بعد اتفاقية التسوية التي فرضتها الحكومة السورية في يوليو/ تموز 2018 على محافظتَي درعا والقنيطرة جنوب سوريا، تحولت المحافظتان بجانب محافظة السويداء إلى مُنطلق لعمليات تهريب الحبوب المخدرة والحشيش نحو الأردن قاصدة أسواق الخليج العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية.

ووفق "وكالة الأنباء الأردنية"، التي نقلت عن العميد الركن زين الدباس من الجيش الأردني منتصف فبراير/ شباط الفائت، رصدَ الجيشُ الأردني 160 شبكة تعمل داخل العمق السوري، باتت تستخدم تكتيكات جديدة -بما فيها طائرات مسيّرة- لنقل الحشيش، ومركبات مجهّزة بمعدات عالية الخطورة، بالإضافة إلى تنفيذ عمليات تسلل وهمية بغرض التمويه عن تنفيذ عمليات حقيقية في الوقت ذاته لمواقع أخرى.

وشهدت الأعوام الثلاثة الأخيرة نشاطًا واضحًا في عمليات التهريب، إذ اعترض الجيش الأردني منذ بداية العام 2022 أكثر من 17000 علبة حشيش، وضبط 17 مليون حبة كبتاغون، في حين تمَّ ضبط 15.5 مليون حبة كبتاغون في العام 2021، و1.4 مليون حبة في العام 2020.

مع تزايد هذه الجماعات في الجنوب السوري تعددت مساراتها لإدخال هذه الحبوب المخدرة والكبتاغون:

 المسار الأول ينطلق من نقطة المصنع، المعبر السوري اللبناني، مرورًا بعدة قرى وبلدات، وصولًا إلى القنيطرة ثم إلى ريف درعا الغربي، متخذًا طرقًا ترابية، حيث يُعتبر ""حزب الله"" اللبناني الناشط الفعلي والأبرز لصناعة هذه الحبوب، و هو من يعمل على تأمين دخولها عبر نقطة المصنع.

أما المسار الثاني فينطلق من مدينة القصير بريف حمص، حيث قواعد ""حزب الله"" أيضًا، وصولًا إلى الساحل السوري.

في حين يبدأ المسار الثالث من سهل البقاع جنوب لبنان متفرّعًا لنقطتَين: فليطة وصولًا إلى قاعدة كريم الشمالي في منطقة اللجاة بين درعا والسويداء؛ أو فليطة وصولًا إلى خراب الشحم جنوب درعا؛ وفي محافظة السويداء المتميزة بوعورة تضاريسها، تُنقل إليها الشحنات من منطقة اللجاة عبر البادية السورية، إلى منطقتَي الشعاب وخربة عواد الحدوديتَين.

أبو طالب (اسم حركي) من مواليد محافظة درعا، وهو أحد سكان بلدة خراب الشحم الحدودية، أكّد لـ"نون بوست" أن حواجز النظام، وخاصة الفرقة الرابعة والمخابرات العسكرية، تسهّل مرور شحنات الكبتاغون والمواد المخدرة على مرأى الجميع، بالرشوة أو الشراكة، حتى تصل تلك الشاحنات إلى مصانع وأماكن تخزين على تماسّ من الحدود الأردنية، لافتًا أن المخافر الحدودية تتغاضى عن تلك الأماكن.

وأضاف أبو طالب أن بلدة خراب الشحم إحدى نقاط تهريب الشحنات المهمة نظرًا إلى موقعها الحدودي، كما حولت عصابات التهريب محطة تحلية المياه القريبة من البلدة إلى مكبس صناعة حبوب الكبتاغون، بعد أن توقفت عن العمل عام 2012.

رغم مقتل العديد من أفراد شبكات التهريب خلال اشتباكها مع حرس الحدود الأردني، والخسائر الفادحة لهم خلال الأعوام الماضية، إلا أن محاولاتهم لم تتوقف في استمرار تمرير الشحنات بشتى الطرق

ووُجِّهت اتهامات من الجانب الأردني لجهات رسمية سورية بالتواطؤ وتسهيل تحركات المهربين، ففي منتصف فبراير/ شباط 2022، أشار مدير الإعلام العسكري في الجيش الأردني، العقيد مصطفى الحياري، إلى أن حرس الحدود الأردني لديه صور وإثباتات تؤكد تورُّط بعض المخافر السورية على الحدود، ومعها ميليشيات منظّمة، بتسهيل مهام مهرّبي السلاح والمخدرات.

الصحفي السوري ريان معروف، متخصص بالجنوب السوري، ومسؤول تحرير "شبكة السويداء 24"، أكّد في حديث لـ"نون بوست" أن معظم شحنات المخدرات التي تصل الجنوب ومنه إلى الأردن قادمة من ريف حمص ولبنان، وتتولى جماعات مسلحة متعددة حماية خطوط المخدرات ونقل البضائع وصولًا إلى الجنوب، وهذه الجماعات تتبع لميليشيا "حزب الله" وأمن الفرقة الرابعة إضافة إلى شعبة المخابرات العسكرية، وتضمن تبعية هذه الأطراف المسلحة مسألة عبور شحنات المخدرات عبر نقاط التفتيش الأمنية.

ولفت معروف أن شبكات تهريب المخدرات تستغلّ جملة من الظروف لاستقطاب الشباب، كالأوضاع المعيشية السيّئة للسكان في جنوب سوريا، وتردّي الأوضاع الأمنية، وانسداد الأفق أمام الشباب، وغياب الدور الرعائي المفترض للدولة، وبالتالي زجّهم في عمليات التهريب، أو لترويج المواد المخدرة والتعاطي ضمن المجتمع، وتعمل تلك الشبكات بطريقة لا مركزية، فكل شبكة تتولى مهمة محددة ضمن نطاقها الجغرافي.

وعزا معروف ارتفاع الخسائر البشرية من شبكات التهريب خلال الفترة الماضية، إلى تغيير الأردن قواعد الاشتباك، والتعامل بصرامة مع أي محاولة تهريب على حدوده، إذ تمَّ توثيق مقتل أكثر من 35 شخصًا من أبناء الجنوب السوري منذ مطلع العام الحالي على الحدود السورية الأردنية، معظمهم من عشائر البدو في الجنوب السوري.

وتختلف أجور المهربين حسب اختصاص ومهمة كل مجموعة، حيث تتوزع المهام ما بين حماية خطوط التهريب، أو تأمين المخدرات من منطقة إلى منطقة، أو حماية مراكز التجميع والتخزين، أو تهريب المواد المخدرة إلى الأراضي الأردنية، أو مرافقة الشحنات وحراسة أماكن التخزين والتعبئة، أو الترويج والتوزيع المحلي، إلا أن أجر المهرب الواحد بين 6500 و10000 دولار أمريكي في حال نجح في توصيل حمولة المخدرات إلى الوجهة المطلوبة في الأردن، حسب ما ذكره معروف.

وختم معروف حديثه أنه ليس واضحًا وجود مصانع على مستوى عالٍ جنوب سوريا، كالمصانع التي تتواجد في مناطق نفوذ ميليشيا "حزب الله" بلبنان وريف حمص، إلا أنهم بدؤوا بتوثيق معلومات عن إنشاء مكابس كبتاغون صغيرة تتوزع في بعض مناطق محافظة درعا، وقدرتها الإنتاجية محدودة لا تتجاوز إنتاج 21 ألف حبة في اليوم الواحد، ومن الصعب إنشاء مصانع ومكابس على مستوى عالٍ في الجنوب السوري، كون المنطقة لا تخضع لسلطة مطلقة من أي طرف، بل لجهات متعددة الولاءات.

إعلان عمّان الأخير دخولها بحرب غير معلنة مع تجار المخدرات يبقى غير جدّي أو قابل للتحقيق دون أن يحدث استقرار كامل في سوريا

ورغم مقتل العديد من أفراد شبكات التهريب خلال اشتباكهم مع حرس الحدود الأردني، والخسائر الفادحة لهم خلال الأعوام الماضية، أعنفها تلك التي سجّلت مقتل 30 مهرّبًا، وضبطت أكثر من 16 مليون حبة مخدرة، في 17 فبراير/ شباط من العام الحالي، إلا أن محاولاتهم لم تتوقف في استمرار تمرير الشحنات بشتى الطرق.

يبيّن الباحث بالشأن السوري، محمد السكري، لـ"نون بوست"، أن الغاية من إصرار النظام على تجارة وتهريب المخدرات هي اقتصادية، إذ يجني من خلال هذا القطاع عائدات جيدة من المال في ظل انهيار شبه تام يعاني منه الاقتصاد السوري.

مضيفًا أن نظام الأسد لا يقوم بهذه المهمة وحده، وإنما بتسيير من قبل قوات "حزب الله" التي تنفّذ عمليات النقل، كونها مسيطرة على أجزاء واسعة من الجنوب السوري، وبلا شكّ بالتعاون مع الفرقة الرابعة التي تُعتبر ذراعًا إيرانيًّا.

وشكّك السكري في قدرة الحكومة الأردنية على التعامل مع هذا الملف الكبير من منطلقات أمنية هشّة، إذ يقول: "من الصعب مكافحة هذه النوعية من التجارة دون تعاونٍ بين الدولتَين، أي سوريا والأردن، وفي حالة سوريا اللادولة، يزداد الأمر صعوبة مع عدم وجود مؤسسات فعلية، فضلًا عن غياب الرغبة من قبل النظام بإيقاف العمل بالمخدرات، كونها تساعده بشكل جيّد على سدّ ثغرات العجز الاقتصادي الذي يعاني منه".

كما أكد السكري أن إعلان عمّان الأخير دخولها بحرب غير معلنة مع تجار المخدرات يبقى غير جدّي أو قابل للتحقيق دون أن يحدث استقرار كامل في سوريا، إضافة إلى أنها ستكون في مواجهة الجماعات الإيرانية أو المحلية المدعومة من إيران، الجماعات نفسها التي فضّلتها قيادة الأردن على المعارضة السورية.

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي لا تزال تشهدها المحافظة، وإطلاق النظام يد ميليشياته في تسهيل عمليات التهريب والتجارة والترويج، فإن تجارة المخدرات ستشهد تطورات في الأساليب المتبعة، ونشاطًا مكثفًا خاصة لتعويض العديد من الشحنات باهظة الثمن التي ضبطها حرس الحدود الأردني، في حين أن التعويل الأردني على تعاون نظام الأسد بمنع التهريب ووضع حدٍّ لهذه العصابات ستبقى أمنية، كون أعمدة نظام الأسد هم بارونات المخدرات أصلًا، صناعة وتهريبًا.