في سبتمبر/ أيلول 2021 كانت الضفة الغربية المحتلة على موعد مع ظهور "كتيبة جنين" التابعة لسرايا القدس، الذراع العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين المحتلة، في خطوة لم يعتَد عليها الفلسطينيون منذ أكثر من 15 عامًا.

وحمل الإعلان عن تأسيس هذه الكتيبة مفاجأة صادمة بالنسبة إلى المنظومة الأمنية الإسرائيلية، خصوصًا أنها جاءت بعد فترة وجيزة من معركة سيف القدس مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ومفاجأة أخرى للأجهزة الأمنية الفلسطينية التي تتبنّى سياسة التنسيق الأمني.

ويشكّل الخروج العلني لكتيبة جنين وما صاحبها من كتائب أخرى ظهرت لاحقًا، هاجسًا للمنظومة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية باعتبار الضفة ساحة مواجهة واشتباك يومي، خلافًا لما هو الحال مع الفصائل في غزة.

ومنذ عام 2007 وحتى عام 2014 كانت فكرة العمل العسكري في الضفة المحتلة أقرب إلى المستحيل، نتيجة الملاحقة الأمنية المشدَّدة في أعقاب خطة دايتون، الجنرال الأمريكي الذي أشرف على تدريب وتطوير الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وساهمَ في تعزيز سياسة التنسيق الأمني والتبادل المعلوماتي بين هذه الأجهزة وأجهزة الأمن الإسرائيلية.

وحملَ عام 2014 تغيُّرًا واضحًا في مسار الضفة، بدأ ذلك بعملية خطف المستوطنين المجنَّدين في الخليل من قبل خلية تابعة لحركة حماس، مرورًا بهبّة القدس عام 2015 التي شهدت تفعيلًا لأدوات في العمل المقاوم كانت حاضرة في انتفاضة الحجارة عام 1987.

بدأت باكورة هذه العمليات بالطعن وتدرّجت إلى الدهس واستهدفت الجنود بدرجة أساسية مع المستوطنين في مناطق الضفة والقدس المحتلتَين، وهو ما جعل الاحتلال يعزز من تواجده الأمني أكثر من أجل منعها إلا أنه لم يفلح في ذلك.

وباتَ الاحتلال يُطلق على منفِّذي هذه العمليات لفظ "الذئاب المنفردة"، في إشارة إلى صعوبة واستحالة السيطرة والوصول إلى منفّذي هذه العمليات، كونها تتم بشكل فردي ودون تخطيط مسبَق يمكن كشفه أو حتى ضمن خلايا مجنَّدة بشكل هرمي.

ومع استمرار هذه العمليات بشكل شبه أسبوعي وشهري، انضمّت الكتائب العسكرية التابعة للأذرع العسكرية إلى المقاومة في مناطق شمال الضفة الغربية، لتشكّل عبئًا على منظومة الاحتلال الأمنية في ظلّ تراجع وضعف السلطة الفلسطينية.

السلطة وفقدان السيطرة.. أين ذهبت القبضة الأمنية؟

لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن كتائب جنين أو نابلس وطولكرم التي كشفت عنها سرايا القدس أو المجموعات التابعة لشهداء الأقصى، التي فكّكها رئيس السلطة محمود عباس، دون الإشارة إلى تراجُع السلطة.

وتُعتبر مناطق شمال الضفة الأصعب حضورًا للمنظومة الأمنية للسلطة، حيث تواجه فيها ضعفًا ورفضًا شعبيًّا بالذات، مع إهمال هذه المناطق مقارنة بمناطق أخرى مثل رام الله والبيرة والوسط في الضفة الغربية المحتلة، وهو ما جعل الفصائل تعزِّز حضورها في هذه المناطق.

في السياق، يقول الباحث في الشأن العسكري رامي أبو زبيدة، إن هناك حالة نضوج للفعل المقاوم في الضفة الغربية، وهو ما يُلاحظ منذ نهاية معركة "سيف القدس" وتأثيراتها البالغة على الوعي الفلسطيني، إذ إن جنين حالة مستعصية على الاحتلال.

ويضيف أبو زبيدة لـ"نون بوست" أن الاحتلال حاول تدجين هذه المناطق عبر الأجهزة الأمنية إلى جانب فشل مشروع التسوية، بالتزامن مع تصرُّفات الاحتلال وجرائمه على الأرض التي أدّت إلى حالة فريدة من المقاومة والوحدة بين مختلف القوى والفصائل.

وبحسب الباحث في الشأن العسكري، فشلت الأجهزة الأمنية الفلسطينية في تفتيت حالة المقاومة نتيجة الوحدة بين الجهاد وحماس وفتح هناك، إلى جانب حالة التنسيق والاحتضان الشعبي للمقاومة في المخيم والمحافظة ككل.

أما في نابلس فإن الحالة مشابهة تمامًا لواقع جنين وبالذات في منطقة مخيم عسكر، وهو ما من شأنه أن يكرر حالة المقاومة ويؤدّي إلى تصاعدها، خصوصًا مع استمرار الانتهاكات في نابلس عبر الاقتحامات المتكررة لما يُعرَف بـ"قبر يوسف" وحالة الاشتباكات المتكررة.

تطوُّر المقاومة

"شمال الضفة بركان يغلي".. نتيجة حقيقية لممارسات الاحتلال في هذه المناطق، مع وجود نماذج للمقاومة حاضرة في جنين ونابلس، إلى جانب تأثيرات مقاومة غزة وحضورها في المشهد من خلال جولات القتال التي قادتها مع الاحتلال.

وهنا يقول أبو زبيدة إن حالة الوعي والاحتضان الشعبي والجماهيري وانتهاكات "إسرائيل" الواضحة والمستمرة على المقدسات وعلى الأرض أضعفت كل قدرات الاحتلال، بما في ذلك التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

ويُلاحظ في الآونة الأخيرة انخراط جزء من كوادر حركة فتح وعناصر كتائب شهداء الأقصى في الفعل المقاوم بالضفة، وهو ما سيؤدّي إلى إضعاف قدرة الفعل الإسرائيلي في الضفة الغربية تحديدًا ومناطق الشمال منها على وجه الخصوص.

ولا يُستبعَد المختصّ العسكري أبو زبيدة في امتداد هذه الحالات إلى مناطق أخرى خلال الفترة المقبلة، مثل نابلس ومخيماتها والمخيمات القريبة من القدس ومنطقة الخليل، في ظل حالة الغليان الحاصلة في الشارع الفلسطيني كنتيجة طبيعية لممارسات وسلوك الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب حالة التفاعل الحاصلة مع قطاع غزة بالتوجيه والإسناد والدعم العسكري.

من العمليات الفردية إلى اصطياد الوحدات الخاصة

تشير الإحصاءات إلى أن الضفة الغربية والقدس شهدتا خلال عام 2021 تنفيذ 10 آلاف و850 عملًا مقاومًا، بينها 441 عملية مؤثرة، ردًّا على جرائم الاحتلال الإسرائيلي، فيما تضاعف عدد العمليات المؤثرة أكثر من 4 مرات مقارنة بعام 2020.

ومنذ بداية عام 2022 قُتل ضابط في وحدة "دوفدوفان" الخاصة، وأُصيب آخرون بجراح خلال اشتباكات وقعت مع عناصر المقاومة في كتيبة جنين، وهو ما يعكس حالة التحول الحاصلة في الفعل المقاوم الفلسطيني في شمال الضفة.

وبموازاة هذا الفعل، أصبحت المدن الفلسطينية في مناطق شمال الضفة تشهد اشتباكات شبه يومية، تتصدى فيها الكتائب العسكرية لاقتحامات جنود الاحتلال، وهو ما يؤدّي إلى استشهاد بعضهم واعتقال البعض الآخر أو فشل العمليات في أوقات كثيرة.

وباتت الوحدات العسكرية الإسرائيلية هدفًا للمقاومين في المخيمات، بعد أن كان الفعل المقاوم يتركّز على تنفيذ عمليات بطابع فردي، وفي مناطق محددة بذاتها سواء على الحواجز أو مناطق التواجد الإسرائيلي للجنود أو المستوطنين.

المختص في الشأن الإسرائيلي، حسن لافي، أشار إلى أن توسُّع الكتائب المقاومة في الضفة الغربية ستكون تجربة ملهمة لكل المدن، ولن تقتصر على مدن شمال الضفة فقط، خصوصًا مع حضور بيئة شعبية ومزاج يسمحان بانتشار هذه الظاهرة.

الشهور والأسابيع المقبلة ستشهد مزيدًا من التمدُّد للمقاومة في الضفة، ما يمكّنها من تعزيز حضورها في مختلف الساحات الفلسطينية

ويقول لافي إن التخوُّف الإسرائيلي من توسُّع المقاومة في الضفة المحتلة كان هو الدافع للقيام بعملية "كاسر الأمواج"، ولكن هذه العملية فشلت في حصر المقاومة بجنين، وإنما بدأت تتطور وتمتدُّ خارج جنين، وهو ما كُشف عنه في كتيبتَي جنين وطولكرم.

وأضاف: "خلال عملية "كاسر الأمواج" وما بعدها، حاول الاحتلال استنزاف كتيبة جنين، من خلال استهدافها المباشر بشكل يومي لتفقد زخمها، إلا أن مقاوميها ما زالوا يبلون بلاءً حسنًا، ليكونوا ملهمين لمختلف مدن الضفة".

وأكمل المختص في الشأن الإسرائيلي: "فشلت "إسرائيل" في الذهاب إلى اجتياح شامل لمنطقة جنين، خوفًا من انتقال المقاومة إلى كل مدن الضفة، كما فشلت في وضع حدٍّ لالتحاق مدن جديدة بالعمل العسكري، والاتّساع في رقعة المقاومة يعود إلى قراءة واعية للمقاومة".

وبشأن أهمية نابلس والإعلان الرسمي عن وجود كتيبة فيها، يرى لافي أن هناك أهمية كبيرة لهذه المدينة لدى الاحتلال والمستوطنين، كون المستوطنون فيها هم الأكثر شراسة، بالإضافة إلى أنها مركز الاستيطان لشمال الضفة.

وتبيّن الحالة القائمة أن الشهور والأسابيع المقبلة ستشهد مزيدًا من التمدد للمقاومة في الضفة، ما يمكّنها من تعزيز حضورها في مختلف الساحات الفلسطينية وعدم اقتصارها فقط على قطاع غزة المحاصر، وهو ما ينذر بخطر شديد على المنظومة الإسرائيلية.