يحرص التونسيون خلال العيد على إحياء العادات والتقاليد

يحرص التونسيون خلال العيد على إحياء العادات والتقاليد

يحتفل التونسيون مع ملايين المسلمين في عدد من دول العالم طيلة ثلاثة أيام بعيد الفطر المبارك بعد شهر من الصيام والقيام، ويحرصون خلال هذه الأيام على ممارسة العديد من العادات والتقاليد التي تميز هذه الأيام المبهجة وقد تتشابه أو تختلف مع المسلمين في دول ومجتمعات أخرى.

الذهاب للمقابر والأضرحة

قبل أن ترسل خيوط الشمس أشعتها إلى موعد صلاة العيد، يتوافد العديد من التونسيين نسوة ورجالًا على المقابر المجاورة قصد زيارة قبور ذويهم المتوفين بنية الدعاء لهم وعربون ذكرى بينهم في يوم سعيد، فلا ينسى المرء ذويه الموتى في العيد.

تتحول المقابر صبيحة يوم العيد إلى مزار ومحتشد، ففي ذلك اليوم يحبذ المرء أن يلقي التحية على أهله الراحلين ويفرحهم بالسلام وقراءة القرآن، فيمكن للعيد أن يبهج الأحياء والأموات على حد سواء.

تعتبر خرجة العيد من العادات الكريمة التي حاربها بن علي ومنعها طيلة فترة حكمه التي امتدت لـ23 سنة

يتبادل الوافدون التحية والتهاني بالعيد وتوزع الحلويات المحلية الصنع مثل "الغريّبة" و"المقروض" و"البشكوطو"، ومن ثم يتوجه كل منهم إلى قبر قريبه المتوفى، فيخيم الصمت والخشوع على المكان إلا من بعض تمتمات الدعاء أو قراءة القرآن، تقربًا إلى الله ودعوة بالرحمة والمغفرة للميت.

يضع الوافدون على المقابر الحبوب والمياه في صحون صغيرة فوق القبور (مخصصة للعصافير)، وقبل المغادرة يتم وضع بعض النقود بسرية ليأخذها المحتاجين، صدقة على أرواح الموتى رحمة الله عليهم، فخير ما يفعله المرء قراءة القرآن والتصدق على أرواح موتاه.

إلى جانب المقابر، يختار البعض التوجه نحو أضرحة الأولياء الصالحين للتبرك بهم ودعاء الله كي يتقبل صيامهم وصلاتهم خلال شهر الطاعات - رمضان الكريم - وتمتاز تونس بانتشار مئات المقامات لشخصيات ارتبط اسمها بالتقوى والتدين.

خرجة العيد

فضلًا عن زيارة المقابر والأضرحة، تتميز تونس بخرجة العيد، فبعد سنتين من المنع بسبب الإجراءات الاحترازية التي فرضها فيروس كورونا، عادت هذه المناسية السعيدة لتزين صباح التونسيين في اليوم الأول من عيد الفطر المبارك أو "العيد الصغير" كما يحلو للتونسيين تسميته، وخرجة العيد هي مسيرة يتجمع فيها المصلون من النساء والرجال، هاتفين "الله أكبر الله أكبر ولله الحمد لا إله إلا الله"، مرورًا بمنازل الحي وأزقته ليلتحق بهم السكان ويتجهوا أفواجًا لأداء صلاة العيد في المساجد.

في هذا اليوم ينظّم المئات من مختلف الأعمار، خاصة من سكان الأحياء العتيقة بمدينة تونس العاصمة "خرجة العيد" في اتجاه المساجد المنتشرة بكثرة هناك، لجمع أكبر عدد ممكن من المصلين، وتعد خرجة العيد من العادات التي تميز التونسيين خلال عيد الفطر.

يرتدي التونسي أفضل ملابسه ويفضل أن تكون جبة ويضع على رأسه شاشية، ثم يخرج للشارع وينضم لصفوف المصلين، فيسير ببطء ممسكًا يد من يجاوره في مشهد يدل على تلاحم وانسجام التونسيين، مرددًا أدعية من أجل "رأب الصدع بين المسلمين ونصرتهم، وأن يؤلف بين قلوبهم وينشر البسمة والأمل في صفوفهم، ويزيل عنهم كربهم".

تعتبر هذه المناسبة الجميلة من العادات الكريمة التي حاربها بن علي ومنعها طيلة فترة حكمه التي امتدت لـ23 سنة، إلا أنها عادت مباشرة بعد الثورة، وتستغل لصلة الرحم وتبادل التهاني ولم الشمل وتجاوز الخلافات والأحقاد وتجديد الروابط الاجتماعية بين التونسيين.

الملوخية والشرمولة

للعيد أكلاته الخاصة التي تختلف من منطقة إلى أخرى في تونس، فالعديد من العائلات تختار صباح العيد طهي "الملوخيّة" التي تختلف كليًا عن الملوخية الفلسطينية والمصرية رغم اشتراكهما في النبتة المستخرجة منها.

يطهو التونسيون الملوخية بطريقتهم الخاصة، فيتركوها تُطهى مع لحم الضأن أو البقر في قدر خاص ساعات طويلة، إلى أن تستوي وتصبح عاقدة، مع الحرص على إضافة بعض البهارات الخاصة التي تميز الملوخية التونسية عن غيرها في باقي الأقطار العربية.

يقدّم طبق الملوخية ساخنًا إلى أهل الدار أو الضيوف المُهَنِّئِين بالعيد، فاللون الأخضر لهذه الطبخة دلالة على التفاؤل والتطلع إلى الصحة والاستقرار، لذلك يحرص العديد من التونسيين على طبخ هذا الطبق في العيد وفي مفتتح السنة الهجرية حتى تكون أيامهم خضراء خضرة الخصوبة والجمال والصفاء.

تشترك تونس إلى جانب غيرها من الدول العربية في العديد من التقاليد والعادات من بينها "المهبة" أو "العيدية" التي ظهرت في مصر خلال العصر المملوكي

فضلًا عن الملوخية، يحرص التونسيون خاصة في محافظة صفاقس جنوب البلاد على تناول طبق "الشرمولة" الشهير وذلك قبل الانطلاق في المعايدة، والشرمولة عبارة عن صلصة تمتاز بلون عسلي داكن تتكون من البصل والزبيب (العنب المجفف)، ويعد سكان صفاقس الشرمولة بعد شهر من الصيام لاستعادة نشاط الجسم وطاقته وتوازنه الغذائي.

يرجع مؤرخون هذا الطبق إلى العهد الروماني، فيما ينسبه آخرون إلى الأتراك، ويقولون إن هذه الأكلة دخلت بلدان شمال إفريقيا عندما تحطم مركب بحار وكاد أن يهلك بسبب الجوع، فأخذ يبحث في حطام مركبه إلى أن وجد كيسًا به زبيب، فقام بغليه وبقي يتناوله لأيام إلى أن وصل سواحل تركيا ومن تركيا وصلت هذه الأكلة إلى مدينة صفاقس.

وتستهلك الشرمولة مع طبق "حوت مالح" ويكون عادة من الأسماك كبيرة الحجم مثل المناني والبوري، وذلك حتى يتم شرب كميات كبيرة من الماء لتعويض المياه التي خسرها الجسم في أثناء شهر رمضان الكريم نتيجة الصوم.

يرجع أهل مدينة صفاقس إعداد طبق "الحوت المالح" إلى حادثة قديمة وقعت قبل مئات السنين، حين اصطاد بحارة من الجهة في آخر يوم من شهر رمضان صيدًا وفيرًا من السمك، لكن صيدهم لم يلق حظه عند البيع ولم يقبل عليه الزبائن، إذ اعتاد الناس شراء اللحم في عيد الفطر.

اضطر بعض البحارة إلى إلقاء الأسماك في البحر، فيما فكر آخرون في تخزين السمك بتجفيفه وتمليحه، إلا أنهم بعد أن تناولوه اشتد بهم العطش فاقترحوا إعداد طبق يخفف ملوحة السمك، فطبخوا "الشرمولة"، حتى أصبح الطبقان يعدان معًا في عيد الفطر.

فضلًا عن هذه العادات والتقاليد، تشترك تونس إلى جانب غيرها من الدول العربية في العديد من التقاليد والعادات من بينها "المهبة" أو "العيدية" التي ظهرت في مصر خلال العصر المملوكي، و"حق الملح" وهو عبارة عن هدية يقدمها الزوج لزوجته وتكون في العادة قطعة ذهبية، اعترافًا بالتضحيات التي بذلتها من أجل إسعاد الأسرة طيلة شهر رمضان.