تنامي التعاون الجزائري التركي في المجال العسكري

تنامي التعاون الجزائري التركي في المجال العسكري

قبل نحو عقد ونصف من الآن لم تكن تركيا مصنَّفة ضمن الدول المصنِّعة للأسلحة، فقد كانت صناعاتها بسيطة وتقليدية يصعب تسويقها، إلا أن الحروب التي خاضتها الأسلحة التركية في السنوات الأخيرة وقلبها موازين القوى في عدة جبهات، رفعَ من أسهمها وبات السلاح التركي مطلوبًا في العديد من الدول.

أصبحت العديد من الدول تتسابق إلى الظفر بصفقات سلاح تركي، وهو ما فتح خطوط علاقات دولية جديدة أمام أنقرة، في الوقت الذي تتحرك فيه هذه الأخيرة في مساحات إقليمية ودولية آخذة في الاتّساع، بحثًا عن مواقع نفوذ جديدة.

اتفاقيات عسكرية

ضمن هذا التمشّي، وقّعت الحكومتان التركية والجزائرية قبل يومَين اتفاقيات تعاون في المجال الأمني والعسكري، إلى جانب توقيع تلك الاتفاقيات التي تخصُّ الجانب السياسي والاقتصادي والثقافي بين البلدَين.

صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، عقب لقائهما في أنقرة بداية الأسبوع، أن بلاده والجزائر اللتان تلعبان دورًا هامًّا في ضمان السلام والاستقرار بالقارة الأفريقية، عازمتان على تعزيز التعاون في مجال الصناعات الدفاعية.

وأوضح الرئيس التركي أن البلدَين قرّرا إنشاء مجلس تعاون رفيع المستوى لنقل العلاقات بين البلدَين إلى مستوى جديد، بدوره قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إن العلاقات الثنائية ستتطور إلى أبعد ممّا كان يتصوره كثيرون.

تصنَّف الجزائر في خانة الدول الأكثر استيرادًا للسلاح في السنوات الخمس الأخيرة، باحتلالها المرتبة السادسة عالميًّا والثانية أفريقيًّا بعد مصر

أضاف تبون في المؤتمر الصحفي المشترك مع أردوغان: "الاتفاقيات التي أمضيناها مع بعض ليست محدودة، لا ماديًّا ولا زمنيًّا، نحن نتوجه إلى اتفاقيات استراتيجية ونطمح كذلك في إطار تنمية الصناعة أن نصل في أقرب وقت مع تركيا إلى صناعة بحرية سواء مدنية أو عسكرية، وصناعات أخرى تهمُّ البلدَين وسيادة البلدَين".

 

أشار تبون في حديثه إلى الصناعة البحرية حيث يقصد بذلك التعاون في بناء السفن العسكرية، إذ إن الجيش الجزائري يملكُ ورشة لبناء السفن في قاعدة مرسى الكبير بوهران غرب البلاد، أنتجت خلال العقود الماضية عدة قطع بحرية، لكنها تحتاج لإعادة تطوير وتوسيع.

رغبة تركية في دخول سوق السلاح الجزائري

تظهر هذه الاتفاقيات رغبة الجانبَين في تعزيز التعاون العسكري بينهما، ورغبة أنقرة الجدّية في دخول سوق السلاح الجزائري، خاصة أن تركيا تصدّر أسلحتها نحو الجيران في شرق وغرب الجزائر، ونعني بذلك كلًّا من تونس وليبيا والمغرب.

وصدّرت تركيا لتونس طائرات العنقاء المسيَّرة بعد سلسلة صفقات حصلت من خلالها تونس على مدرّعات وذخائر تركية مختلفة، كما عقدت أنقرة صفقات أسلحة جديدة مع الرباط، ومنها ما تضمّن عربات مصفحة ومنظومات للتشويش الإلكتروني، كما طلب المغرب تزويده بـ 13 طائرة تركية مقاتلة دون طيار من طراز "بيرقدار تي بي 2"، في إطار مسلسل تطوير وتجديد ترسانة القوات المسلحة الملكية، وقد حصل بالفعل على أولى الدفعات.

 

تأمل تركيا في مزاحمة روسيا في سوق السلاح الجزائري، وتُعدّ الجزائر الدولة الأولى أفريقيًّا من حيث استيراد السلاح الروسي، كما تحتل المرتبة الثالثة عالميًّا في هذا المجال بعد الصين والهند، حيث استحوذت على 15% من صادرات روسيا العسكرية عام 2016، ويمثل السلاح الروسي 69% من جملة السلاح الجزائري.

تظهر تحركات الدبلوماسيين الأتراك رغبة بلادهم في الظفر بنصيبهم من صفقات السلاح الجزائرية، حيث يخصِّص هذا البلد العربي في السنوات الأخيرة أموالًا طائلة لتحديث ترسانته العسكرية لمجابهة التحديات التي يواجهها.

يُذكر أن موازنة الدفاع الجزائرية تتربّع على عرش الموازنات القطاعية الأخرى، وجاءت قبل وزارتَي التربية والصحة، إذ بلغت الموازنة العامة للدفاع في السنة الحالية 1230 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 9.7 مليارات دولار، وهي تقريبًا نفس الموازنة التي حظيت بها السنة الماضية.

وتُصنَّف الجزائر في خانة الدول الأكثر استيرادًا للسلاح في السنوات الخمس الأخيرة، باحتلالها المرتبة السادسة عالميًّا والثانية أفريقيًّا بعد مصر، وتسعى الجزائر دائمًا إلى الحصول على أفضل القطع الحربية التي تتمتّع بتكنولوجيا عالية، وهو ما يمكن أن يخدم تركيا.

تعمل تركيا على الاستفادة من التحول الجزائري في سياستها التسليحية وسعيها إلى تنويع حلفائها وعدم الاعتماد فقط على الحليف التاريخي روسيا

من شأن ظفر تركيا بصفقات سلاح مع الجزائر أن يساهم في تنامي صادرات أنقرة في هذا المجال، وقد حققت صادرات تركيا من الصناعات الدفاعية والجوية رقمًا قياسيًّا العام الماضي، فبفضل نجاحها على الأرض، فإن الاقبال على المنتجات الدفاعية والجوية التركية يزداد في العالم، حيث يسهم أداؤها المتفوق في العمليات داخل وخارج تركيا في زيادة الاهتمام بها وبالتالي زيادة صادراتها.

 

بحسب بيانات مجلس المصدّرين الأتراك، فإن صادرات القطاع سجّلت عام 2018 مليارَين و35 مليونًا و956 ألف دولار، وارتفعت عام 2019 بنسبة 34.6% وحققت مليارَين و740 مليونًا و988 ألف دولار، ووصلت الصناعات الدفاعية والجوية إلى رقم قياسي جديد في التصدير قبل نهاية عام 2021، ووصل حجم الصادرات إلى قرابة 3 مليارات دولار.

وتصدّرت الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول الأكثر استيرادًا للمنتجات الدفاعية والجوية التركية خلال تلك الفترة، بمليار و32 مليونًا و615 ألف دولار، تلتها أذربيجان بـ 192 مليونًا و126 ألف دولار، ثم قطر بـ 180 مليونًا و544 ألف دولار بعد شرائها عربات مدرّعة ومنصّات بحرية وأنظمة أسلحة.

طائرات بيرقدار

رغم أن الرئيسَين الجزائري والتركي لم يعطيا تفاصيل أكثر حول التعاون العسكري بين البلدَين خلال الندوة الصحفية التي جمعتهما، إلا أنه من الواضح أن الجزائر تسعى للاستفادة من التطور التركي في مجال الصناعات الدفاعية.

يتركّز اهتمام الجزائر خصوصًا على الطائرات التركية المسيَّرة، إذ تعتمد حاليًّا على الطائرات دون طيار الصينية والجزائرية الصنع، لكن السمعة التي باتت تتمتّع بها طائرة بيرقدار التركية حتّمت على الجزائر اقتناءها، خاصة أن جارها المغرب ومنافسها الاستراتيجي يمتلك هذا النوع من الطائرات.

وسبق أن عرضت تركيا قبل سنوات على الجزائر شراء طائرات بيرقدار، لكن الجزائر لم تقتنع بها حينها، لكن مع إثبات قوة هذه الطائرات ميدانيًّا في كل من العراق وسوريا وليبيا وأذربيجان وأوكرانيا، غيّرت الجزائر موقفها وأصبحت تفكر جديًّا في الحصول عليها.

تُعدّ طائرات بيرقدار فخر الصناعة العسكرية التركية، إذ أصبحت عنصرًا أساسيًّا في العديد من ساحات القتال على غرار أوكرانيا وإثيوبيا وأذربيجان وليبيا وسوريا، وقد ساهمت في قلب موازين القوى في عدة حروب وأثبتت أنها حاسمة، ما جعل الدول تتسابق للظفر بها.

 

إضافة إلى طائرات بيرقدار، تأملُ الجزائر في تطوير صناعات السفن لديها بالتعاون مع تركيا، وتهتم الجزائر كثيرًا بالسفن الحربية، وهو ما جعل الجيش البحري الجزائري يتصدّر قائمة الجيوش البحرية الأفريقية.

وشهدت السنوات الأخيرة تسارع خُطى تركيا الرامية إلى تطوير وإنتاج قطع بحرية عسكرية حديثة ومتطورة بإمكانات محلية، من ذلك السفن الهجومية وحاملات الطائرات والغواصات والزوارق الهجومية المسيّرة، بالإضافة إلى تطويرها أسلحة وصواريخ فعّالة من أجل تزويد قطعها البحرية بها، ما جعل الجزائر تهتم بالتعاون مع تركيا في هذا الشأن.

كما تهتم الجزائر بالعربات التركية المدرّعة من طراز كيربي وفورلن، فضلًا عن الأنظمة التقنية العسكرية التركية من بينها أنظمة الرادارات وأنظمة المراقبة والمراقبة الليلية، إلى جانب السترات الواقية من الرصاص والمنسوجات والزي العسكري وأجهزة الراديو.

تعمل تركيا على الاستفادة من التحول الجزائري في سياستها التسليحية وسعيها إلى تنويع حلفائها وعدم الاعتماد فقط على الحليف التاريخي روسيا، لتطوير علاقاتها العسكرية مع هذه الدولة العربية التي تخصِّص أموالًا طائلة للتسليح، وهو ما سيعود بالنفع على اقتصادها.