لُقبت عكاشة سابقًا بحاكمة قرطاج الفعلية

لا حديث في تونس خلال الأيام الأخيرة إلا حول التسجيلات الصوتية المسربة والمنسوبة لنادية عكاشة المديرة السابقة لديوان الرئيس قيس سعيد، والتي كشفت بعضًا مما يحصل في "الغرف المظلمة" لقصر قرطاج، كما كشفت أيضًا ضحالة المستوى الفكري لعكاشة التي كانت تعتبر إلى وقت قريب ظل الرئيس وصندوقه الأسود.

بداية الظهور

قبل بداية سنة 2020، لم يكن اسم نادية عكاشة متداولًا بين التونسيين، فالقليل جدًا من يعرفها، فحتى في الجامعة التي درست بها لم يكن لها أثر كبير، فقد كانت منطوية ومن أولئك الذين تنحصر حياتهم بين الكلية والمنزل، رغم أن كليات الحقوق عادة ما تشهد أنشطة سياسية واجتماعية حتى في عهد بن علي.

كان تركيز عكاشة منصبًا على الدراسة والتحصيل الأكاديمي، ولم يُعرف لها أي نشاط أو انتماء سياسي، وقد حصلت على الأستاذية في العلوم القانونية سنة 2004 من كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس، إلى جانب شهادة الأكاديمية الدولية للقانون الدستوري (يوليو/تموز 2005)، وعلى الماجستير في القانون العام والمالي (يونيو/حزيران 2006) وحصلت على الدكتوراة في القانون (أبريل/نيسان 2017).

لم تكن هذه الشهادات الجامعية العليا كفيلة بأن تُعرفها على التونسيين وأن يرتفع اسمها بينهم، فآلاف التونسيين يحملون شهادات مثلها أو أكثر منها، إلا أنها استطاعت التقرب من الأوروبيين والعمل معهم في بعض المشاريع المتعلقة بالعدالة الانتقالية والقانون الدستوري بحكم اختصاصها أو ربما تحضيرًا لها لمناصب قادمة.

كشفت التسريبات المنسوبة لعكاشة بعض ما يُدار في قصر قرطاج، لكنها كشفت أيضًا "ضحالة" مستوى مديرة ديوان الرئيس السابقة

وصول سعيد للحكم كان حدثًا فارقًا في حياة نادية عكاشة، إذ سرعان ما انتقلت من الهامش إلى المركز وسُلطت عليها الأضواء، فبعد تولي سعيد رسميًا منصب الرئاسة ودخوله قصر قرطاج، أوّل ما فعله كان تعيين نادية عكاشة مستشارة للشؤون القانونية يوم 30 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

في 4 فبراير/شباط 2020، تم تعيين نادية عكاشة مديرة للديوان الرئاسي خلفًا للدبلوماسي طارق بالطيب، وهو ثاني منصب في مؤسسة رئاسة الجمهورية، ومنحها رتبة وامتيازات وزيرة، وبمرور الوقت أصبحت عكاشة الشخصية الأبرز في مؤسسة الرئاسة.

صعود قوي

أيام قليلة على توليها منصبها الجديد حتى أصبحت صورتها لا تفارق نشرات التليفزيونات، فدائمًا ما كانت ترافق الرئيس قيس سعيد في كل جولاته، وأصبحت توصف بأنها أقرب مستشار للرئيس وأكثر من يثق به منهم، حتى إن التعاملات مع سعيد كانت تجري تقريبًا من خلالها.

مع توليها منصب مديرة ديوان الرئاسة، أقصت نادية عكاشة أغلب مستشاري سعيد والمقربين منه، على غرار المكلفة بالإعلام رشيدة النيفر ومستشار الأمن القومي الجنرال محمد الصالح الحامدي والوزير المستشار لدى سعيد عبد الرؤوف بالطبيب وريم قاسم المكلفة بالشؤون السياسية وحسان بالضياف مستشار الشؤون الاقتصادية وهالة الحبيب الملحق الإعلامي بالديوان الرئاسي.

تدريجيًا تأكد لدى العموم أن عكاشة تمسك بزمام الأمور في قرطاج وهي المتحكم بمجريات الأمور هناك، إذ لم تكن تفارق سعيد، في أي خطوة يخطوها داخل تونس وخارجها، فكانت معه حتى في جوالاته الاستعراضية بالثكنات العسكرية والأمنية، وظهرت معه في اجتماعات المجلس الأعلى للجيوش التونسية الذي يفترض أن يحضره الرئيس ووزير الدفاع وثلاثة قادة عسكريين فقط.

ليس هذا فحسب، فقد تدخلت عكاشة بصفة مباشرة في تعيين الوزراء في حكومات ما بعد انتخابات سنة 2019، وساهمت في تحديد علاقة سعيد بمجلس نواب الشعب ومختلف الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية، أي أن لها دور كبير في تحديد سياسات الدولة الداخلية والخارجية.

وصفها بعض التونسيين بـ"ظل الرئيس ومستودع أسراره"، فيما وصفها آخرون بـ"الحاكم الرسمي لقرطاج"، كما ذهب البعض إلى حد وصفها بـ"الصندوق الأسود لقرطاج" حتى إن اسمها ارتبط بمحاولة اغتيال الرئيس بواسطة "طرد مسموم".

كان لعكاشة دور كبير في انقلاب قيس سعيد على دستور تونس ومؤسسات الدولة الشرعية، إذ أشرفت مديرة ديوان الرئاسة السابقة على خطة تدبير الانقلاب بالاستعانة بقيادات أمنية مقربة إليها، تم استبعادهم في مرحلة قادمة بعد انتهاء العمل بهم.

سقوط مدوٍ

استبعاد القيادات الأمنية المقربة من نادية عكاشة، عجّل بسقوطها، فجناح العائلة الذي كان يحيط بالرئيس ويقوده وزير الداخلية رضا شرف الدين وزوجة سعيد القاضية إشراف شبيل لم يرق له الصعود الصاروخي لعكاشة، لذلك تم تقليم أظافرها.

استقالت نادية عكاشة أو أقيلت، لا نعرف الصحيح منهما، لكن ما نعرفه أنه تم الاستغناء عنها، فتوارت عن الأنظار لأشهر عديدة، وقررت الذهاب إلى باريس خوفًا من ملاحقتها قضائيًا من جماعة الرئيس أو معارضيه لتورطها في ملفات عديدة.

بعد صمت دام أشهر، قررت عكاشة الكلام ولو همسًا، فكتبت تدوينة وجهت من خلالها انتقادات لاذعة لـ"زمرة من الفاشلين" لم تسمهم، وحمّلتهم مسؤولية فشل قرارات 25 يوليو/تموز الماضي التي يصفها غالبية التونسيين بأنها انقلاب على الدستور.

لم تسمّ مديرة ديوان الرئاسة السابقة هؤلاء الفاشلين، لكنها تقصد بالأساس وزير الداخلية رضا شرف الدين أبرز رجال قيس سعيد في الوقت الحاليّ، الذي كان المنسق الجهوي لحملته التفسيرية بجهة سوسة في الانتخابات الرئاسية وهو أيضًا رجل قانون.

ما إن كتب عكاشة هذه التدوينة حتى وجد التونسيون أنفسهم أمام تسجيلات صوتية مسربة منسوبة لها، وتضمنت التسجيلات حديثًا منسوبًا لعكاشة بشأن متاعب صحية للرئيس سعيد، كما أشارت إلى خوفه من ماكرون وغضبه من التدخل الأمريكي بشأن الأزمة السياسية في البلاد، واعتزام الرئيس التونسي طرد السفير الأمريكي قبل أن تتدخل عكاشة لثنيه عن قراره، وفق ما جاء في الحديث المنسوب لها.

كما تضمنت التسريبات حديثًا عن علاقة الرئيس قيس سعيد بعائلة زوجته القاضية إشراف شبيل، ورغبته في الزواج من أخت زوجته، والعديد من المسائل العائلية الأخرى التي كانت نادية عكاشة على علم بها.

أغلب الوزراء الذين عرفتهم تونس مباشرة بعد الثورة، لم يعد لهم وجود في مخيلة التونسيين، فأغلبهم عاد من حيث أتى بعد انتهاء مهمته

ليس هذا فحسب، إذ كشفت التسريبات أيضًا كيف كانت عكاشة تتعامل مع مستشاري الرئيس على غرار المستشارة الإعلامية السابقة رشيدة النيفر، ففي زيارة سعيد لباريس عمدت عكاشة إلى إذلال النيفر وعدم السماح لها بالدخول إلى مقر السفارة وإبقائها أمام الباب لأكثر من ساعة والنظر إليها من النافذة.

كشفت هذه التسريبات المنسوبة لعكاشة بعض ما يُدار في قصر قرطاج، لكنها كشفت أيضًا "ضحالة" مستوى مديرة ديوان الرئيس السابقة وكيفية تعاملها مع مستشاري الرئيس ومساهمتها في تعفين المشهد السياسي التونسي.

خلال فترة وجودها في القصر، اختارت عكاشة الصمت، فدائمًا ما كانت تظهر بملامح صامته وباردة، وابتسامة تكاد لا تكشفها أسارير وجهها المتكتمة، إذ لم يُسمع لها صوت حتى إنها لم تكن ترد على النقد الموجه إليها.

لكن هناك مثل يقول "تكلم حتى أراك"، وما إن سمع التونسيون صوت عكاشة في التسريبات المنسوبة إليها والقهقهات المبالغ فيها الصادرة عنها، حتى تبين لهم حجم "الكارثة" التي كانت تحكم قرطاج وتسير دواليب الدولة الخارجية والداخلية.

عكاشة ليست استثناءً

فترة وجيزة وسينسى التونسيون اسم نادية عكاشة كما نسوا أسماء سابقة لمع نجمها لفترة محدودة ثم توارت عن الأنظار رغبة منها أو بضغط من الجهات الداعمة لها بسبب انتهاء المهمة الموكولة إليها، إذ عرفت تونس بعد الثورة العديد من الوجوه التي اشتهرت بسرعة وخفت نجمها بسرعة أكبر.

من بين هؤلاء على سبيل الذكر لا الحصر، وزير الدفاع السابق عبد الكريم الزبيدي الذي صعد نجمه إبان وفاة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وتم ترشيحه للظفر بمنصب رئاسة الجمهورية بدعم أجنبي، لكن ما إن تكلم وتحدث عن نيته غلق البرلمان يوم وفاة السبسي بالدبابات حتى تهاوى عن الأنظار.

كما أن أغلب الوزراء الذين عرفتهم تونس مباشرة بعد الثورة، لم يعد لهم وجود في مخيلة التونسيين، فأغلبهم عاد من حيث أتى بعد انتهاء مهمته في مهد الثورات العربية، لذلك سجلت تونس انتكاسة وتراجعًا كبيرًا بعد أن ظننا أنها الاستثناء العربي، ذلك أن أغلب المسؤولين الذين تقلدوا السلطة جاؤوا لخدمة مصالحهم ومصالح الجهات الداعمة لهم أما مصلحة الشعب التونسي فلا أحد يكترث لها.