة في منطقة ترانسدنيستريا الانفصالية الموالية لروسيا في مولدوفا.

هزيمة أم تكتيك؟

القراءة الأولية للتغير الإستراتيجي في الخطة الروسية العسكرية في أوكرانيا تشير إلى الفشل في اقتحام كييف وعدم القدرة على هزيمة القوات الأوكرانية التي تلقت منذ بداية الحرب الكثير من أوجه الدعم العسكري واللوجستي، وهو ما رجح كفتها رغم الحشود الهائلة التي استعانت بها موسكو لإسقاط العاصمة.

وعليه يميل أنصار هذا الرأي إلى أن التقهقر إلى الجنوب والشرق ليس سوى رضوخ لمعطيات المعركة واعتراف ضمني بالهزيمة في موقعة كييف التي لو ربحها الروس لتغير الوضع تمامًا على أرض الميدان مهما كان الدعم المقدم للقوات الأوكرانية، وأن روسيا لم تنسحب من تلك المواجهة إلا بعدما تيقنت من فشلها في حسمها لصالحها.

وفي الجهة المقابلة هناك من يرى أن إسقاط كييف لم يكن هدفًا روسيًا من الأساس، وأن المناوشات التي جرت على حدود العاصمة كانت من قبيل إجهاض القوات الأوكرانية وتقليم أظافرها وتفريغها من قواتها بما يمهد للسيطرة على المناطق الجنوبية والشرقية بصفتها الهدف الرئيسي لحماية الأمن القومي الروسي، كما أعلن الرئيس فلاديمير بوتين بداية الحرب.

الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، في تفسيره لفشل روسيا في حسم معركة كييف، يشير إلى أن حرب الشوارع والقتال في المدن التي اتبعها الجيش الأوكراني وقفت حائلًا أمام تقدم القوات الروسية، لافتًا إلى أن مثل هذه النوعية من الحروب من أصعب العمليات القتالية للجيوش النظامية.

وأضاف فرج أن الحل أمام الروس كان في اتباع سياسة الأرض المحروقة، حيث تدمير المدينة بأكملها وإبادة الشعب وسكان كييف عن بكرة أبيهم باستخدام الأسلحة الثقيلة، منوهًا أن موسكو تملك القوة والقدرة على تحقيق ذلك، لكن ذلك كان سيضعها في مأزق أمام المجتمع الدولي، لذا آثرت روسيا تغيير خطتها والانسحاب من كييف.

صراع استنزاف

بات من الواضح أن الغرب يميل أكثر نحو استمرار أمد الحرب أطول فترة ممكنة، بهدف استنزاف روسيا عسكريًا واقتصاديًا، وهو ما تعكسه الأرقام الرسمية وغير الرسمية بشأن الخسائر التي تكبدها الروس منذ بدء الحرب، وهو ما تسعى إليه القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة.

ومما يعزز تلك السردية التعنت الأمريكي الواضح إزاء جهود الوساطة التركية بين موسكو وكييف، ففي الوقت الذي تحاول فيه أنقرة وبعض عواصم أوروبا تهدئة الأجواء للتمهيد لوقف القتال، تواصل واشنطن وإدارة جو بايدن تصعيدها إزاء روسيا بشكل يدفع نحو رفض الأخير لأي جهود دبلوماسية ويجرها أكثر نحو الاستمرار في المستنقع الأوكراني، وهذا ما يريده الأمريكان بما يخدم مصالحهم الاقتصادية واللوجستية.

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، في قراءته للمشهد الأوكراني يشير إلى أن الحرب الدائرة منذ 24 فبراير/شباط الماضي "قد تصبح صراع استنزاف طويل يستمر لعدة أشهر"، مضيفًا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "غاضب من الهزائم، لكنه مصمم على تحقيق نوع من الانتصار بغض النظر عن الإنسان"، كما جاء في حديثه لصحيفة "الغارديان".

الرؤية ذاتها أشار إليه أمين عام حلف شمال الأطلسي (الناتو) ينس ستولتنبرغ، حين توقع أن "تستمر الحرب في أوكرانيا لفترة طويلة ما لم يتخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن طموحه بالسيطرة على كامل أوكرانيا"، مضيفًا خلال تصريحاته التي أدلى بها على هامش اجتماع لوزراء خارجية الحلف في بروكسل أن "الحلفاء بحاجة إلى العمل من أجل إنهاء سريع للحرب، لكن في نفس الوقت يجب أن يكونوا مستعدين لفترة طويلة.. قد تستمر هذه الحرب لأسابيع، وأيضًا لأشهر وربما أيضًا لسنوات".

حصاد شهرين.. خسائر للكل

كعادة الحروب الطويلة من هذه الشاكلة تكون الخسائر على الجميع، ففي الغالب لا منتصر بالكلية ولا مهزوم بالقاضية، خاصة في ظل توازن القوى النسبي بعد دخول الغرب على خط الأزمة كطرف أساسي في الحرب وإن لم يرتدوا البزة العسكرية.

على الجانب الأوكراني، كونه ساحة القتال الميدانية، فقد بلغت خسائر البنية التحتية في البلاد نحو 600 مليار دولار، منها 80 مليارًا سجلت خلال الأسبوع الأخير فقط، كما لحقت الأضرار بنحو 23 ألف كيلومتر من الطرق المعبدة والحديدية، ونحو 37 ألف متر مربع من العقارات (الشقق داخل آلاف المباني السكنية)، و546 مؤسسةً تعليميةً و319 روضة أطفال و205 مؤسسات طبية و145 مصنعًا وشركةً، بجانب 54 مبنى إداريًا و277 جسرًا ومعبرًا و10 مطارات عسكرية و8 مطارات مدنية وميناءين اثنين، وفق دراسات دورية يقوم بها معهد كييف لعلوم الاقتصاد.

وبطبيعة الحال انعكس ذلك على الاقتصاد الأوكراني الذي يعاني من أزمات طاحنة منذ الحرب، إذ سخر كل أولوياته لدعم القوات المقاتلة، التي تبلغ كلفة نفقاتها اليومية 68 مليون دولار بحسب رئيس الوزراء دينيس شميهال، فيما حذرت وزارة الاقتصاد من تداعيات تلك الحرب على الوضع الداخلي، حيث تعطل أكثر من 70% من شركات الدولة والقطاع الخاص، وحرمت البلاد من 30% من الأراضي المزروعة، بجانب الحرمان من 20% من الناتج المحلي جراء حصار الموانئ.

الخسائر الفعلية للحرب بلغت مقتل 46 ألف، قابل للزيادة، وإصابة 12 ألف آخرين، فضلًا عن فقدان 400 على الأقل، فيما تجاوز النازحون 13 مليونًا، ودُمر أكثر من 1800 مبنى وتجاوزت الأضرار التي لحقت بالممتلكات 565 مليار دولار.. بحسب رويترز

إنسانيًا.. اضطر قرابة 12 مليونًا من الأوكرانيين (27% من إجمالي السكان) لمغادرة منازلهم منذ بداية الحرب، منهم 4.6 مليون نسمة عبروا الحدود كلاجئين إلى دول الجوار الأوروبي بشكل أساسي (90% منهم نساء وأطفال) فيما توزع الباقي على مناطق الغرب الأوكراني كنازحين داخليًا.

وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) فإن الحرب أدت إلى تهجير ثلثي العدد الإجمالي لأطفال أوكرانيا، فيما بقى نحو 3.2 مليون في منازلهم، ونصفهم تقريبًا معرضون لخطر بسبب نقص الغذاء، أما إجمالي الضحايا فبلغ 4450 مدنيًا أوكرانيًا من بينهم 1982 قتيلًا، و2558 مصابًا، بحسب بيان مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 12 أبريل/نيسان الحاليّ.

وبحسب رويترز فإن الخسائر الفعلية للحرب بلغت مقتل 46 ألف، قابل للزيادة، وإصابة 12 ألف آخرين، فضلًا عن فقدان 400 على الأقل، فيما تجاوز النازحون 13 مليونًا، ودُمر أكثر من 1800 مبنى وتجاوزت الأضرار التي لحقت بالممتلكات 565 مليار دولار.

جدير بالذكر أن تلك الأرقام لا تعبر عن الواقع الفعلي، فما تحقق أضعاف ما تم إعلانه نظرًا لتأخر المعلومات الواردة من جبهات القتال العنيفة، وهو ما تعترف به المفوضية الأممية التي تشير إلى أن عدد القتلى في كييف وحدها على سبيل المثال تجاوز 1300 شخص، في حين تشير التقديرات إلى أن ضحايا ماريوبول تجاوزوا 21 ألفًا.

أما على الجانب الروسي، فبحسب وزارة الدفاع الأوكرانية فقد بلغت خسائر القوات الروسية 19900 قتيل وإصابة أكثر من 60 ألفًا آخرين، إضافة إلى تدمير 753 دبابةً و1968 عربةً مدرعةً و366 نظامًا مدفعيًا، بجانب 122 راجمة صواريخ و64 منصة للدفاع الجوي و160 طائرة مقاتلة و144 مروحية و132 طائرة مسيرة و1429 آلية عسكرية و76 صهريج وقود و7 سفن وزوارق بحرية، وغيرها من الآليات والمعدات.

ماذا عن القادم؟

بحسب الخبراء فإن الحرب لن تنتهي في الوقت الراهن رغم جهود الوساطة التي تبذلها أنقرة وحققت فيها نجاحات نسبية، كونها استطاعت أن تجمع وزيرا خارجية روسيا وأوكرانيا على مائدة حوار واحدة، فيما تشير التخمينات إلى قرب لقاء يجمع بين الرئيسيين بوتين وزيلنسكي إذا سارت الأمور وفق الخط المرسوم لها.

يتوقف الأمر ابتداءً على الموقف الأمريكي، فإصرار بايدن وإدارته على التصعيد وفرض عقوبات على موسكو ونخبتها الاقتصادية والسياسية حتمًا سيزيد من غطرسة بوتين ويدفعه لمزيد من الغوص في أوحال أوكرانيا مهما كان الثمن، في ظل خطاب شعبوي من الطراز الأول يتبناه مع شعبه وسط دعم ملحوظ من الصين والهند وإيران.

ليس من مصلحة واشنطن إنهاء الحرب في الوقت الراهن، فالهدف هو استنزاف روسيا على المستويين الاقتصادي والعسكري، وتشويه صورتها عالميًا كدولة غازية تضرب بالقانون الدولي عرض الحائط في محاولة لتعزيز عزلتها الدولية، كما أن موسكو وفي ظل صراع النفوذ مع القطب الأمريكي لن ترفع الراية البيضاء مبكرًا، حتى لو تطلب الأمر تحويل الاقتصاد الوطني إلى جهود التعبئة.

الضغوط الأوروبية والتركية هنا ربما تكون عاملًا مؤثرًا لإثناء الطرفين عن مسار الغطرسة المتبع، حفاظًا على ما تبقى من الشعب الأوكراني ووقف نزيف الاقتصاد العالمي الذي أذاق الجميع مرارة كؤوسه، وهو ما يتوقع أن تكون عليه المرحلة المقبلة.

وفي النهاية فإن سيطرة روسيا على إقليم الدونباس ربما يحقق لها نصرًا معنويًا ويخرجها من أوكرانيا وهي تحفظ ماء وجهها، كما أن خسارة معركة كييف قد يُفسر على أنه هزيمة للروس وانتصار مؤزر لأوكرانيا والقوى الغربية، فيما تتبقى رتوش إنهاء تلك الحرب التي يزعم كل طرف الخروج منها منتصرًا، مشروطة بجهود الوساطة وحسابات النظام العالمي الجديد.