عاد ملف اللاجئين السوريين إلى الصدارة مرة أخرى هذه الأيام، لكن هذه المرة عبر نافذة ضبابية، تضع الملايين منهم في مواجهة ظرف استثنائي، بعدما بات وجودهم في تركيا، الدولة التي تحتضن أكبر عدد منهم، على المحكّ في ظلّ التعامل معهم كورقة سياسية بين الحزب الحاكم والمعارضة، قبيل الانتخابات المحلية والبرلمانية التي تشهدها البلاد العام المقبل.

لم يجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدًّا، أمام ضغوط المعارضة المتتالية، من توظيف ورقة اللاجئين السوريين، سوى للتماشي بما يخدم مصالح حزبه قبل المعترك الانتخابي القادم، فكان الإعلان عن خطة حكومية لإنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، تمهيدًا لإعادة نحو مليون لاجئ سوري إلى بلادهم مرة أخرى.

أثارت الخطة قلق السوريين رغم ما يثار بشأن طواعية العودة، وهو ما يتّسق ميدانيًّا مع تصاعد خطاب الكراهية ضد اللاجئين في الآونة الأخيرة، الأمر الذي توثّقه عشرات الجرائم العنصرية التي ارتكبها أتراك ضد سوريين في عدد من المناطق، ما دفعهم للبحث عن بدائل في أقرب وقت قبل أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى بين مخالب نظام بشار الأسد، أو مجبرين على الإقامة في أماكن تفتقد للضمانات الأمنية.

وكانت مصر واحدة من الخيارات المطروحة أمام السوريين كبديل لتركيا في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل النجاح الكبير الذي حقّقه السوريون هناك على مستوى الاندماج والتأقلم، فباتوا ضلعًا أساسيًّا في الاقتصاد المصري وأحد أركان المجتمع، بل تفوّقوا على المصريين في كثير من المجالات.

وتشير تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، إلى أن عدد الجالية السورية في مصر يبلغ 242 ألف شخص، مقارنة بنصف مليون سوري وفق الرواية الرسمية المصرية، فيما تذهب روايات أخرى إلى أن العدد يتجاوز هذا الرقم ومن المرجّح أن يتزايد خلال المرحلة المقبلة... فهل تكون مصر وجهة السوريين المقيمين في تركيا؟ ولماذا؟

اندماج وتأقلم

"ليس هناك فرق بين مصر وسوريا، حياتي هنا في السادس من أكتوبر لا تختلف كثيرًا عنها في حمص، حتى الأهل الذي كنت أفتقدهم في السابق أصبحوا اليوم معي..."، هكذا علّق أمجد إقبال (30 عامًا) على حياته في مصر، بعد 7 سنوات كاملة قضاها متنقّلًا بين عدد من المناطق في الجيزة والقاهرة.

إقبال الذي يعمل بأحد المطاعم المتخصصة في الطعام السوري، يشير إلى أنه في بداية مجيئه لمصر واجه صعوبات في مسألة الإقامة والاستقرار، فضلًا عن بعض الهجوم والانتقادات من قبل بعض المصريين الذين كانوا يعتبرون السوريين امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر، لكن الأمر تغير تمامًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة تحديدًا، بحسب تصريحاته لـ"نون بوست".

وأشار إلى أن حالة من الانصهار بين السوريين والمصريين تخيّم على الأجواء الآن، لدرجة أن الكثير من رجال الأعمال المصريين طالبوه وبعض أصدقائه بمشاركتهم في مشاريع اقتصادية تكون لهم فيها الإدارة الكاملة، بل إن أحدهم عرض عليه الزواج من مصرية، وبالفعل تزوج فتاة تعمل مدرِّسة وتقيم معه في المدينة نفسها.

الرأي ذاته ذهب إليه أحمد طرقجي (40 عامًا)، الذي أشار إلى أن المجتمع المصري بات اليوم أحد أكثر المجتمعات احتضانًا للسوريين، لافتًا أن المصريين بطبيعتهم شعب مضياف لا يتوانى عن تقديم المساعدة للأشقاء من كافة الجنسيات وليس السوريين فقط، منوهًا أن في العقار الذي يقيم فيه بمنطقة المهندسين، يوجد عراقيون وفلسطينيون كأنهم عائلة واحدة، فلا يكاد يمرُّ يوم دون تزاوُر بينهم أو تبادل الاتصالات الهاتفية. 

ونوّه طرقجي، الذي يملك أحد محال الحلوى في شارع جامعة الدول العربية بالجيزة، أن السوق المصري يتّسع لكافة الاستثمارات، وهو سوق مفتوح للجميع، ويخضع لمعايير العرض والطلب، ومن يملك الكفاءة سيحقق نجاحات بلا شك، خاصة أن هناك مساحة من الحريات الاقتصادية دون تضييق، تشريعيًّا أو مجتمعيًّا، وهي الأرضية الخصبة التي ساعدت السوريين على النجاح.

نجاح اقتصادي

حقق السوريون في مصر ما لم تحقّقه جالية أخرى من نجاحات على المستوى الاقتصادي، أثارت انبهار وإعجاب المحللين والمتابعين للاقتصاد المصري، ففي الوقت الذي كان يعاني فيه المصريون من تراجع في منظومة الاستثمار نتيجة ظروف داخلية وخارجية، كان السوريون على موعد مع التألُّق والنجاح، ما أثار الغيرة أحيانًا والضغينة في نفوس البعض، ممّن طالبوا بفرض الرقابة على الاستثمارات السورية في مصر والتشكيك في نزاهتها.

وفق التقديرات الأولية قبل سنوات، يتجاوز إجمالي الاستثمارات السورية في مصر الـ 800 مليون دولار، فيما يؤكد آخرون أن الرقم قد يصل إلى ضعف المعلن عنه، ويعمل في السوق المصري أكثر من 30 ألف رجل أعمال سوري، ساهموا في تأسيس 565 شركة برأسمال قدره 164 مليون دولار مع أول عام استثمار لهم في البلاد عام 2012، ثم ارتفع هذا الرقم ليتجاوز الـ 1254 شركة برأسمال قدره 201 مليون دولار، استنادًا إلى الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحكومة المصرية.

رئيس رابطة تجمّع رجال الأعمال السوريين في مصر، خلدون الموقع، يشير في تصريحات سابقة له إلى أن استثمارات رجال الأعمال السوريين المقيمين في مصر تتجاوز الـ 23 مليار دولار، وأن السوق المصري قادر على استيعاب جزء كبير منها، لا سيما في صناعات الإسفنج والورق والصناعات البلاستيكية والمنتجات الغذائية والنشاط التجاري والخدمي.

ويعود نجاح السوريين اقتصاديًّا في مصر إلى سهولة إجراءات الاستثمار، حيث تبنّت القاهرة خلال الأعوام الماضية سياسة "الباب المفتوح" لتشجيع الاستثمارات الأجنبية، ومن ثم استطاعَ السوريون توظيف تلك المرونة في ترسيخ أقدامهم اقتصاديًّا، فسحبوا البساط من تحت أقدام العراقيين الذين كان لهم السبق الاقتصادي خلال فترة 2005-2010.

السوريون في مصر.. قديمًا وحديثًا

تغيرت نظرة الجالية السورية في مصر إلى الوضع المصري كوطن بديل بنسبة بلغت 360 درجة بين عامَي 2012 و2021، حيث اختلفت الأجواء جملةً وتفصيلًا، حسبما أشار شباب سوري مقيم في مصر منذ الثورة السورية وحتى اليوم، إذ تشير الأمور نحو مزيد من الاستقرار والاندماج والتعايش.

"قديمًا كنا نُتّهم بالأخونة والتخطيط لإثارة الفوضى ومنافسة المصريين في لقمة العيش، وكان هذا يمثل ضغطًا كبيرًا علينا، بل أن بعضنا اضطر لمغادرة البلاد إلى الأردن ولبنان والولايات المتحدة".. هكذا حاول محمد الأسد (50 عامًا) عقد مقارنة بالوضع الذي وجده حين قدم للقاهرة أول مرة عام 2013 وبعد مرور 8 سنوات.

ويضيف الأسد في حديثه لـ"نون بوست" أن الشرطة كانت تداهم العقار الذي كان يقيم فيه بداية الأمر في منطقة فيصل بالجيزة مرة كل أسبوع تقريبًا، خلال فترة 2013-2015، وكان هذا يسبّب إزعاجًا وقلقًا للعائلات السورية، خاصة أن الأمن كان يلقي القبض على بعض الشباب ثم يطلق سراحهم بعد يومَين أو ثلاثة.

غير أن الحال تبدّل اليوم بصورة لافتة للنظر، فبات السوريون أقرب شعوب العرب إلى المصريين، على حدّ قوله، وأن هناك حالة من الوئام والتعاطف غير مسبوقة، بل أن كثيرًا من الأحيان يظنّه الناس مصريًّا بسبب إتقانه للهجة المصرية وسلوكيات المصريين، هذا بخلاف المرونة التي بات عليها الأمن، فتلاشت التعقيدات والتضييقات شيئًا فشيئًا.

ومع مرور الوقت تعلّم السوريون كيف يتعاملون مع المصريين، وفهمَ المصريون حقيقة ونوايا السوريين، فغابت أسباب التوتر وتغلّبت العروبة والتاريخ المشترك على محاولات إحداث الوقيعة لأسباب سياسية أو اجتماعية، ما أدّى في النهاية إلى أن أصبحت مصر في كثير من الأحيان الوطن الجاهز الأكثر أمنًا واستقرارًا للسوريين، والبيئة الأكثر خصوبة لنجاحاتهم الاقتصادية مقارنة بغيرها من البيئات الأخرى، بما فيها السورية في الوقت الحالي.

هل تكون مصر البديل الجاهز لتركيا؟

أكّد بعض السوريين أن كثيرًا من ذويهم المقيمين في تركيا سيحضرون إلى مصر قريبًا، إذا ما أصرّت أنقرة على مقترح المناطق الآمنة، لافتين إلى أنه خلال الآونة الماضية قدم إلى القاهرة بالفعل العشرات من السوريين، بعضهم بصورة غير قانونية، على حد قولهم.

وأشاروا في حديثهم لـ"نون بوست" أن المظلة القانونية والتشريعية في مصر تسمح بقدوم السوريين، حتى المخالفين، إذ إن الأمر يتطلب فقط زيارة المفوضية والحصول على "الكارت الأصفر" الذي يشرعن وجودهم في مصر، بما يمهّد نحو الحصول على إقامات مؤقتة يتمّ تجديدها بشروط سهلة مثل وجود مقرّ إقامة موثَّق.

وألمحوا إلى أن الحكومة المصرية قدّمت حزمة من التسهيلات لاندماج السوريين في المجتمع المصري، مثل تيسيرات التعليم والعمل والتحرك، وتراجع الملاحقات والتضييقات الأمنية، وهو ما زادَ من إقبال السوريين من العديد من بلدان العالم إلى مصر خلال السنوات الأخيرة على وجه التحديد.

وخلص هؤلاء إلى أن الأيام القادمة ستحدد وبشكل كبير مستقبل اللاجئين السوريين في تركيا، فإن أصرّت أنقرة على المضيّ قدمًا في ملف ترحيل السوريين إلى مناطق آمنة في الشمال السوري، والتعامل مع هذا الملف كورقة سياسية قبيل الانتخابات، فإن مصر من المرجّح أن تكون قبلتهم القادمة، وهي المسألة التي لا يُعتقد أن تثير حفيظة المصريين، حكومة وشعبًا، بعدما فرض السوريون أنفسهم كلاعب اقتصادي مهم وليسوا لاجئين بحاجة إلى الإعانة والمساعدة.

وبمنطق براغماتي بحت، ستفتح مصر أبوابها للسوريين، لا سيما الراغبين في الاستثمار وإنعاش الحالة الاقتصادية المصرية في ظلّ الظروف العالمية الصعبة، وفي المقابل لن يجد السوريون أفضل من البيئة المصرية كمحطة مهمة في مسار الاغتراب، خاصة بعد توتُّر الأجواء في تركيا، حتى يُكتب لهم العودة مرة أخرى إلى وطنهم الأم.