ينتشر في حارات وأزقة القدس القديمة عشرات المساجد العتيقة التي تروي تاريخ أزمنة إسلامية واستعمارية تعاقبت على حكمها، وخلال تلك الحقب التاريخية بُني حوالي 58 مسجدًا، 20 مسجدًا منها فقط مفتوحًا اليوم لاستقبال المصلّين، والبقية مغلقة حتى استصدار تصريح ترميم وصيانة لها من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

يعود بناء تلك المساجد التاريخية إلى الفترة الأيوبية والمملوكية وجزء نُسِبَ إلى الفترة العثمانية، وسرعان ما يعرفها الزائر من ملامح بنيانها، فهي ما بين متوسطة وصغيرة المساحة، تتكون من غرفة واحدة وساحة ومئذنة كبيرة، كمسجد المئذنة الحمراء المغلق والواقع في حارة السعدية.

ومنذ الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس، بدأت معركة وحملات تهويد مساجد البلدة القديمة لإزالة كل ما يتعلق بعروبة وإسلامية المدينة، وبقيَ المقدسيون في حالة مواجهة مستمرّة لحماية مساجدهم العتيقة، رغم انتزاع عدد منها وبناء كُنس يهودية على أنقاضها أو أفران، ما اضطرَّ أهلَ المدينة إلى إغلاق أبواب عدد منها بعد عام 1967.

ولم يَدُم إغلاق المساجد العتيقة كثيرًا، فقد أُعيد فتحها عبر مبادرات ومحاولات من إدارة الأوقاف الإسلامية في القدس خلال السنوات الماضية، وما يميّز تلك المساجد هو وجودها في أحياء البلدة القديمة الأربعة (الإسلامية والمسيحية والأرمينية واليهودية)، وتحمل أسماء علماء وصالحين عاشوا في تلك الأحياء، ما يدلِّل على التسامُح الديني الذي كان يسود المدينة قبل الاحتلال.

يستعرضُ "نون بوست" تاريخ أهم مساجد البلدة القديمة التي تعرّضت لاعتداءات المستوطنين ومحاولات التهويد والهدم، لكنها ما زالت صامدة وتنتظر استصدار قرار يسمح بصيانتها وترميمها.

مسجد ابن قلاوون

يعود تاريخ بنائه إلى عام 1287، وقد بُنيَ من قبل الملك المنصور سيف الدين قلاوون الذي حكم الدولة المملوكية فترة 1290-1279م وأوقفه، فسُمّيَ باسمه.

مرَّ المسجد بفترةٍ من الإهمال حتى تعرّض للخراب لدرجة تغيير اسمه، فكان يُسمّى منذ فترة قريبة بالمسجد القلندري، ولكن أُعيد ترميم المسجد وظهر اسمه الأصلي (المسجد المنصوري) فوق مدخله على لوحة رخامية نُقش عليها.

صورة

اليوم المسجد مغلق لحاجته إلى الترميم، وترفض بلدية الاحتلال في القدس منح القائمين عليه رخصة ترميم، ما حوّله إلى مخزن لبضاعة التجّار كونه يقع في البلدة القديمة، رغم محافظته على شكله من الداخل، لكن يخشى المصلّون التواجد فيه.

المسجد العمري الكبير

يقع في الجهة الجنوبية من حارة الشرف التي كانت تؤدي إلى حارة المغاربة من جهة الغرب، ومحاط بعقارات استولى عليها اليهود، ما يجعل منه بؤرة حساسة.

وما زالت أخطار حفريات سلطات الاحتلال الإسرائيلي تهدِّد محيطه، حيث باشرت "شركة تطوير الحي اليهودي" الحفر بمحيط المسجد منذ عام 1972، لهذا لا يتمكّن إمامه من إقامة الصلاة فيه، ما عدا صلاتَي الظهر والعصر.

صورة

كما يعاني المسجد من تشقُّقات واضحة في الجدران، بسبب منع الاحتلال الإسرائيلي دائرة الأوقاف من مباشرة أعمال الترميم داخل المُصلّى.

مسجد المئذنة الحمراء

يقع في حارة السعدية، ويمكن الوصول إليه عن طريق مدخل باب الساهرة أو عن طريق الآلام، شيّده الشيخ علاء الدين الخلوتي (1533)، سُمّي بذلك نسبةً إلى مئذنته التي يدخل الحجر الأحمر في بنائها، منفردًا بهذه الصفة في الحارة التي يقع فيها.

صورة

يعدّ هذا المسجد من المعالم العثمانية في مدنية القدس، وهو مربع الشكل صغير المساحة، بُني من الحجر المتتالي فيه كل من اللون الأحمر واللون الأبيض (الحجر المزي)، وله باب في حائطه الشمالي. 

ويتوسّط جداره الجنوبي محراب جميل له عقد نصف دائري، أما سقف المسجد فهو معقود بقبو مروحي متقاطع له قبة نجمية، إضافة إلى مئذنته المميزة، كما يتبعه دورة مياه وما تبقّى من الحاكورة التي أُنشئ فيها، والتي زُرع فيها أشجار فاكهة منوَّعة.

ولم ينجُ هذا المسجد من اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في القدس، إذ مُنعَ رفع الأذان فيه وباتَ مغلقًا.

مسجد الديسي 

يقع في حارة الحيادرة، على الطريق الواصل بين حارتَي الشرف والأرمن في البلدة القديمة بالقدس، والطريق إليه تعجُّ باليهود ودكاكينهم والبيوت المقدسية التي سُرقت بعد احتلال مدينة القدس. 

ويُعتبر مسجد الديسي أيوبيّ البناء مملوكيّ الترميم، وتعود أصوله إلى عهد الملك المعظم عيسى في القرن الـ 13 الميلادي، وهو من مساجد البلدة القديمة الصامتة لا يُسمع الأذان منها ويندر روّادها، وتتعرض باستمرار لانتهاكات الاحتلال ومستوطنيه، وانتفت شعائر بعض منها وهُجرَت بالكامل.

صورة

تقام فيه صلوات الظهر والعصر والمغرب فقط ويُغلق فيما بينها، وهو على هذه الحال منذ عام 1967 بسبب اعتداءات المستوطنين على المصلين فيه، لا سيما أن معظم جيرانه من اليهود الذين اعتادوا على إزعاج روّاده والتجمهر حوله، منادين بإغلاقه وسط وابل من الشتائم والعبارات العنصرية.

في عام 2019 تمكّن القائمون عليه من الحصول على تصريح ترميم من بلدية الاحتلال وذلك بعد عدة محاولات، وخلال عمليات الإصلاح اُعتقل أحد عمّال الترميم بالمسجد، وتغريم العاملين بذرائع واهية، كما قام المستوطنون بإجبار الأوقاف على تقليص أنوار المئذنة الخضراء بحجّة إزعاجهم.

مسجد محارب

يقع عند التقاء طريقَي باب السلسة وسوق الباشورة، في أول الزقاق المتّجه إلى الجنوب الموصل إلى حارتَي الشرف والمغاربة.

ويواجه المسجد اليوم خطر اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي من حين إلى آخر، وخاصة أطماع ما يُعرَف بـ"شركة تطوير الحي اليهودي" الاستيطانية التي تسعى إلى مصادرته، وترفض بلدية الاحتلال ترميمه أو إدخال أي معدّات بناء لإصلاح جدرانه أو حتى السقف.

صورة

أما المستوطنون المتطرِّفون فلا ينفكّون عن استفزاز مشاعر المسلمين ومضايقتهم، حتى أنهم قاموا بتعطيل مكبّر الصوت فيه، فصار الأذان يُرفع فيه من خلال الربط مع مسجد البازار "عثمان بن عفان" المجاور.

قوانين بريطانية موروثة تحظر الترميم

يقول ناصر هدمي، رئيس الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد، إن البلدة القديمة في القدس لها وضعها الخاص فيما يتعلق بالبناء والترميم، موضِّحًا أن الاحتلال البريطاني وضعَ عام 1921 خارطة هيكلية للقدس ومبانيها، ومن ضمنها قوانين تحكُّم البناء داخل وخارج البلدة. ووفق متابعته فإن القوانين بمجملها تمنع أي تغيير في ملامح البلدة، كونها إرثًا إسلاميًّا وتاريخيًّا لا يجوز العبث فيه.

وذكر هدمي لـ"نون بوست" أن الاحتلال الإسرائيلي تمسّك بتلك القوانين حين سيطر على شرقي القدس، ووضع شروطًا تعجيزية للبناء أو الترميم داخل البلدة القديمة.

وأوضح أن الاحتلال يستخدم القوانين كذريعة لمنع ترميم المساجد، كحال البيوت التي تشقّقت جدرانها بفعل الأنفاق المحفورة أسفل البلدة القديمة، كما جرى في حارة السعدية وحي القرمي، ما يدفع المقدسيين إلى هجران مساجدهم والمنطقة كلها وتستولي الجمعيات الاستيطانية عليها.

ولفت هدمي إلى أن قوانين البناء والترميم الخاصة بالبلدة القديمة ساعدت على تهويد المدينة المقدسة، مشيرًا إلى أنه منذ الاحتلال الإسرائيلي لم يُبنَ أي مسجد بينما في المقابل شُيِّد أكثر من 100 كنيس يهودي ليأتي إليها المستوطنون، واخترقوا القسم الإسلامي من المدينة.

مساجد عتيقة شاهدة على إسلامية القدس

وذكر المختصّ في الشأن المقدسي، رضوان عمرو، أن مجمل مساجد القدس تاريخية وكانت تخدم المقدسيين الذين لم يتمكّنوا من الوصول إلى الصلاة في الأقصى، كحال التجّار وكبار السن والمسافرين، مبيّنًا أنه في جوار الخانات التاريخية وُجدت المساجد القريبة لخدمة المسافرين.

وبحسب متابعته، فإن المساجد التاريخية، منها الصغير ومتوسّط المساحة، بحاجة إلى ترميم، كونها جزءًا من النسيج المعماري للبلدة القديمة، فلا بدَّ من الصيانة المستمرة من فترة إلى أخرى.

وعرّج رضوان على نقطة هامة، وهي أن مساجد القدس التاريخية حالها كبقية عقارات البلدة القديمة، بحاجة إلى أذونات وتراخيص لإجراء الترميمات، مبيّنًا أن إدخال مواد البناء للقدس القديمة يخضع لمراقبة الاحتلال، كما أن هناك كاميرات ومفتّشي بلدية يراقبون دخولها وأي عمليات ترميم تطال هذه المساجد.

ويؤكد أن الاحتلال يتعمّد تعطيل ترميم المساجد، ويفرض إجراءات طويلة عند استصدار رخصة الترميم، وفي حال الحصول عليها تكون التكاليف عالية، ما يضطر المقدسيين إلى إغلاقها خشية سقوط حجارتها على المصلين.

تبقى مسؤولية ترميم تلك المساجد التي تحكي تاريخ مدينة توالت عليها الحضارات على عاتق المقدسيين ووزارة الأوقاف لترميمها والنظر إلى حاجتها المعمارية والإدارية

أما عن دور وزارة الأوقاف في الاهتمام بمساجد القدس العتيقة، أكّد عمرو أنها تعيّن أئمة مكلفين بالإمامة لكن لا تُقام بها كل الصلوات كالجمعة التي تقام بالأقصى، بالإضافة إلى أن لتلك المساجد سَدَنَة لتنظيفها، ومع ذلك تعاني من إهمال كبير ويصل الحال أن تتحول إلى مخازن لبضائع التجّار، بسبب إغلاقها وعزوف المصلين عنها لحاجتها إلى التصليحات، كحال مسجد ابن قلاوون.

ويرى عمرو أن إغلاق تلك المساجد أمر خطير كونها شاهدة على إسلامية المدينة، لكن الاحتلال يعمل على إزالتها وهدمها كما فعل في مساجد حارة الشرف ومسجد الديسي وعمر بن الخطاب المجاور لكنيس الخراب، ومسجد قلعة القدس الذي تحوّل إلى متحف ومساجد كثيرة تعاني لأنها أُفرغت من المصلين وتحتاج إلى ترميم.

وفيما يتعلق بسخط المقدسيين تجاه وزارة الأوقاف، يقول: "هناك شعور عارم أنها مترهّلة ما ينعكس على سوء إدارتها للموارد التي تمتلكها، لذ يشعر المقدسي بتراجُع مركزها وتمثيلها السياسي والدبلوماسي لقضية كبيرة وهي المسجد الأقصى، بالإضافة إلى تراجُع وصايتها ما انعكسَ على عقارات القدس ومساجدها، فمثلًا أسواق بحوانيتها ومساجدها موقوفة".

وتابع: "معاناة المساجد في ظل الإدارة الحالية أدّى إلى إغلاقها بشكل تامّ، ومنها أوشكت على الاندثار وبحاجة إلى ترميم عاجل قبل انهيارها"، لافتًا إلى أن هناك مساجد تعاني من بلدية الاحتلال وهجمات المستوطنين، دون موقف واضح من الأوقاف تجاه هذه القضايا.

وتبقى مسؤولية ترميم تلك المساجد التي تحكي تاريخ مدينة توالت عليها الحضارات على عاتق المقدسيين ووزارة الأوقاف لترميمها والنظر إلى حاجتها المعمارية والإدارية، وتفعيل الأنشطة داخلها على مدار الساعة، حيث مراكز تعلُّم القرآن الكريم والفقه، وبذلك تُفتح أبوابها من جديد.