تضم مجموعة الساحل والصحراء 5 دول غير متجانسة

تضم مجموعة الساحل والصحراء 5 دول غير متجانسة

في قرار متوقع منذ فترة واستمرارًا لمسلسل الأزمات في المنطقة، أعلنت دولة مالي مساء أمس الأحد انسحابها من مجموعة دول الساحل والصحراء الخمس ومن قوتها العسكرية المكلفة بقتال الجماعات الإسلامية المسلحة في المنطقة، الأمر الذي من شأنه أن يزيد ضبابية وغموض مصير المجموعة التي تشكلت قبل سنوات بإيعاز فرنسي لمحاربة الإرهاب.

انسحاب متوقع

جاء قرار الانسحاب احتجاجًا على رفض تولي مالي رئاسة هذه المنظمة الإقليمية التي تضم أيضًا موريتانيا وتشاد وبوركينافاسو والنيجر، وفق بيان للحكومة المالية، وأوضحت الحكومة أن اعتراض بعض الأعضاء على رئاسة مالي يعود إلى ارتباط هذه الدول بدولة خارج المنطقة (لم تسمها) تسعى جاهدة إلى عزل باماكو.

"كان من المفترض أن تستضيف باماكو في فبراير/شباط 2022 مؤتمرًا لقادة دول مجموعة دول الساحل الخمس تتولى خلاله مالي الرئاسة الدورية للمجموعة، لكن بعد مرور نحو 3 أشهر على هذا الموعد لم يعقد الاجتماع"، وفق البيان.

ليست فرنسا الدولة الوحيدة التي تعاديها سلطات مالي، فقد تدهورت العلاقات بين المجلس العسكري في مالي والعديد من الدول الأوروبية بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة

بحسب الحكومة المالية "تتصل معارضة بعض دول مجموعة دول الساحل الخمس، رئاسة مالي، بمناورات دولة خارج الإقليم ترمي بشدة إلى عزل مالي"، ويعود تأسيس المجموعة إلى 16 فبراير/شباط 2014 وتم اعتماد اتفاقية التأسيس في 19 ديسمبر/كانون الأول من نفس السنة.

تهدف مجموعة الدول الخمس في الساحل إلى التنسيق والتعاون ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، وجذب تمويلات واستقطاب استثمار أجنبي لتحقيق التنمية وخلق فرص العمل وإقامة البنى التحتية اللازمة للنهوض بالدول الأعضاء، وفق ما يعرّف التكتل نفسه.

تعتبر المجموعة إحدى الأطر الإستراتيجية والأمنية التي وضعت من أجل التصدي للتهديدات الأمنية التي تعاني منها المنطقة خاصة معضلة الإرهاب العابر للأوطان، وجاء التأسيس استجابة لإملاءات قوى غربية خاصة فرنسا التي أُرهقت بعد تورطها في أزمات المنطقة، فأرادت أن تتولى دول المنطقة هذه المهمة بنفسها مقابل تقديم مساعدات تنموية لها.

فرنسا في قفص الاتهام

صحيح أن البيان المالي لم يذكر اسم فرنسا صراحة، إلا أن الدولة المعنية بعزل مالي هي طبعًا فرنسا، فمنذ تولي السلطات الانتقالية حكم مالي عرفت العلاقات بين باماكو وباريس توترًا كبيرًا، حتى إن السلطات المالية لم تتوان في اتهام ماكرون بالسعي لتقسيم البلاد وبث الفوضى فيها.

في الأثناء، أعلنت مالي أنها أنهت اتفاقية تعاون عسكري منذ ما يقرب من عقد من الزمن مع فرنسا، حتى عندما كانت القوات الفرنسية تغادر البلاد بالفعل كجزء من انسحاب كامل مخطط على مدى عدة أشهر.

وقبل نحو أسبوعين، اتهم المجلس العسكري الحاكم في باماكو، الجيش الفرنسي بالتجسس وارتكاب أعمال تخريب، وقال إنه لاحظ أكثر من 50 حالة انتهاك متعمدة للمجال الجوي المالي من طائرات أجنبية، خصوصًا طائرات تابعة للقوات الفرنسية منذ بداية العام.

بالإضافة إلى التجسس، تتهم القوات الفرنسية بالقيام بأعمال تخريب بنشرها لصور كاذبة ملفقة لاتهام (جنود ماليين) بارتكاب جرائم قتل مدنيين، وقبل أيام، أعلن الجيش المالي "العثور على جثث في حالة تحلُّل متقدم في مقبرة جماعية ليست بعيدة عن المعسكر الذي كانت تشغله سابقًا قوة برخان الفرنسية، في غوسي شمال البلاد"، ولفت الجيش في بيان له إلى أن "حالة التحلل المتقدمة للجثث تشير إلى أن هذه المقبرة الجماعية كانت موجودة قبل وقت طويل من تسليم القاعدة".

وسبق أن اتهم رئيس الحكومة الانتقالية في مالي شوغيل مايغا، فرنسا بالوقوف وراء تدريب من وصفهم بـ"الجماعات الإرهابية" الناشطة في البلاد، بهدف تغذية الإرهاب في مالي ومنطقة الساحل والصحراء ككل، فمهمة هذه المجموعات، وفق السلطات المالية تقويض الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما تتهم القوات الفرنسية المتمركزة في مالي منذ مطلع سنة 2013، بتأسيس جيش بأكمله في شمال البلاد - تحديدًا في كيدال - وتسليمه إلى حركة تشكلت من "أنصار الدين" - أكبر التنظيمات المسلحة في إقليم أزواد - المتعاونة مع تنظيم القاعدة.

تشتت قادة مجموعة دول الساحل وتراجع النفوذ الغربي وتنامي الغضب الشعبي من الوجود الفرنسي من شأنه أن يهيئ الطريق أمام قوى إقليمية أخرى لوضع أقدامها هناك

إلى جانب ذلك تتهم سلطات مالي باريس بتقسيم البلاد كحال الجماعات الإرهابية التي أعلنت في أبريل/نيسان 2012 قيام دولة الأزواد شمال مالي بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق أمادو توماني توري، وذلك بعزلها منطقة كيدال التي تسيطر عليها قواتها عن باقي مناطق مالي ومنع حكومة باماكو من الوصول إليها.

فضلًا عن ذلك، تتهم الحكومة المالية وسائل إعلام فرنسية مملوكة للدولة بالعمل على زعزعة استقرار السلطة الانتقالية في البلاد وتشويه سمعتها، ولعب دور شبيه بما قامت به إذاعة ميل كولين في رواندا التي ساهمت في وقوع حرب أهلية وشجعت على جرائم الإبادة الجماعية في رواندا.

ليست فرنسا الدولة الوحيدة التي تعاديها سلطات مالي، فقد تدهورت العلاقات بين المجلس العسكري في مالي والعديد من الدول الأوروبية بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، بسبب ما تعتبره باماكو تدخلًا في شؤون البلاد الداخلية، فيما يرى الأوروبيون أن مالي فتحت أبوابها للروس وأجلت العودة إلى الأوضاع الديمقراطية في البلاد.

تداعيات الانسحاب على المجموعة

الانسحاب المالي من مجموعة الدول الخمس، من شأنه أن يزيد حالة الغموض التي تسود المجموعة منذ أشهر، خاصة بعد مقتل الرئيس التشادي - الحليف الأبرز لباريس - إدريس ديبي على يد مسلحين معارضين لنظامه قادمين من جنوب ليبيا.

من المنتظر أن نشهد انسحابات قادمة من المجموعة، في ظل تنامي الرفض الشعبي للوجود الفرنسي والغربي ككل في المنطقة، وقد رصدنا ذلك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال تزايد التظاهرات الشعبية الداعية لطرد "المستعمرين".

يرجح أن تنسحب كل من تشاد وبوركينافاسو من مجموعة دول الخمس، خاصة أن نفوذ فرنسا هناك بدأ يتراجع شيئًا فشيئًا لصالح دول إقليمية أخرى على رأسها روسيا التي وسعت نفوذها في المنطقة وأصبحت لها مكانة كبيرة هناك.

حتى إن لم تنسحب بوركينافاسو والتشاد، فإن سير عمل مجموعة دول الخمس في الساحل سيشهد بعض التعثر خلال الفترة المقبلة، نظرًا لأهمية مالي وأيضًا لغياب الانسجام بين قادة دول المجموعة، فالقادة المؤسسون للمجموعة غادروا الحكم جميعهم وليس هناك أيضًا رابط بين القادة الجدد.

تراجع فاعلية المجموعة سيضعف مكانة فرنسا في المنطقة، وهي كانت تعول عليها كثيرًا لمزيد من الإمساك بالأمور هناك، لكن ذلك لا يعني أن باريس ستقف مكتوفة الأيدي، إذ بدأت فعليًا في البحث عن مكان آخر يكون مركزًا لعملياتها العسكرية هناك.

وتفكر باريس جديًا في نقل قواتها إلى النيجر خاصة مع إعلان رئيسها محمد بازوم ترحيب بلاده بأن تكون مركزًا لعمليات مكافحة الإرهاب بدلًا من مالي إذا قرر الأوروبيون ذلك، وترى فرنسا في بازوم الشخص المناسب لحماية مصالحها في المنطقة.

تشتت قادة مجموعة دول الساحل وتراجع النفوذ الغربي وتنامي الغضب الشعبي من الوجود الفرنسي من شأنه أن يهيئ الطريق أمام قوى إقليمية أخرى لوضع أقدامها هناك والتحكم في القرار السيادي لدول المجموعة، ما يعني أن الاستقلال الحقيقي لتلك الدول ما زال بعيد المنال نسبيًا.