تعدّ الجالية التركية في ألمانيا واحدة من النماذج التي تستوجب الدراسة والبحث، كونها تعاني من ثنائيات متناقضة: الفقر والغنى، الاندماج والإقصاء، الحضور والتهميش، التعمُّق والسطحية، التجذُّر والتفرُّع، ما جعلها حالة استثنائية مقارنة بالجاليات الأجنبية في أوروبا عمومًا، والجاليات التركية في الخارج بوجه خاص.

وتُعتبر تلك الجالية هي الأكبر لتركيا في الخارج، والأكبر بين الجاليات الأجنبية في ألمانيا، إذ يتجاوز عددها 3 ملايين من أصل 15 مليون تركي مهاجر، أما في أوروبا عامة، يتصدّر الأتراك قائمة الجاليات الأكبر حضورًا في القارة بأعداد تتجاوز الـ 6 ملايين مهاجر، فيما تشير الدراسات إلى زيادة معدلات الهجرة التركية لأوروبا بنسبة 20% منذ عام 2018، كما أكدت هيئة الإحصاء التركية (TÜİK)، الأمر الذي أثارَ قلق اليمين المتطرف والتيار الشعبوي اللذين سخّرا كافة جهودهما لمواجهة هذا التنامي بشتى السبل.

الجالية الأكبر في ألمانيا

يشكّل الأتراك الأقلية الأكبر في ألمانيا، إذ يمثلون حوالي 3.7% من السكان الألمان، يليهم البولنديون بنسبة 1.9% من إجمالي الشعب الألماني، ثم يأتي الروس بـ 1.5%، والإيطاليون بـ 1.0%، ومن بعدهم يأتي ذوو الأصول الأفريقية بـ 1.0%، ثم العرب بنسبة 0.6%، والرومانيون والإغريق بنسبة 0.5% لكل منهما.

ويعود تواجد الأتراك في ألمانيا إلى أكثر من 3 عقود، إذ إن 27% من الجالية لها وجود في البلد الأوروبي منذ 30 عامًا وأكثر، فيما تتجاوز نسبة المقيمين هناك منذ 10 إلى 30 عامًا حاجز الـ 5% من حجم الأقلية التي يحقُّ لنصفها تقريبًا الاقتراع في الانتخابات الألمانية، ما جعلهم هدفًا للأحزاب السياسية في ألمانيا.

وفي السياق ذاته، هناك 1.4 مليون تركي ألماني لهم حق الاقتراع في الاستحقاقات الانتخابية داخل تركيا، يمثلون الكتلة التصويتية الرابعة في وطنهم الأمّ بعد إسطنبول وأنقرة وإزمير، وهو الأمر الذي أثار توترًا بين البلدَين خلال الاستحقاقات التالية لمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016.

وبحسب المؤشرات، فإن تلك الأعداد قابلة للزيادة خلال السنوات العشر القادمة، بل باتت نسبة الـ 80% التي يشكّلها الألمان محل شكّ لدى قطاع كبير من خبراء الديموغرافيا والتطور السكاني في البلاد فيما يتعلق بالحفاظ عليها مستقبلًا، ما ألقى بظلاله القاتمة على أوضاع الجالية التركية ووقوعها في فخاخ الحسابات السياسية.

الحالة الاقتصادية

تمتلكُ الجالية التركية في ألمانيا خارطة اقتصادية قوية، حيث نجح الأتراك منذ قدومهم أوائل ستينيات القرن الماضي في تدشين منظومة استثمارية خاصة، تساعدهم على التغلُّب على مشاكل وأزمات العمل الوظيفي المتقلب بين الحين والآخر لأسباب متأرجحة بين السياسة والاقتصاد.

وكانت المفاجأة التي أثارت الجدل لدى الشارع الألماني والتركي على حدّ سواء، حين بلغت تحويلات أتراك ألمانيا إلى بلادهم قرابة 800 مليون يورو، في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة ضد نظام الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2016، والتي على إثرها تهاوت العملة المحلية (الليرة).

وفي هذا الشأن، يقول رجل الأعمال التركي المقيم في برلين، شاهي كوزو (50 عامًا)، إن اقتصاد الجالية التركية في ألمانيا يعدّ الأكبر بين اقتصادات الجاليات التركية في مختلف دول العالم، لافتًا إلى أنهم خلال العقود الثلاثة الماضية باتوا رقمًا صعبًا في الاقتصاد الألماني، وهو ما يعيه الألمان جيدًا، حكومة وشعبًا، بحسب حديثه لـ"نون بوست".

وألمح كوزو إلى انتشار سلاسل من المطاعم والمتاجر التركية في معظم أنحاء المدن الألمانية، منوّهًا أن لبعضها أفرعًا أخرى في بلدان أخرى كما في هولندا وبلجيكا، ومن أشهر تلك السلاسل المنتشرة "مولانا" و"هايبر" و"عثمانيا"، كاشفًا أن هناك طبقة من النخبة الاقتصادية التركية تنافس كبار رجال الأعمال الألمان في ثرواتهم وحجم استثماراتهم.

رغم الجهود التي تبذلها الحكومة الألمانية بين الحين والآخر لتقليل هوّة عدم الاندماج، إلا أنها باءت بالفشل وسط موجات عنصرية متلاطمة ضد الأتراك تحديدًا

وعلى الجانب الآخر من الصورة، تزدادُ نسب ومعدلات الفقر بين الأتراك في ألمانيا عامًا تلو الآخر، ففي عام 2016 كشفت التقارير الاجتماعية الرسمية في ألمانيا عن وجود 36% من الأتراك في البلاد يعيشون تحت خط الفقر، وهي النسبة الأعلى بين الجاليات الأخرى، إذ لا تتجاوز بين المهاجرين البلقان وأوروبا الجنوبية الغربية حاجز الـ 25%، وتقلّ لدى بعض الأقليات الأخرى.

يُذكر أنه في دراسة لمعهد الدراسات التركية في مدينة إيسين الألمانية عام 2005، كشفت عن وجود 30% من الأقلية التركية يعيشون تحت خط الفقر، وأن 35% منهم فوق حدّ الفقر مباشرة، وعزت الدراسة هذه النسبة إلى تغيُّر التركيبة الاجتماعية والبنية الاقتصادية للمجتمع الألماني حاليًّا، وأبرزها الاستغناء عن بعض الصناعات ذات الكثافة العمّالية التركية مثل الصلب ومناجم استخراج الفحم.

هذا بخلاف انضمام معظم جيل الهجرة الأولى إلى التقاعُد، علمًا أن معاش التقاعد الشهري للمهاجر لا يتجاوز 526 يورو مقارنة بـ 700 يورو للمتقاعد الألماني، هذا بخلاف تراجع المستوى التعليمي لأبناء الجالية التركية وصعوبة التعلم بما يقلِّل من حظوظهم الوظيفية، بحسب الدراسة.

معضلة الاندماج

منذ الاتفاقية التي وقّعتها جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية آنذاك) وتركيا في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1961، لاستقدام العمالة التركية للعمل في الأراضي الألمانية، ويواجه الأتراك -لا سيما الرعيل الأول من المهاجرين- معضلة الاندماج، وإن تراوحت شدّتها بين الحين والآخر.

وبعد مرور 60 عامًا تقريبًا على تلك الاتفاقية، اعتقدَ البعض أن أبناء الجيل الثالث والرابع من الأتراك، والمتمثلين حاليًّا في شريحة الشباب، سيكونون أكثر اندماجًا داخل المجتمع الألماني، لا سيما أنهم نجحوا في التغلب على معضلات التأقلم، وعلى رأسها اللغة والعادات والتقاليد.

غير أن الأمور لم تكن على الشكل المأمول، فلا يزال الاندماج أزمة كبيرة توسِّع الفجوة بين الأتراك والمجتمع الألماني، وسط تبادل الاتهامات حول الجهة المسؤولة عن اتّساع تلك الهوّة، فالبعض يرى أن السياسة التي تتّبعها برلين هي السبب وراء الفشل في التأقلم، هذا بخلاف القوانين الشخصية التي تعرقلُ منح الأتراك الجنسية إلا بعد مرور 15 عامًا من الإقامة والتنازل عن الجنسية التركية.

وعلى النقيض، يحمِّل تيار كبير من الألمان المهاجرين الأتراك مسؤولية هذا الفشل، في ضوء التمسُّك بحزمة من العادات والتقاليد التي تراها الجالية أرضية ثابتة للحفاظ على هويتها وأصولها الثقافية لا يمكن التخلي عنها مهما كانت الضغوط، على رأسها رفض الزواج من غير الأتراك، والإصرار على عدم التخلي عن الجنسية التركية، والحرص على التعايُش في مناطق ذات أغلبية تركية، ما يقلِّل من فرص الانخراط المجتمعي مع الألمان.

ورغم الجهود التي تبذلها الحكومة الألمانية بين الحين والآخر لتقليل هوّة عدم الاندماج، إلا أنها باءت بالفشل وسط موجات عنصرية ضد الأتراك تحديدًا، بعدما تمَّ توظيفهم كورقة سياسية، سواء لدى أنقرة، حكومة ومعارضة، أو لدى الأحزاب الألمانية، الأمر الذي ساعدَ في تأزُّم الموقف أكثر وأكثر.

العنصرية كنهج يومي

تحولت العنصرية ضد الأتراك إلى نهج شبه يومي داخل المجتمع الألماني، مع تصاعد نفوذ اليمين المتطرف الذي ينظر إلى المهاجرين عمومًا نظرات دونية تستوجب التصدي والتخطيط لإزاحتهم عن شرايين الألمان ذوي الدماء الزرقاء، وهو ما يمكن قراءته على أكثر من مسار، أيديولوجي وسياسي واقتصادي وديموغرافي وتاريخي.

رئيس مركز الدراسات التركية وأبحاث الهجرة في جامعة إيسن-دويسبورغ، حاجي خليل أوسلوكان، يرى أن الأتراك الألمان يعانون من الإقصاء والعنصرية، لافتًا في استطلاع رأي أجراه، ضمن دراسة شاملة، أن حوالي "8 من كل 10 من المشاركين من أصول تركية، قالوا إنهم يتعرضون لحادث إقصاء مرة واحدة على الأقل في السنة.. بالطبع، هذا الرقم مرتفع للغاية".

وكشف أوسلوكان أن رغم التطورات التي شهدتها السنوات الستة الماضية، من أجل تضييق الفجوة بين الجالية التركية-الألمانية وباقي أطياف المجتمع، إلا أن هناك تبايُنًا واضحًا عندما يكون الحديث حول الدين والهوية الثقافية والتاريخية، ما يعزِّز من نظرة الألمان المتطرفة إلى الأتراك عمومًا.

وتسجِّل صفحات التاريخ عشرات الجرائم العنصرية التي اُرتكبت بحقّ الأتراك في ألمانيا، وكانت تعتمد في المقام الأول على القتل والحرق، وكانت البداية في أكتوبر/ تشرين الأول 1991 حين قُتل شاب تركي يُدعى مته أكشي، البالغ من العمر 19 عامًا، على أيدي شبان ألمان في برلين، وقد حُكم على أحدهم بالسجن 3 سنوات و9 أشهر.

وفي تقرير صادر عن مؤسسة "أماديو أنطونيو" التي تعمل في مجال مكافحة اليمين المتطرف عام 2019، كشفَ عن وقوع أكثر من و3300 جريمة، بينها 745 كانت بدوافع عنصرية على أيدي اليمين المتطرف، وتمحورت معظم الجرائم المرتكبة في الإحراق العمد والإرهاب، ما أدّى إلى مقتل أكثر من 200 شخص خلال الفترة 1990-2020.

لعبت الجالية التركية دورًا محوريًّا في بناء الدولة الألمانية على كافة المستويات

وتتصدر منظمة "النازيون الجدد" المتطرفة (تُسمّى أحيانًا "الفاشية الجديدة")، التي أنشئت في مدينة تورينغن الألمانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، والتي تنتهج سياسة أيديولوجية شبيهة بنازية هتلر؛ قائمةَ الكيانات المتطرفة التي تستهدف الأتراك، ففي 11 يوليو/ تموز 2018، حمّل القضاء الألماني مسؤولية مقتل 8 أتراك من بين 10 أشخاص قتلتهم المنظمة، في هجمات مسلَّحة شنّتها في بعض المدن الألمانية.

وعلى مدار أكثر من 110 أعوام من تاريخ العلاقات المباشرة بين البلدَين التي بدأت عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى، حين وقّع الألمان اتفاق تحالف عسكري مع الدولة العثمانية في 2 أغسطس/ آب 1914، بهدف مساعدة ألمانيا في الدخول إلى المستعمرات البريطانية المجاورة، مع تقوية الجيش العثماني؛ مرّت تلك العلاقة بموجات من المّد والجزر، كان عنوانها الرئيسي "الندية التاريخية والصراع الثقافي والأيديولوجي".

وفي الأخير، إن الإشارة إلى بعض العراقيل التي تحول دون اندماج كامل للأتراك داخل المجتمع التركي لا يعني انفصالًا تامًّا بين الطرفَين، إذ لعبت الجالية دورًا محوريًّا في بناء الدولة الألمانية على كافة المستويات.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2021، قلّد الرئيس الألماني فرانك والتر شتاينماير 3 من الأسماء التركية (البروفيسورة ياسمين قره قاش، ودرويش هيزراجي، وتورغاي تاهتا باش) التي كان لها دور في انسجام المهاجرين وحقوق المرأة والحوار بين الأديان والتعليم، واصفًا إياهم بـ"النبراس الذي ينشر النور في محيطهم" بحسب مراسل "الأناضول".

شتاينماير في كلمة خلال المراسم التي شملت 9 أشخاص آخرين بجانب الأتراك الثلاثة، قال: "من الصعب تخيُّل ألمانيا من دون هؤلاء الأشخاص يومًا، لكن مع الأسف هناك بعض شرائح المجتمع ما زالت تتجاهل هذه الحقيقة"، لافتًا إلى أن ما أسماهم "العمّال الضيوف" قَدِموا إلى بلاده قبل 60 عامًا، واستطاعوا تطوير ألمانيا كثيرًا، حتى باتت لا يمكنها الاستغناء عنهم بعد الآن.