شذا حنايشة أمام مستشفى ابن سينا في جنين بعد اغتيال شيرين أبو عاقلة

ترجمة حفصة جودة

قبل أن أذهب للنوم الليلة الماضية، كنت ملتصقة بهاتفي أراقب أخبار قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي الهائجة بالقرب من حاجز الجلمة خارج مدينة جنين في الضفة الغربية المحتلة، كنت أعلم أن ذلك يعني اقتحامًا محتملًا للمخيم مثلما كان الوضع في الأشهر الأخيرة.

تركت هاتفي على الوضع العام ليصلني أي تنبيه، وقررت الحصول على بضع ساعات من النوم حتى أكون مستعدة في الصباح، قبل حلول السادسة صباحًا جاءني الاتصال الذي أعلمه.

كان زميلي مجاهد السعدي يسأل "هناك اقتحام للمخيم، هل تريدين تغطيته؟"، أجبته "بالطبع"، واستعديت وتوجهت إلى المخيم الذي يبعد عن منزلي في بلدة القباطية عشر دقائق بالسيارة.

عندما وصلت إلى الميدان الدائري الذي يتوسطه نصب تذكاري كبير في المدينة المؤدية للمخيم، ارتديت خوذة الصحافة والسترة الواقية من الرصاص مثل بقية الصحفيين معي، خارج المخيم، كانت جنين مدينة هادئة كعادة كل صباح حيث يمشي الناس ويقودون سياراتهم إلى العمل في سلام.

قال أحد المارة القادمين من المخيم عندما رآنا نرتدي السترات: "لا شيء يدعو للخوف، الوضع هادئ وليس هناك ما يحدث هنا".

شذا وشيرين
شذا حنايشة بجوار جسد شيرين أبو عاقلة بعد إطلاق النار عليها

اقتحمت القوات الإسرائيلية المخيم وحاصرت منزل عبد الله الحصري الذي قتلوه في أول مارس/آذار لاعتقال شقيقه، قبل أن نتقدم على الأقدام نحو المخيم لتغطية الاقتحام وتبادل إطلاق النار اللاحق بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين، توقفنا لانتظار صحفيي الجزيرة.

مشهد فوضوي

بعد لحظات، وصلت شيرين أبو عاقلة وطاقمها، ها هي الصحفية التي كبرت وأنا أقلد تقاريرها، من نبرة الصوت وحتى حركات اليد، وكنت أحلم بأن أقوم بما تجيده دائمًا، ها هي تذهب في نفس المهمة التي أذهب إليها.

قالت أبو عاقلة "صباح الخير" بينما كنا نستعد أنا وهي ومراسلان آخران ومصوران، في تلك اللحظة شعرت ببعض الغرابة، لا أستطيع أن أجد الكلمات المناسبة لوصف شعوري في تلك اللحظة، كانت شيرين حرة وسعيدة.

أظهرنا أنفسنا للجنود الذين كانوا يقفون على بعد مئات الأمتار منا، وانتظرنا 10 دقائق لنتأكد أنهم عرفوا أننا صحفيون، وعندما لم يطلقوا أي رصاص تحذيري نحونا، توجهنا صعودًا نحو المخيم.

ثم سمعنا الطلقة الأولى من العدم، استدرت لأرى زميلي علي السمودي على الأرض مصابًا برصاصة في ظهره، لكن جرحه لم يكن خطيرًا وتمكن من الابتعاد عن مرمى النيران، تبع ذلك مشهد من الفوضى.

قفز زميلي مجاهد فوق سياج صغير بالقرب منا للابتعاد عن الرصاص، ونادى عليّ وعلى شيرين قائلًا: "تعاليا هنا"، لكننا كنا على الجانب الآخر من الطريق ولم نستطع المخاطرة بعبوره.

ما حدث كان محاولة متعمدة لقتلنا، كان قناصًا إسرائيليًا، فلم نكن محاصرين في موقع تبادل إطلاق النار مع المقاتلين الفلسطينيين كما ادعى الجيش الإسرائيلي

كنت أقف بجوار شيرين وظهرنا للحائط للاحتماء من الرصاص عندما صرخت: "لقد أُصيب السمودي"، في تلك اللحظة، اخترقت رصاصة عنق شيرين وسقطت على الأرض بجانبي.

ناديت عليها لكنها لم تتحرك، عندما حاولت مد ذراعي للوصول إليها انطلقت رصاصة أخرى فاضطررت للاختباء خلف الشجرة، هذه الشجرة أنقذت حياتي لأنها الشيء الوحيد الذي كان يحجبني عن أعين الجنود.

صرخ زملائي: "ابقي مكانك، ابقي مكانك"، فقد كان الرصاص ينهمر في كل مرة أحاول فيها فحص نبض شيرين، ظهر من العدم مواطن من المخيم تمكن من الوصول إلينا بسيارة من زقاق بعيد عن مرمى الجنود الإسرائيليين، سحبني سريعًا وحمل جسد شيرين وأسرع بنا إلى المستشفى.

كانوا يستهدفون قتلنا

ما زلت مصدومة، ما حدث كان محاولة متعمدة لقتلنا، كان قناصًا إسرائيليًا، فلم نكن محاصرين في موقع تبادل إطلاق النار مع المقاتلين الفلسطينيين كما ادعى الجيش الإسرائيلي، لم يكن هناك أي قتال في هذا الوقت.

كان موقع الحادث في مكان مفتوح نسبيًا وبعيدًا عن المخيم حيث لا يمكن للمقاتلين الفلسطينيين الاشتباك فيه، لأنه سيسبب لهم أضرارًا جسيمةً، كما يشير نوع البندقية إلى هوية القاتل أيضًا، فالمقاتلون الفلسطينيون عادة ما يستخدمون بنادق نصف آلية تطلق الرصاص باستمرار.

هذه الطلقات كانت مختلفة، كانت متقطعة ودقيقة، كانوا يطلقون الرصاص فقط إذا تحرك أحدنا، طلقة واحدة في كل مرة، لم أكن أعلم أن يومي سيكون بهذا الشكل، لكنني أعددت نفسي للموت.

تعرضت جنين لاقتحامات إسرائيلية مكثفة في الأشهر الأخيرة، وفي كل اقتحام أخرج لتغطيته كنت أشعر أنني سأقتل فيه، الاحتلال الإسرائيلي لا يفرق بين الكبير والصغير وبين الرجال والنساء وبين الصحفيين المدنيين والمحاربين، الجميع مستهدف.

أصبح عملنا أكثر أهمية من أي وقت مضى

كان جميع من في المستشفى في حالة صدمة، الصحفيون والمسعفون وسكان جنين، ومثل بقية المراسلين، كنت ممزقة، كان ذراعي يخذلني في كل مرة أحاول أن أرفع الهاتف للتصوير، أردت أن أؤدي عملي وأوثق المشهد، لكنني أردت أيضًا احترام شيرين.

شيرين
المصور الفلسطيني مجاهد السعدي يبكى مع الصحفيين الآخرين فوق جثة شيرين

تذكرت نفسي وأنا صغيرة أشاهد تقاريرها في التلفاز خلال الانتفاضة الثانية، كان عمري 7 سنوات في هذا الوقت، ومنذ تلك اللحظة كنت أعلم تمامًا ما أود أن أكون عليه عندما أكبر: كنت أريد أن أكون مثل شيرين.

أتذكر عندما كان والديّ وجديّ يجلسون في غرفة المعيشة ويقولون: "هيا يا شذا، قدمي لنا تقريرًا مثل شيرين"، عندما أخبرتها بذلك وأنها كانت مثلي الأعلى في أول لقاء لنا قبل عدة سنوات، ابتسمت ومزحت معي.

كانت متواضعة وعطوف ورقيقة، جاءت شيرين إلى مخيم جنين قبل عدة أسابيع فقط بعد سنوات من التوقف عن المراسلة من المدينة، ذهبت لأحييها ولم أتوقع أن تتذكرني، فهي تقابل عددًا لا يُحصى من الشباب الصحفيين في عملها.

لكنها قالت عندما رأتني: "كيف حالك، شذا؟" مما أثار دهشتي وفرحي، كانت هذه هي القصص التي يتذكرها معظمنا بينما كان جسدها محمولًا لتشييعه في جنين.

وصلنا أخيرًا إلى دير صغير في المدينة وبدأت أجراس الكنيسة تدق من أجل شيرين التي تعود أصولها لعائلة مسيحية من بيت لحم.

وقفنا جميعًا حول جسد شيرين، مسلمون ومسيحيون، نستمع إلى صلاة القسيس في صمت، عندما نظرت حولي رأيت الكثير من الكاميرات تصور الحدث، وخلف كل واحدة يقف صحفي فلسطيني يبكى بشدة وهو يعلم أن شيرين لن تقف أمام تلك العدسات مرة أخرى.

كفلسطينيين وصحفيين خسارتنا فادحة، لكن عملنا أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، لتوثيق انتهاكات الاحتلال ولقيمنا الصحفية وللحقيقة ومن أجل شيرين.

المصدر: ميدل إيست آي