بعد انكشاف مجزرة حي التضامن الدمشقي الوحشية التي ارتكبها عناصر جيش بشار الأسد وصدور تقارير يندى لها جبين الإنسانية، خرج الأسد إلى الشعب السوري ليصدر مرسومًا قال إنه للعفو عن "الجرائم الإرهابية"، ولا يعتبر هذا المرسوم الأول من نوعه خلال السنوات الماضية، فقد تعود السوريون مثل هذه القوانين الكاذبة التي تصدر فقط كحركات استعراضية أمام العالم الذي ما زال صامتًا أمام ما يتعرض له الشعب السوري.

يبدو أن سياسة الأسد من خلال إصدار قوانين العفو والمراسيم التي تخص السوريين بعد الثورة السورية إنما هي استهزاء بالشعب أو استخفاف بعقول الناس، وما يدلل على ذلك قانون "تجريم التعذيب" الذي أصدره الأسد منذ أسابيع، هذا القانون بالذات إذا استطاع أن يجرّم أحدًا فإنما يجرم الأسد بحد ذاته، لأنه أكثر من عذب معتقلين في سجونه وكان المسؤول المباشر عن القتل والجرائم في الأفرع الأمنية التي خرجت صور ضحاياها إلى العالم عبر ما بات يعرف بصور قيصر.

قوانين فارغة

إذن، أصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد مرسومًا يقضي بالعفو العام "عن الجرائم الإرهابية المرتكبة من السوريين قبل تاريخ 30-4-2022 عدا التي أفضت إلى موت إنسان والمنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب رقم (19) لعام 2012"، وأضاف المرسوم "لا يؤثر هذا العفو على دعوى الحق الشخصي وللمضرور في جميع الأحوال أن يقيم دعواه أمام المحكمة المدنية المختصة".

هذا المرسوم ليس الأول خلال السنوات الـ11 الماضية من عمر الثورة السورية، فالأسد يعكف في كل مناسبة على إصدار مثل هذه القرارات، وإن كان موضوع هذا العفو يختلف عما سبقه، إذ يعفو عن "الجرائم الإرهابية"، وفي فلسفة الأسد فإن ملايين من الشعب السوري "إرهابيون"، وفي هذا السياق نستذكر حديث الأسد عن الإرهاب في بلده حين وصف الشعب السوري بأنه "حاضنة للإرهاب".

وقال الأسد في خطاب له منذ سنوات: "إذا انطلقنا من حقيقة واحدة بأننا أمام عشرات الآلاف من الإرهابيين السوريين، أنا لا أتحدث عن إرهابيين أتوا من الخارج، فعندما نتحدث عن عشرات آلاف الإرهابيين فهذا يعني أنه خلف هؤلاء حاضنة اجتماعية، هناك عائلة، هناك قريب وجار وصديق وأشخاص آخرون، يعني نحن نتحدث عن مئات الآلاف، وربما الملايين من السوريين، ولو كان مليونًا نقول ملايين".

وخلال السنوات الماضية اختلفت مسميات مراسيم العفو، فصدرت قوانين للعفو عن السجناء وأخرى عن الفارين والمنشقين عن جيش النظام، وكان الأسد قد أصدر عفوًا عامًا عن "جرائم الفرار الداخلي والخارجي"، قبل تاريخ 25 يناير/كانون الثاني 2022، وفي مايو/أيار من العام الماضي، أصدر الأسد مرسومًا بعفو عام عن مرتكبي جرائم المخالفات والجنح والجنايات.

إلى ذلك، ففي مارس/آذار من العام الماضي أيضًا، أصدر الأسد المرسوم التشريعي القاضي بمنح عفو عام عن كامل عقوبة عدد من "الجرائم" التي ارتكبها المكلفون بخدمة العلم قبل تاريخ إصدار المرسوم، بقصد "التملص من الالتحاق بها بشكل مؤقت أو دائم".

يذكر أن الأسد أصدر مرسوم العفو الأول بعد انطلاقة الثورة السورية بشهرين تقريبًا، وشمل ذلك العفو عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي وذلك في إطار محاولة الأسد احتواء الانتفاضة الشعبية العارمة حينها.

وعلى الرغم من إصدار بشار الأسد أكثر من 20 قانون عفو عن المعتقلين أو المنشقين، فإن السجون ما زالت مليئة بالمعتقلين منذ عشرة سنوات ويزيد، فقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن هناك ما لا يقل عن 131 ألفًا و469 شخصًا بين معتقل ومختف قسريًا لدى النظام السوري منذ مارس/آذار 2011، بينهم 4931 طفلًا و9271 سيدةً.

استهزاء بالسوريين

كما أسلفنا فإن قانون "العفو عن الجرائم الإرهابية" ما هو إلا حركات استعراضية للأسد، إذ إن أحدًا من السوريين لم يصدّق المراسيم السابقة حتى يضع ثقته الآن في هكذا مرسوم، فبالإضافة إلى كونه استعراضًا أمام العالم وأمام الدول التي تطبّع معه، تبين هذه القرارات استخفاف الأسد بالسوريين وتضحياتهم من خلال قراراته، ولعل ذلك يتبين بالقانون الذي أصدره بخصوص "تجريم التعذيب".

أصدر الأسد، قانونًا يقضي بـ"تجريم التعذيب" وقال بيان صادر عن النظام السوري: "أصدر الرئيس بشار الأسد القانون رقم /16/ للعام 2022 لتجريم التعذيب، بما يتوافق مع الالتزامات الدستورية للدولة التي تحرّم التعذيب، ومع أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب التي سبق أن صادقت عليها الجمهورية العربية السورية".

وأضاف البيان "وتدرّجت العقوبات في نص القانون وفقًا لخطورة العمل الجُرمي، حيث تصل إلى الإعدام إذا نجم عن التعذيب موتُ إنسان، أو تمّ الاعتداء عليه بالاغتصاب، أو الفحشاء أثناء التعذيب، في حين تكون العقوبة السجن المؤبّد إذا وقع التعذيب على طفلٍ، أو شخصٍ ذي إعاقة، أو نتجت عنه عاهة دائمة".

وأكد القانون "يعاقب بالسجن لمدة 8 سنوات على الأقل كل مَن ارتكب عملية تعذيبٍ أو شارك فيها أو حرّض عليها سواء كانت للحصول على اعترافٍ أو تحقيقًا لمآرب شخصيةٍ أو ماديةٍ أو سياسيةٍ أو بقصد الثأر أو الانتقام، وبالسجن عشر سنواتٍ على الأقل لكل مَن ارتكب التعذيب بحق موظفٍ بسبب ممارسته لمهامه".

طبعًا السوريون أكثر الناس دراية بمعنى التعذيب في السجون، والقصص والشهادات على ذلك كثيرة، ولعل صور قيصر أكبر دليل على أن سجون الأسد تعتبر أكبر فروع التعذيب في العالم لشناعة ما أنتجته من انتهاكات للحقوق البشرية والإنسانية بحق السوريين، وإن كان هذا القانون يجرم أحدًا فإنما يجرم الأسد ذاته لما له من مسؤولية في هذا الأمر.

ووثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها، 72 أسلوب تعذيب ما زال نظام الأسد يستخدمها في سجونه ومعتقلاته ومراكز الاحتجاز والمشافي العسكرية التابعة له، وقالت الشبكة في تقريرها: "ما لا يقل عن 1.2 مليون مواطن سوري على الأقل، مرَّ بتجربة اعتقال في سجون النظام، منذ اندلاع الثورة في سوريا، شهر مارس/آذار 2011".

امتصاص الغضب

وتعقيبًا على العفو الجديد عن "الجرائم الإرهابية" علّق سوريون باستهزاء على هذه القرارات التي تعتبر نسخًا من قرارات سابقة لم تُنفذ، وفي هذا السياق يقول المحامي السوري عبد الناصر حوشان: "قانون العفو رقم 7 تاريخ 30/4/2022 هو نسخة طبق الأصل عن أكثر من 12 قانون عفو أصدرها النظام المجرم وتشمل نفس الجرائم وتستثني نفس الجرائم"، مضيفًا "إن كان ما زال هناك من هو معتقل بجرائم مشمولة في هذا القانون فهذا يعني أن المراسيم السابقة لم تشمله بسبب تلاعب قضاة النيابة وأجهزة المخابرات المكلفة بتطبيقه عبر تغيير الوصف القانوني أو المادة القانونية".

ويشير المحامي حوشان إلى أن "هذا العفو ما هو إلا محاولة سنوية مبتذلة يكررها النظام لتلميع صورته الوحشية التي لن تنطليَ إلا على المغفلين وكذلك هي محاولة لامتصاص الغضب الذي أثاره نشر تقرير مجزرة حي التضامن من صحيفة الغارديان البريطانية".

بدوره يقول الناشط والخبير السوري عمر أبو ليلى: "من المضحك والمثير للسخرية في المراسيم التي يصدرها بشار الأسد أنها تتحدث عن العفو والجريمة وتفاصيل أخرى، بينما المجرم الحقيقي الطليق هو زعيم هذه السلطة المجرمة ومن معه، هذا حرفيًا ما يُطلق عليه أرنانية العصر"، ويضيف "كيف لمعتقلٍ مدني ومختفٍ قسريًا أن يكون مجرمًا لتصدر عفوًا عنه ضمن شروط؟ رأس الإرهاب والتطرف في عموم المنطقة ينبع من هرم نظام الأسد بأكمله، وعنه تتفرع باقي التنظيمات المتطرفة كلًا على شاكلته، وهذا بالضبط ما يعمل عليه بعناية نظام الأسد بترهيب المجتمع الدولي وتخويفه بأن سقوطه يعني تطرفًا أكبر وأوسع بطرق مباشرة وغير مباشرة".

إذن يعتبر السوريون هذه القوانين والمراسيم التي يصدرها الأسد فارغة ومحاولة من النظام لتعويم نفسه، فالسوريون لا يحتاجون من قاتلهم إلى عفو بقدر ما يحتاجون إلى عدالة يحاكمون بها من قتلهم وشردهم وهجرهم، يحتاجون إلى عدالة يستطيعون من خلالها استرداد حقوقهم وبلادهم من العصابات المجرمة، حينها هم من سيكتبون القوانين ويحاسبون أصحاب الجرائم الإرهابية الحقيقون، بشار الأسد وأتباعه.