يتهم الجيش الفرنسي بالتجسس على الجيش المالي وتخريب البلاد

يتهم الجيش الفرنسي بالتجسس على الجيش المالي وتخريب البلاد

في يناير/كانون الثاني 2013، حين دخل الجيش الفرنسي دولة مالي الإفريقية، خرج المئات مرحبين به، فقد جاء بطلب من الحكومة المالية لمساعدتها في مواجهة خطر الجماعات المسلحة التي سيطرت على شمال المستعمرة السابقة، لكن هذا الترحيب لم يدم طويلًا بعد أن اكتشف الماليون حقيقة التدخل الفرنسي في بلادهم.

بعد الترحيب، بدأت المظاهرات المنددة بالوجود العسكري الفرنسي في مالي، وخرج آلاف الماليين في الشوارع للمطالبة بطرد الفرنسيين، في ظل تواتر الفضائح المتعلقة بالجيش وسعي باريس ومؤسساتها المنتشرة هناك لتقسيم البلاد وتهديد أمنه واستقراره الهش.

تجسس وتخريب

مؤخرًا، اتهم المجلس العسكري الحاكم في باماكو، الجيش الفرنسي بـ"التجسس وارتكاب أعمال تخريب"، وقال إنه لاحظ أكثر من 50 حالة انتهاك متعمدة للمجال الجوي المالي من طائرات أجنبية، خصوصًا طائرات تابعة للقوات الفرنسية منذ بداية العام.

وتشير سلطات مالي في بيانها إلى واحدة من أحدث حالات انتهاك المجال الجوي المالي وهي عبارة عن "وجود غير قانوني لطائرة مسيرة تابعة للقوات الفرنسية في 20 أبريل/نيسان 2022 فوق قاعدة غوسي.

يدل هذا الوضع على أن الفرنسيين يفضلون استخدام معداتهم العسكرية للتجسس على محاربة الإرهاب، وفشل العملية العسكرية "برخان" دليل على ذلك، إذ لم تتمكن فرنسا من القضاء على العناصر الإرهابية المنتشرة في البلاد، بل إن العكس هو ما حدث، وتزايدت قوة هذه الجماعات.

تأتي عمليات التجسس في وقت تسعى فيه الحكومة المالية إلى بناء قدرات عسكرية لردع طائرات التجسس الأجنبية ومنع الطائرات الفرنسية دون طيار من التحليق في سماء البلاد، وبالتالي حماية البلاد من عمليات التجسس التي تقوم بها القوات الفرنسية أو غيرها من القوى الأجنبية.

الاتهامات المالية لم تكن حكرًا على الجيش الفرنسي، بل طالت أيضًا وسائل إعلام فرنسية

بالإضافة إلى التجسس، كانت القوات الفرنسية مذنبة بأعمال تخريب بنشرها صورًا كاذبة ملفقة لاتهام (جنود ماليين) بارتكاب جرائم قتل مدنيين، وقبل أيام، أعلن الجيش المالي "العثور على جثث في حالة تحلُّل متقدم في مقبرة جماعية ليست بعيدة عن المعسكر الذي كانت تشغله سابقًا قوة برخان الفرنسية، في غوسي شمال البلاد"، ولفت الجيش في بيان له إلى أن "حالة التحلل المتقدمة للجثث تشير إلى أن هذه المقبرة الجماعية كانت موجودة قبل وقت طويل من تسليم القاعدة".

وأعلن القضاء العسكري المالي حينها فتح تحقيق لتوضيح ملابسات اكتشاف هذه المقبرة الجماعية، وقال المدعي العام في محكمة باماكو العسكرية: "سيتم إبلاغ الرأي العام بشكل منتظم بسير التحقيق وستعلن نتائجه للجميع".

وفي 19 أبريل/نيسان الحاليّ، أتم الجيش الفرنسي تسليم قاعدة غوسي الواقعة في شمال البلاد إلى القوات المسلحة المالية، في إطار سحب قوة برخان الفرنسية من مالي، وأشارت هيئة الأركان الفرنسية إلى أنه تم تسليم الموقع "على حاله مع جميع الأجهزة الدفاعية وجميع المعدات ومع البنية التحتية للثكنات كذلك"، وكانت هذه القاعدة تضم 300 جندي فرنسي.

اتهامات سابقة

هذه ليست المرة الأولى التي يُتهم فيها جيش فرنسا بالتجسس وتخريب البلاد، فقد سبق أن اتهم رئيس الحكومة الانتقالية في مالي شوغيل مايغا، فرنسا بالوقوف وراء تدريب من وصفهم بـ"الجماعات الإرهابية" الناشطة في البلاد، مؤكّدًا أن حكومته تملك أدلة على ذلك.

الهدف من وراء تدريب هذه الجماعات المسلحة، تغذية الإرهاب في مالي ومنطقة الساحل والصحراء ككل، فمهمة هذه المجموعات، وفق السلطات المالية تقويض الأمن والاستقرار في المنطقة، ما يُفسّر بقاء الوضع الميداني على حاله هناك وتنامي الجماعات الإرهابية رغم مرور أكثر من 8 سنوات على انطلاق الحرب ضدها.

كما تتهم القوات الفرنسية المتمركزة في مالي منذ مطلع سنة 2013، بتأسيس جيش بأكمله في شمال البلاد - تحديدًا في كيدال - وتسليمه إلى حركة تشكلت من "أنصار الدين" - أكبر التنظيمات المسلحة في إقليم أزواد - المتعاونة مع تنظيم القاعدة.

فضلًا عن ذلك، تتهم باريس بتقسيم البلاد كحال الجماعات الإرهابية التي أعلنت في أبريل/نيسان 2012 قيام دولة الأزواد شمال مالي بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق أمادو توماني توري، وذلك بعزلها منطقة كيدال التي تسيطر عليها قواتها عن باقي مناطق مالي ومنع حكومة باماكو من الوصول إليها.

إلى جانب ذلك، تتهم فرنسا بنهب ثروات مالي، فخلال حضورها هناك، عملت باريس على استنزاف خيرات هذا البلد الإفريقي ونهب ثرواته والتحكم في اقتصاده الهش، خاصة أن باطن مالي يحمل ثروات نفطية وغازية ومعدنية كبيرة (الذهب والبوكسيت واليورانيوم والحديد والنحاس والليثيوم والمنغنيز والفوسفات والملح).

كما كانت مالي ركيزة لفرنسا، تحمي من خلالها استثماراتها الاقتصادية الكبرى في بوركينافاسو والسنغال وعموم دول المنطقة، عدا عن السيطرة على مواردها، فمالي تقع على مقربة من حقول النفط الجزائرية وعلى مسافة قريبة أيضًا من موريتانيا التي أثبتت عمليات التنقيب امتلاكها احتياطات ضخمة من الغاز، وتجاور النيجر التي تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في إنتاج اليورانيوم.

هل وسائل الإعلام الفرنسية شريكة في هذه التجاوزات؟

الاتهامات المالية لم تكن حكرًا على الجيش الفرنسي، بل طالت أيضًا وسائل إعلام فرنسية، إذ تتهم الحكومة المالية إذاعة فرنسا الدولية ومحطة فرانس 24 التليفزيونية (مملوكة للدولة الفرنسية) بالعمل على زعزعة استقرار السلطة الانتقالية في البلاد وتشويه سمعتها، ولعب دور شبيه بما قامت به إذاعة ميل كولين في رواندا التي ساهمت في وقوع حرب أهلية، وشجعت على جرائم الإبادة الجماعية في رواندا.

نتيجة هذه الاتهامات قررت السلطات المالية تعليق عمل هذه المؤسسات المملوكة للدولة الفرنسية نهائيًا في بلادها، بعدما مُنعتا من البث اعتبارًا من 17 مارس/آذار، إلا أن المجموعة الأم للمحطتين أكدت في بيان أنها ستواصل "تغطية أخبار مالي التي تهم إفريقيا برمتها وبقية العالم".

وجاء قرار تعليق البث في مارس/آذار الماضي، على خلفية نشر وسيلتي الإعلام الفرنسيتين معلومات مفادها أن الجيش المالي ضالع في تجاوزات بحق مدنيين، وهو ما تنفيه السلطات الانتقالية في هذا البلد الإفريقي الغارق في الفوضى.

أثبتت مؤشرات عديدة أن فرنسا لم تعد تمسك بخيوط اللعبة جميعها في الدول التي استعمرتها ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا لسنوات

تخشى سلطات مالي أن تلعب وسائل الإعلام الفرنسية دورًا مماثلًا لما لعبته وسائل الإعلام سنة 1994، عندما نشرت وسائل إعلام رواندية في تلك الفترة ثقافة الكراهية بصورة متصاعدة في أوج الأزمة السياسية التي كانت تعصف بالبلاد، وتحريض الناس على حمل السلاح وحثهم على القيام بعمليات القتل من خلال الأغاني التي كانت تبثها.

نتج عن هذا التحريض إبادة أكثر من 800 ألف شخص، معظمهم من أقلية التوتسي والساسة الروانديين المعتدلين، بطرق مروّعة واستمرت المذبحة لمدة 100 يوم بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران عام 1994، وخلص تقرير أعدّه مكتب المحاماة الأمريكي ليفي فايرستون ميوز "إلى أن الحكومة الفرنسية تتحمل مسؤولية كبيرة في دعم إبادة جماعية كانت متوقعة".

سمعة فرنسا على المحك

من المنتظر أن تؤثر الاتهامات التي تلاحق الجيش ووسائل الإعلام الفرنسية سلبًا على وجود فرنسا في إفريقيا، خاصة أن سمعة باريس على المحك منذ وصول إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه قبل 5 سنوات من الآن.

تلقّت فرنسا في السنوات الأخيرة ضربات متتالية في القارة الإفريقية، تمثّلت في تصاعد النزعة الوطنية المطالبة بالتخلُّص من كل ما له علاقة بباريس، بدءًا بلغة موليير والشركات الفرنسية والقواعد العسكرية المنتشرة في دولة عدة من إفريقيا.

أثبتت مؤشرات عديدة أن فرنسا لم تعد تمسك بخيوط اللعبة جميعها في الدول التي استعمرتها ثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا لسنوات، وكانت إلى وقت قريب ضمن دائرة نفوذها كتشاد ومالي وإفريقيا الوسطى، ما فتح الباب على مصراعيه للعديد من القوى الإقليمية المنافسة.

فقد جدت دول عدة على غرار روسيا والصين وتركيا، الفرصة للتمدد في إفريقيا في ظل الرفض الشعبي الكبير لكل ما هو فرنسي، الأمر الذي أزعج باريس، فهي تستمد قوتها الدولية من وجودها في إفريقيا ونهب ثرواتها والتحكم في قرار دولها السيادي.