تنامي الصراع الروسي الأمريكي في ليبيا

تعكس حالة الجمود السياسي في ليبيا، الصراع الدائر في الكواليس بين قوى عالمية وإقليمية - على رأسها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية - تسعى إلى حماية مصالحها في هذا البلد العربي الذي يُعاني من أزمات عدة منذ سنوات طويلة.

صراع بدا جليًا في تجديد الثقة للمبعوثة الأممية، فواشنطن تدعم بقاء الأمريكية ستيفاني وليامز على رأس البعثة، فيما ترفض موسكو ذلك وترى ضرورة تعيين شخصية جديدة تكون من إفريقيا بهدف إظهار حرصها على الوصول لحل للأزمة الليبية.

كما تظهر مؤشرات الصراع في العديد من النقاط الأخرى، خاصة بعد أزمة الوقود التي ضربت العالم نتيجة استمرار الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وهو ما زاد من متاعب الشعب الليبي الذي يطمح في بناء دولته الديمقراطية المتقدمة بعيدًا عن تدخلات الدول الأجنبية.

عودة الاهتمام الأمريكي بليبيا

أعادت الحرب الروسية ضد أوكرانيا اهتمام واشنطن بطرابلس بعد تجاهل دام فترة ليست قصيرة، إذ تخشى الولايات المتحدة الأمريكية تأثر النفط الليبي بالصراع الدائر هناك في وقت زادت فيه الإدارة الأمريكية ضغوطاتها على الدول المصدرة للبترول لزيادة إنتاجها لتعويض النفط الروسي.

وزادت مخاوف واشنطن بعد إعلان مجموعة من الليبيين منتصف أبريل/نيسان الماضي غلق ميناء الزويتينة النفطي والحقول المجاورة له في الشرق الليبي، وقبلها بشهر أغلق مسلحون بمنطقة الزنتان صمام خط نفط حقلي الشرارة والفيل الذي يربطهما بميناء مليتة النفطي.

دفع توقف الإنتاج مؤسسة النفط إلى إعلان حالة القوة القاهرة في حقل الفيل النفطي (جنوب)، وحالة القوة القاهرة هي حماية قانونية ضد المسؤولية المترتبة على عدم قدرة أطراف التعاقد في قطاع النفط على الإيفاء بالالتزامات جراء أحداث خارجة عن سيطرتها.

تصر الأطراف التي تدعمها روسيا على تسلم باشاغا الحكم والدخول في مرحلة انتقالية قادمة مع عدم التركيز على إجراء انتخابات في الفترة المقبلة

نتيجة توقف الإنتاج في هذه الحقول النفطية فقدت ليبيا نحو 330 ألف برميل يوميًا من صادراتها النفطية، في وقت كانت المؤسسة الوطنية للنفط تخطط فيه لزيادة الإنتاج اليومي إلى 1.45 مليون برميل هذا العام، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية.

دفع تراجع إنتاج النفط، الولايات المتحدة إلى الاهتمام مجددًا بليبيا، فهي ترى أن من مصلحة روسيا تراجع الإنتاج الليبي من النفط، لأنه يُعقد من مساعي الغرب لوقف استيراد المحروقات والمواد الطاقوية من روسيا.

تنظر الإدارة الأمريكية وحلفاؤها إلى ليبيا كبديل محتمل للنفط والغاز الروسي إلى جانب دول أخرى، خاصة أنها تملك أكبر احتياطي للنفط في إفريقيا وثاني أكبر منتج له، ناهيك باحتياطات كبيرة من الغاز معظمها غير مستغل.

يتميز إنتاج النفط في ليبيا منذ سنوات بالتذبذب، فتارة يبلغ مستويات قياسية وفاق 1.22 مليون برميل يوميًا، وفق بيانات متطابقة لمؤسسة النفط الليبية ومنظمة البلدان المصدرة للبترول، وتارة لا يتجاوز 70 ألف برميل يوميًا، وأحيان أخرى لا ينتج أي برميل.

يشكل النفط نحو 94% من موارد ليبيا، وأهم ما يميزه غزارة الآبار المستخرج منها وقربه من موانئ التصدير، وتشير بيانات منظمة الدول المنتجة للنفط "أوبك" إلى أن ليبيا تحتل المرتبة الخامسة عربيًا باحتياطي نفطي يبلغ 48.36 مليار برميل.

مؤشرات الصراع الروسي الأمريكي

تعكس مسألة النفط الصراع الروسي الأمريكي في ليبيا، فموسكو تسعى لوقف الإنتاج خدمةً لمصالحها ومصالح حلفائها في ليبيا، بينما تصر واشنطن على استمراره وزيادته، لكي لا تترك للغرب بديلًا عن منتجاتها.

لا تتوقف مؤشرات الصراع بين القطبين العالمين هنا، إذ تبرز أيضًا في مسألة التمديد للمبعوثة الأممية، فقد أظهر تمديد مهمة البعثة الأممية إلى ليبيا 3 أشهر عوض سنة كما جرت عليه العادة حدة الصراع الروسي الأمريكي في خصوص المسألة الليبية.

تتمسك واشنطن باستمرار الأمريكية ستيفاني وليامز في قيادة البعثة الأممية، فيما تسعى موسكو لتغييرها وتعيين مبعوث إفريقي، متماهية في ذلك مع مطالب الاتحاد الإفريقي في هذا الخصوص، كما تحظى بتأييد الصين التي تملك مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن.

في مؤشر آخر على حدة الصراع بين الطرفين، يتواصل الانقسام السياسي في ليبيا، إذ تصر حكومة باشاغا المعين من البرلمان وتدعمها موسكو على دخول طرابلس والعمل من هناك، فيما يشدد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية على مواصلة عمله وعدم تسليم الحكم إلا لحكومة شرعية منتخبة، تنفيذًا لمخرجات ملتقى الحوار السياسي.

من شأن أي تأجيل طويل للانتخابات الليبية أن يزيد من خطر انحراف عملية السلام الأوسع في هذا البلد العربي عن مسارها

تصر الأطراف المدعومة من روسيا على تسلم باشاغا الحكم والدخول في مرحلة انتقالية قادمة مع عدم التركيز على إجراء انتخابات في الفترة المقبلة، فيما يرى الدبيبة وحلفاؤه من الغرب وعلى رأسهم واشنطن ضرورة بقاء حكومة الوحدة الوطنية والمضي في انتخابات رئاسية وتشريعية في أقرب وقت ممكن.

أمام إصرار بعض الأطراف على بقاء الحال على ما هو عليه من ضبابية، توعدت الإدارة الأمريكية، مطلع الأسبوع الحاليّ، بفرض عقوبات بحق من يعرقلون إجراء الانتخابات في ليبيا، وذلك بالتعاون مع الشركاء الدوليين والحلفاء الإقليميين.

وكان من المنتظر أن تجرى الانتخابات في 24 ديسمبر/كانون الثاني 2021 ضمن خطة ترعاها الأمم المتحدة، لكن تعذر ذلك وتم تأجيلها إلى موعد لم يُحدَّد بعد، نتيجة تعنت مجلس النواب الذي أقر قوانين تنظم الانتخابات دون الرجوع للمجلس الأعلى للدولة، وسمح بترشح مرشحين مطلوبين للعدالة، ما ساهم في مزيد من الانقسام في البلاد.

ويعتبر تأجيل الانتخابات أحد مؤشرات الصراع الروسي الأمريكي، فكل طرف عمل على ترشح شخصيات حليفة له، فيما سعى إلى عرقلة المرشحين المعارضين له، فروسيا مثلًا دعمت ترشح نجل القذافي وخليفة حفتر، فيما دعمت واشنطن ترشح عبد الحميد الدبيبة.

تداعيات الصراع على ليبيا

من شأن أي تأجيل طويل للانتخابات الليبية أن يزيد من خطر انحراف عملية السلام الأوسع في هذا البلد العربي عن مسارها، ويخشى الليبيون أن تتبدد أحلامهم برؤية بلادهم دولة ديمقراطية تحكمها المؤسسات والقانون لا الميليشيات والأسلحة، فأي تأخير في إرساء مؤسسات ديمقراطية منتخبة تستمد شرعيتها من الشعب، سيؤدي إلى تأزيم الوضع أكثر ويفتح الأبواب لحرب أهلية مرتقبة.

كما من شأن عدم التوصل إلى موعد ثابت وقريب للانتخابات التشريعية والرئاسية أن يزيد من حدة الانقسام داخل مؤسسات الدولة الليبية، فكل طرف يدعي الشرعية سواء تعلق الأمر بباشاغا والمؤسسات العاملة معه أم الدبيبة والمحيطين به.

الانقسام على مستوى الحكومات، يمكن أن يصل إلى باقي المؤسسات السيادية على غرار البنك المركزي الموجود في العاصمة طرابلس الذي يستحوذ على الجزء الأكبر من مدخرات البلاد وأيضًا مؤسسة النفط الموجودة في طرابلس.

في ظل حالة الاستقطاب بين الحكومتين أو لنقل بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والاضطراب المتكرر في قطاع النفط، تنامت مشاكل الاقتصاد الذي يعاني بشدة من عدم التنوع، حيث يعتمد على النفط والغاز في تحقيق أكثر من 60% من الناتج الاقتصادي الكلي، وأكثر من 90% من إيرادات المالية العامة والصادرات السلعية.

ويعاني المواطن الليبي منذ سنوات من ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، وزادت المعاناة في الفترة الأخيرة، كما يعاني من نقص السيولة الحاد في المصارف وارتفاع أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية.

أثرت الاضطرابات الاقتصادية على الوضع الاجتماعي وزادت من التفكك الاجتماعي في البلد الذي مزقته الحرب، ويعاني بالفعل من تدهور أغلب النواحي المجتمعية، لذلك تحتاج ليبيا إلى مؤسسات موحدة وحكومة واحدة وفعالة وإرادة سياسية قوية حتى يتم الإصلاح.