يشهد الشمال السوري حراكًا ميدانيًّا وسياسيًّا متزايدًا مع إعلان الرئيس التركي عن اقتراب موعد شنِّ أنقرة عملية عسكرية، بهدف إتمام خطتها بتوسيع "المنطقة الآمنة"، في إطار جهودها لإعادة مليون لاجئ سوري إلى تلك المناطق، وإبعاد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وعناصر حزب العمال الكردستاني عن حدودها الجنوبية مع سوريا.    

ويُعتبر الموضوع الأمني إحدى أهم الركائز الأساسية التي يُستنَد إليها في عملية الاستقرار والتعافي المبكّر وعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأي منطقة، وتزداد هذه الأهمية بالنظر إلى الواقع الأمني المضطرب في مناطق الشمال السوري، والذي لم يشهد أي تحسُّنٍ ملحوظ رغم مضيّ سنوات عديدة على تحرير تلك المناطق، سواء من سيطرة "داعش" أو "قسد".

ومع تزايُد الحديث عن مناطق الشمال السوري الخاضعة للإدارة التركية، بوصفها "مناطق آمنة" قادرة على استيعاب اللاجئين السوريين وتأمين حياتهم ومعاشهم، خصّصنا هذه المادة للوقوف على الواقع الأمني في مناطق الشمال السوري الخاضعة لإدارة الحكومة السورية المؤقتة وتركيا، وفحص مدى صدقية هذه المقولة في ضوء تقلُّبات تشهدها المنطقة قد تؤثر على مجريات المشهد السوري المتأزِّم.

واقع الوضع الأمني في مناطق الشمال السوري

يرزح الشمال السوري المحرر تحت وطأة الفوضى الأمنية وبيئة عدم الاستقرار، نتيجة التوترات الأمنية والاجتماعية التي تضرب تلك المناطق، وسط احتكاكات مسلَّحة مستمرة بين الفصائل العسكرية في مختلف مناطق العمليات التركية (درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام).

حيث تتعرض المنطقة بشكل دوري لعمليات أمنية كثيرة تهدِّد الاستقرار النسبي، كالقصف والتفجيرات وعمليات الاغتيال والعبوات الناسفة واختراقات أمنية من قوى إرهابية مختلفة، بالإضافة إلى طغيان الحالة الفصائلية والتنافس على الموارد وتوسيع دائرة النفوذ على الواقع الاجتماعي في الشمال السوري. 

وأشارت دراسة حديثة أعدّها مركز الحوار السوري حول الواقع الأمني في مناطق الشمال السوري، إلى أن المشكلة الأمنية هي المشكلة الأبرز التي تعاني منها المنطقة خلال الفترة الماضية، والتحدي الأهم الذي تحاول القوى المسيطرة إيجاد الحلول المناسبة له، ضمن بيئة مضطربة أمنيًّا وعسكريًّا، حيث تعرضت المنطقة لـ 397 حادثًا أمنيًّا تسبّب في مقتل 224 شخصًا وجرح ما لا يقلّ عن 416 آخرين.

وحدثَ ذلك عبر عمليات قصف ممنهَج استهدفت المنطقة باستمرار، مصدرها مناطق سيطرة نظام الأسد أو مناطق سيطرة "قسد"، إلى جانب عمليات تفجير واغتيالات موجَّهة لأشخاص وقيادات من الجيش الوطني، أو عشوائية عبر العبوات الناسفة والمفخّخات التي تستهدف الأسواق الشعبية والمراكز الحكومية، فضلًا عن استمرار الاقتتالات الداخلية بين الفصائل العسكرية، وحدوث اشتباكات متقطِّعة مع قوات "قسد" ونظام الأسد. 

وتشهد المنطقة اختراقًا أمنيًّا واضحًا تجلّى بارتفاع وتيرة عمليات الاغتيال في تلك المناطق وتعدُّد منفّذيها واختلاف دوافعها وأدواتها، وتحديدًا من قبل تنظيمَي "داعش" و"قسد" ونظام الأسد، بهدف زعزعة الأمن وتقويض جهود التنمية والاستقرار في المنطقة، الأمر الذي زادَ من تعقيد الوضع الأمني وساهمَ في تشويش عملية ضبطه.

كما خلصت الدراسة السابقة إلى أنَّ 28% من هذه الحوادث الأمنية تمركزت في مدينة عفرين، بينما تمركزت 22% منها في منطقة نبع السلام، و21% منها في مدينة الباب، و18% في مدينة أعزاز، و11% في مدينة جرابلس.

ورغم أن مناطق الشمال السوري عمومًا قد شهدت متنفّسًا وتحسُّنًا نسبيَّين في واقعها الأمني، مقارنة بفترات سابقة خيّمَ فيها الفلتان الأمني وانتشار الفوضى والتوترات المستمرة والمتكررة بين الفصائل على المشهد العام، حيث زادت الفصائل والقوى العسكرية والمدنية المسيطرة تركيزها على الملف الأمني، وتحمّلت الأجهزة الأمنية دورًا أكبر في فرض الاستقرار وحفظ الأمن، عبر قيامها بمهام متعددة كملاحقة الخلايا الإرهابية وضبطها لعمليات تجارة المخدرات والممنوعات؛ إلا أن التحسُّن النسبي هذا بقيَ هشًّا يواجه ثغرات تهدد عملية الإصلاح برمّتها وتبقي الوضع الأمني على حالته المزرية.

تبدو المشكلة الاقتصادية والإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحالة التقهقر الأمني والإداري التي تعاني منها مناطق الشمال السوري

عمليًّا، يغيب الدور الفعّال للجيش الوطني كقوة إدارية مركزية جامعة لمختلف القوى العسكرية، قادرة على إنهاء حالة التنافس والاقتتال الداخلي بين مختلف القوى الفصائلية، وقادرة على حفظ الأمن والنظام، وضبط الاختراقات الأمنية أو التخفيف منها، وإلزام القوى العسكرية بتمكين المؤسسات الأمنية المختلفة، نتيجة غياب القرار الوطني ضمن مؤسسة الجيش الوطني ودخوله في متاهة الاصطفافات والانقسامات.

إذ تفتقر البنى العسكرية والأمنية شمال غربي سوريا في العموم إلى الحوكمة الرشيدة و وتعاني من غياب المسؤولية والكفاءة ضمن الكوادر المسؤولة عن الأمن، كونها قامت في الغالب بهدف الدفاع عن مناطقها لا بغرض القيام بأعباء الأمن والحماية.

هذا فضلًا عن غياب الموارد الذاتية اللازمة التي تعطي هذه البنى نوعًا من الاستقلالية وتساهم في تعزيز دورها في تحقيق الاستقرار في تلك المناطق، وهو ما أدّى إلى حالة من الفوضى الأمنية وتضارب المصالح وسهولة الاختراق.

علاوة على ذلك، تتزايد مشاكل الحوكمة ضمن المؤسسات الأمنية، وتتضارب الصلاحيات فيما بينها، وتتعثّر خطوات الجهات الفاعلة في تطوير الأدوات والآليات المساعدة في تعزيز حالة الاستقرار والحدّ من حالة الهشاشة والفلتان الأمني الذي يضرب المنطقة.

ويبدو أن تغوّل القوى العسكرية وتدخُّلها في الجوانب الأمنية والخدمية، وعملها خارج الأطر المؤسساتية، إلى جانب التوترات الأمنية والاقتتال الداخلي المتكرر بين المجموعات والفصائل العسكرية، ودخول المنطقة بحالة من المحاصصة الجغرافية بين القوى المسيطرة؛ قد أعاقَ عمل الأجهزة الأمنية وتسبّبَ في إضعاف دور الشرطة العسكرية وجهاز الأمن وتجميد كثير من أنشطتها، ما رفعَ من حوادث الخطف والسرقة وتجارة المخدرات والممنوعات.

وتعدُّ ظاهرة انتشار السلاح واستخدامه بين المدنيين عند وقوع أي خلاف أو شجار، أحد أبرز تجليات الفوضى وعدم الاستقرار الأمني، فرغم إصدار وزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة تعميمًا حول ضبط حمل السلاح، وحصر وجوده في المعسكرات وخطوط المواجهة والنقاط الأمنية، إلا أن عدم وجود آليات إجرائية وقانونية تنظِّم كيفية حصول الأفراد على السلاح وتعاقب المخالفين، فاقمَ الأزمة وأسفر عن ازدياد حالات الوفاة مُلحقًا الضرر بالممتلكات العامة والخاصة.

وتبدو المشكلة الاقتصادية والإنسانية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحالة التقهقر الأمني والإداري التي تعاني منها مناطق الشمال السوري، فانخفاض مستوى الدخل وقلة فرص العمل وتزايد معدلات البطالة يفتح الباب أمام تزايد حالات السرقة والنهب والفوضى الأمنية، في ظلّ تزايد الاحتياجات الإنسانية وتراجُع تمويل المساعدات الإنسانية وغياب الموارد وحالة عدم الاستقرار، في وقت يعيش فيه قرابة 80% من سكان الشمال الغربي المحرر في سوريا (البالغ عددهم 6.7 ملايين نسمة تقريبًا) على المساعدات الإنسانية.

حيث كشف تقرير أعدّه فريق "منسقو استجابة سوريا" عام 2021 عن الأوضاع الإنسانية في مناطق شمال غرب سوريا، أن "معدلات الفقر وصلت إلى مستويات قياسية، متجاوزةً الـ 90%، وأن أعداد الأسر التي خفّضت عدد الوجبات الأساسية وصلت نسبتها إلى 65%، في حين وصلت ضمن المخيمات إلى 89%".

فرصة تلوح بالأفق لإتمام عملية الإصلاح الأمني

يبدو أن تطورات الوضع في أوكرانيا وانشغال روسيا بمقتضيات الحرب هناك قد عزّزا فرصة تثبيت الوضع القائم في شمال غرب سوريا، لا سيما مع الجدّية التركية في الحفاظ على تلك المناطق وتوسيعها، بحيث تكون "مناطق آمنة" قادرة على استيعاب مشروعها الجديد المتثمل في عودة مليون سوري طواعية إلى تلك المناطق.

فضلًا عن النظرة التركية العامة إلى مناطق الشمال بوصفها مرتبطة بأمن تركيا القومي، وترى في وجودها عاملًا مهمًّا لإحباط المشاريع الإرهابية التي قد تهدِّد أمن تركيا ووجودها، وسط قبول دولي مبدئي أمريكي-غربي لدور تركيا في الشمال السوري.

ويعزّز هذا فرص إحداث عملية إصلاحية شاملة لمؤسسات قوى الثورة والمعارضة، وتحديدًا القطاع الأمني، نظرًا إلى تأثير الحالة الأمنية على عملية التنمية الاقتصادية وسيادة القانون والحكم الرشيد ومشاريع التعافي المبكر التي بدأت ملامحها تظهر، ما يحمّل المؤسسات السورية والإدارة التركية مسؤولية دعم عملية الإصلاح داخل الأجهزة الأمنية، لتعزيز الاستقرار الدائم وتشجيع اللاجئين السوريين وأبناء المنطقة للبقاء فيها أو العودة إليها.

وبالتالي تبرز الحاجة لتفعيل القرار السوري عبر دعم إدارة مركزية سورية يديرها السوريون بشكل كامل، مع تعميق التنسيق والتواصل مع الجانب التركي في كافة المجالات العسكرية والاقتصادية والأمنية والمدنية، خاصة مع كثرة العوائق الإدارية التي تحول دون الوصول إلى تنسيق عالي المستوى بين الجانبَين، ما ساهمَ في توسيع دائرة الخروقات الأمنية في المنطقة.

والتأكيد أيضًا على ضرورة المسارعة في انتزاع الملف الأمني من يد الفصائل العسكرية، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية عبر إنشاء جهاز أمني موحَّد يعمل لصالح المنطقة كاملة، وإخضاع هذا الجهاز لسلطة قضائية وقانونية مدنية مدعومة شعبيًّا تمتلكُ نظام مساءلة ومراقبة.

ولا بدَّ من تفعيل دور منظمات المجتمع المدني وتوسيع هامش نشاطها وحركتها في المنطقة، لما في ذلك من انعكاس مباشرٍ إيجابي على عملية إصلاح ودعم القطاع الأمني، وذلك عبر النشاطات التوعوية، وعمليات الحشد والمناصرة والتعبئة الاجتماعية التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني بشكل يساهم في عملية تجسير الهوّة بين الأجهزة الأمنية والقطاعات المجتمعية المحلية، بما يسهّل مهام القوى الأمنية ويفعّل المسؤولية الجماعية لتحقيق بيئة آمنة مناسبة للاستقرار والتنمية.

في الختام، إن الحديث عن إقامة "منطقة آمنة" تحتضن اللاجئين والمهجّرين السوريين وتساعد على تدوير عجلة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، لا بدَّ أن يرافقه عمل دؤوب لفرض الأمن والاستقرار عبر تحسين الواقع الأمني المضطرب في ربوع تلك المناطق.

حيث إن مجرد تحرير المنطقة من تنظيمات إرهابية لا يُعتبر إلا بداية الطريق ضمن مسار طويل للخروج من حالة عدم الاستقرار وتحقيق أركان "المنطقة الآمنة"، إذ يُعدُّ بناء بيئة آمنة مستقرة بعيدة عن التسلُّط الفصائلي والاضطراب الحوكمي والاختراق الأمني أحد أهم الأركان الرئيسية لـ"المنطقة الآمنة".