أفراد من قوة الدفاع عن القوميات الكارينية يجرون أثناء التدريب في معسكرهم الأساسي في غابة في ولاية كاياه شرق ميانمار.

ترجمة وتحرير: نون بوست

أدّت الحملة العسكرية ضد أقلية الروهينجا المسلمة في ميانمار إلى نزوح حوالي مليون شخص فارين من الاضطهاد؛ حيث اتجه الكثيرون منهم إلى بنغلاديش المجاورة التي تضم أكبر مخيم للاجئين في العالم منذ سنة 2017. وفي آذار/ مارس الماضي، أعلنت الحكومة الأمريكية أن الأزمة تمثل إبادة جماعية.

ولكن في الوقت الراهن؛ وتحت مراقبة المجتمع الدولي المشتت إلى حد كبير، يعمل الجيش - المسؤول عن عمليات القتل الجماعي المروعة في غرب ميانمار والذي استولى بشكل غير قانوني على السلطة في انقلاب شباط/ فبراير 2021 - على ترويع الأقليات بشكل متزايد في شرق البلاد، فوفقًا لتقرير جديد صادر عن منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان ومقرها لندن، فقد كثف جيش ميانمار من أعمال العنف والهجمات العشوائية ضد المدنيين في ولايتي كايين وكاياه الشرقية الواقعتين على طول الحدود بين ميانمار وتايلاند.

وقد وثقت منظمة العفو مئات حالات القتل والاعتقالات غير القانونية، والنهب المنهجي والحرق، والعقاب الجماعي؛ لكنها لم تصل إلى حد وصف الهجمات بأنها إبادة جماعية. ووفقًا للأبحاث والمقابلات الميدانية التي أجريت في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2022، فقد كثف جيش ميانمار من أعمال العنف ضد الأقليات العرقية في الشرق، لا سيما ضد كاريني ذات الأغلبية المسيحية والبوذية.

ووفقًا لجمعية مساعدة السجناء السياسيين؛ وهي منظمة حقوقية مقرها ماي سوت بتايلاند فإنه في ويانغون بميانمار، قام الجيش - منذ الانقلاب إلى 31 مايو/أيار، بقتل ما لا يقل عن 1876 شخصًا، أغلبهم من المدنيين، ووفقًا لتقرير منظمة العفو الدولية، فإن عدد القتلى "من المحتمل أن يكون أقل من الواقع"، لا سيما في المناطق الحدودية في الشرق؛ حيث غالبًا ما يحدث القتال وانتهاكات حقوق الإنسان في المناطق النائية، وغالبا ما تكون قنوات الاتصال محدودة.

وقالت كارولين ناش، مديرة المناصرة في آسيا بمنظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية، لمجلة "فورين بوليسي": "في أعقاب الانقلاب؛ كان هناك تدهور واضح في حقوق الإنسان في ميانمار، ولكن التكتيكات التي استخدمها الجيش ليست جديدة. كما أن جرائم الحرب التي نراها حاليًا هي نتيجة الإفلات من العقاب الذي طال أمده، حيث يثق الجيش بعدم قدرة أي سلطة أعلى تهديده".

ما يحدث في ميانمار لا يوصف؛ ففي حين يعلم الكثيرون بأزمة الروهينجا، إلا أن قلة من الأمريكيين على دراية بالقصف الجوي والتمرد الذي أدى إلى نزوح أكثر من 600 ألف شخص داخليًّا منذ بداية الانقلاب

وقال قائد ميداني كان قد انفصل عن الجيش بعد خدمته في ولاية كاياه لمنظمة العفو الدولية إن القصف والضربات الجوية تُستخدم عمدًا ضد المدنيين ضمن استراتيجية للعقاب الجماعي، وقالت ناش: "رغم تحول انتباه العالم في الأشهر الأخيرة، إلا أن العنف مستمر في التصاعد والمدنيون يدفعون الثمن".

وأذعنت دول غربية مثل الولايات المتحدة إلى حد كبير إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN) وتوافقها في مجموعة من خمس نقاط تمثل إطارًا اقترحه أعضاء المجموعة التسعة النشطون للمتطلبات التي يجب أن تفي بها ميانمار قبل دعوتها بالكامل للعودة إلى الرابطة؛ حيث يشير التقرير إلى أن استبعاد المجلس العسكري في ميانمار "لم يوقف العنف في ميانمار، بما في ذلك الجرائم  التي يرتكبها الجيش بموجب القانون الدولي في شرق ميانمار".

وأدى رد الفعل العالمي الصامت إلى الحد من مساءلة جيش ميانمار، وقد قال خبير مطلع على المصالح التجارية للولايات المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا لمجلة "فورين بوليسي" إن الشركات العالمية التي لها عمليات في ميانمار قد حاولت كثيرًا البقاء بعيدًا عن الصراع، واستمرت في العمل في ميانمار حتى مع امكانية إعطاء بعض الأرباح للمجلس العسكري، ورغم أن الشركات تمتنع عن إقامة علاقات رسمية مع المجلس العسكري داخل ميانمار، إلا أنها لا تقطع العلاقات نهائيًّا.

وقال تيبي كاساي، مسؤول البرامج في قسم آسيا في "هيومن رايتس ووتش" ومقرها طوكيو، متحدثًا عن الاتفاق ذي الخمسة بنود: "إنه ليس سوى مجرد انسحاب لدول مثل اليابان من فرض عقوبات مستهدفة، حتى عندما يكون لديها الإطار القانوني اللازم والإمكانية للقيام بذلك"، وأضاف - مع التركيز على كمبوديا وميانمار- فإن اليابان لم تقم بعد بتجميد المشاريع غير الإنسانية الجارية، على الرغم من قولها السنة الماضية بأنها لن توقع على مشاريع جديدة.

خذل المجتمع الدولي شعب ميانمار؛ حيث قالت ناش إن الأسوأ لم يأت بعد، وإنه على المجتمع الدولي التحرك فورًا.

كما قال مايكل هاك، المتعاقد مع الحملة من أجل ميانمار الجديدة، وهي مجموعة تضغط لأجل مشروع القانون، إنه على الرغم من إقرار مجلس النواب الأمريكي في أبريل/نيسان الماضي قانون بورما، وهو مشروع قانون يسمح بالإغاثة الإنسانية ودعم المجتمع المدني، إلا أن الجمهوريين قد قاموا بإيقافه في مجلس الشيوخ.

وقال هاك: "إن ما يحدث في ميانمار لا يوصف؛ ففي حين يعلم الكثيرون بأزمة الروهينجا، إلا أن قلة من الأمريكيين على دراية بالقصف الجوي والتمرد الذي أدى إلى نزوح أكثر من 600 ألف شخص داخليًّا منذ بداية الانقلاب. وهو ما لا أعتقد أنه قد وصل إلى الجمهور العادي".

وقالت ناش من منظمة العفو الدولية: "إن استمرار احترام هذا التوافق في الآراء من خمس نقاط الذي لم يحقق أي تأثير ذي مغزى لن يؤدي إلا إلى إطالة المعاناة. وأن مخزونات المواد الغذائية المخصصة للمدنيين المشردين والتي كانوا يعتمدون عليها آخذة في النفاد، كما أن العنف المستمر يعني عدم إمكانية عودة القرويين إلى حقولهم لزراعة الأرز".

ويقترب موسم الرياح الموسمية الصيفية في ميانمار بسرعة، حاملُا معه انهيارات أرضية وفيضانات، كما قد يمنع إمكانية الوصول المستمر إلى مياه الشرب الآمنة؛ حيث قالت ناش: "سيواجه عمال الإغاثة عقبات في نقل الإمدادات الطبية وغيرها من السلع في جميع أنحاء البلاد، وهو ما يعني مجاعة جماعية، ومزيدًا من الدمار لنظام الرعاية الصحية الذي يتلاشى بالفعل، ونزوحًا مطولًا ومزعزعًا للاستقرار".

في أيار/مايو؛ عرض القائد العسكري في ميانمار مين أونج هلاينج سلسلة من ما يسمى بمحادثات السلام المزعومة، لكن عرضه قوبل بالرفض من قبل أكبر أربع منظمات عرقية مسلحة في البلاد، قائلًا إنها رفضت الاجتماع إلى أن تتم دعوة حكومة الوحدة الوطنية التي يقودها المدنيون، وحثت منظمة العفو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على تنفيذ "حظر شامل على الأسلحة" على ميانمار، في حين اعتمدت الأمم المتحدة، في السابق حظرًا غير ملزم "يدعو جميع الدول الأعضاء إلى منع تدفق الأسلحة إلى ميانمار"، وهو ما كان إجراء طوعيًا.

لقد خذل المجتمع الدولي شعب ميانمار؛ حيث قالت ناش إن الأسوأ لم يأت بعد، وإنه على المجتمع الدولي التحرك فورًا.

المصدر:  فورين بوليسي