لقاء الرئيس الجزائري برئيس الوزراء الإسباني

لقاء الرئيس الجزائري برئيس الوزراء الإسباني

عرفت العلاقات الإسبانية الجزائرية في الأشهر الأخيرة توترًا ملحوظًا، وكانت البداية يوم 18 مارس/آذار الماضي، حين أقرت مدريد بشكل مفاجئ بأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية المتعلقة بالصحراء الغربية المتنازع عليها هي الأكثر واقعية وجدية من أجل تسوية الخلاف.

لم يرق للجزائر الموقف الإسباني الجديد، خاصة أن مدريد عُرفت بدعمها لجبهة البوليساريو - حليفة الجزائر - وإن كان ذلك بطرق ملتوية يسودها الغموض، حتى إن مدريد دخلت في أزمة مع الرباط بسبب استقبالها زعيم البوليساريو إبراهيم غالي فوق أراضيها لتلقي العلاج.

سارعت الجزائر بسحب سفيرها من مدريد وربطت عودته بتقديم الحكومة الإسبانية "توضيحات مسبقة" بشأن الأسباب التي جعلتها تغيّر موقفها من قضية الصحراء الغربية ليصب في صالح الموقف المغربي، إلا أن التوضيح لم يأت.

"ردع" دبلوماسي

في ظل عدم تجاوب السلطات الإسبانية، قررت الرئاسة الجزائرية تعليق "معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون" التي أبرمت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2008 مع إسبانيا وحددت تطوير العلاقات بين البلدين، على خلفية "انتهاك مدريد لالتزاماتها القانونية والأخلاقية والسياسية".

واعتبرت الرئاسة الجزائرية عقب اجتماع مجلس الأمن القومي أشرف عليه الرئيس عبد المجيد تبون أن "السلطات الإسبانية تعمل على تكريس سياسة الأمر الواقع الاستعماري، باستعمال مبررات زائفة، ونفس هذه السلطات تتحمل مسؤولية التحول غير المبرر لموقفها.. التي قدمت الحكومة الإسبانية الحاليّة من خلالها دعمها الكامل للصيغة غير القانونية وغير المشروعة للحكم الذاتي الداخلي المقترحة من القوة المحتلة".

تعتبر ورقة الغاز إحدى أبرز الأوراق التي يمتلكها النظام الجزائري، إذ يمكن للجزائر أن تقرر وقف تصدير الغاز نحو إسبانيا

يؤشر القرار الجزائري على أن العلاقات بين الجزائر ومدريد تمر بأسوأ فتراتها، ومن المنتظر أن يؤثر القرار الأخير على العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين البلدين، ذلك أن المعاهدة التي تم تعليق العمل بها تنص على تعزيز الحوار السياسي بين البلدين على جميع المستويات وتطوير التعاون في المجالات الاقتصادية والمالية والتعليمية والدفاعية.

وتدور محاور المعاهدة حول احترام القانون الدولي والمساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرفين والامتناع عن اللجوء إلى القوة أو التهديد باستخدامها عند أي خلاف وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية والتعاون من أجل التنمية، بالإضافة إلى احترام البلدين لحقوق الإنسان والحريات الأساسية للشعبين.

تعليق الجزائر لمعاهدة الصداقة مع إسبانيا، سينهي أغلب اللقاءات التي كانت تعقد بين المسؤولين الجزائريين مع نظرائهم الإسبان، إذ تنص إحدى مواد الاتفاقية على ضرورة عقد لقاءات دورية على أعلى مستوى لتعزيز التعاون والتشاور بينهما.

بالتزامن مع هذا القرار، أفادت الإذاعة الجزائرية بوقف التبادل التجاري بين البلاد وإسبانيا، وأشارت إلى أن "تجميد عمليات التجارة الخارجية للمنتجات والخدمات من وإلى إسبانيا اعتبارًا من اليوم الخميس".

كما وجهت الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية في الجزائر، تعليماتها لكل مديري البنوك تمنع بموجبها أي عملية توطين بنكي لإجراء عملية استيراد من إسبانيا، كما تمنع التعليمات الصادرة، أمس الأربعاء، أي عملية توطين بنكي لإجراء عملية تصدير نحو إسبانيا.

إجراءات قادمة

تعتبر هذه الخطوات، بداية الرد الجدي للجزائر، ويتوقع أن تواصل الجزائر التصعيد في حال لم تقدم مدريد التوضيحات المقنعة لقرارها المتعلق بالصحراء الغربية، ذلك أن نظام عبد المجيد تبون يمتلك العديد من الأوراق المهمة للضغط على حكومة بيدرو سانشيز.

تعتبر ورقة الغاز إحدى أبرز الأوراق التي يمتلكها النظام الجزائري، إذ يمكن للجزائر أن تقرر وقف تصدير الغاز نحو إسبانيا عبر الأنبوب الثاني "ميدغاز" بعد أن أوقفت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي التصدير عبر الأنبوب المغاربي الأوروبي الذي يمر من المملكة المغربية على خلفية الأزمة الدبلوماسية بين البلدين بشأن قضية الصحراء الغربية.

وتستورد إسبانيا منذ سنة 1996 ما بين 8.5 إلى 10 مليارات متر مكعب من الغاز الجزائري، لذلك تعتبر الجزائر أكبر مصدر للغاز الطبيعي لإسبانيا، وأي تغيير يحصل في هذا الشأن سيؤثر سلبًا على مدريد في وقت تشهد فيه البلد أزمة اقتصادية.

تأمل الجزائر في توطيد علاقاتها مع روما في ظل تأزم العلاقات مع مدريد وباريس

كما يمكن أن ترفع الجزائر أسعار الغاز المتجه لإسبانيا في حال لم يتم قطع الإمدادات، بما يتناسب مع المتغيرات الحاصلة في سوق الطاقة العالمي، ما سيؤثر على الموازنة العامة لإسبانيا، وسبق للجزائر أن خفضت الأسعار في فترة كورونا لمساعدة مدريد.

وسبق أن هددت وزارة الطاقة الجزائرية بداية مايو/أيار الماضي بقطع إمدادات الغاز عن إسبانيا، حال أخلت بالعقود المبرمة بين البلدين بشأن توريد الغاز الجزائري أو إعادة توجيهه إلى أي بلد آخر، في إشارة إلى نية إسبانيا تصدير الغاز الجزائري إلى المغرب.

إلى جانب ورقة الغاز، تمتلك الجزائر أيضًا ورقة الهجرة غير النظامية التي يمكن استعمالها للضغط على إسبانيا، يذكر أنه وصل ما يقرب من 10 آلاف جزائري إلى إسبانيا خلال عام 2021، أي أكثر بنسبة 20% بالمقارنة مع العام 2020.

ويشكل عدد "الحراقة" الجزائريين أكثر من 70% من العدد الإجمالي للمهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا إلى إسبانيا وجزر البليار في النصف الأول من عام 2022، وينطلق أغلب المهاجرين من مدن وهران وتيبازة ومستغانم وبومرداس، باتجاه سواحل الأندلس الإسبانية أو جزر البليار، وهو طريق تقول السلطات الإسبانية إن القوارب القادمة من الجزائر تميل إلى استخدامه.

فضلًا عن وقف التعاون الكامل مع إسبانيا في ملف الهجرة غير نظامية ورفض تسلم وعودة المهاجرين غير النظاميين وترحيلهم إلى الجزائر، من المتوقع أن تخفف سلطات الجزائر القيود المفروضة على الهجرة غير النظامية المنطلقة من سواحلها.

في هذه الحالة ستستقبل سواحل إسبانيا آلاف المهاجرين القادمين من الجزائر خاصة المنتمين لدول جنوب الصحراء الذين يترصدون الفرصة للهجرة بعد أن كثف المغرب حملاته الأمنية ضدهم وأوصد عليهم طرق الهجرة من سواحله.

روما بدلًا عن مدريد

تميزت العلاقات الجزائرية الإسبانية بالهدوء طوال عقود، خاصة أن مدريد اختارت الوقوف إلى صف الجزائر في قضية الصحراء الغربية التي تعتبر أحد أبرز محددات السياسة الخارجية الجزائرية منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن التطورات الأخيرة أثبتت للجزائريين أن إسبانيا بقيادة بيدرو سانشيز "لم تعد شريكًا موثوقًا به".

في الوقت الذي توترت فيها العلاقات مع مدريد وقبلها باريس، وجهت الجزائر نظرها نحو روما، من نتائج ذلك غلبت كفة العلاقات الجزائرية مع أكبر ثلاثة شركاء لها في القارة الأوروبية لصالح إيطاليا على حساب فرنسا وإسبانيا.

ونهاية الشهر الماضي، زار عبد المجيد تبون إيطاليا لمدة ثلاثة أيام، وتوجت الزيارة بالمصادقة على خمس اتفاقيات، أهمها تلك الموقعة بين شركة المحروقات الحكومية "سوناطراك" وعملاق الطاقة الإيطالي "إيني" لتسريع تطوير الحقول الغازية المكتشفة بالجزائر.

قبلها زار رئيس الوزراء الإيطالي الجزائر، وتوجت الزيارة حينها بالتوقيع على اتفاق يقضي برفع إمدادات الغاز الجزائرية إلى إيطاليا بواقع 9 مليارات دولار، ما يخدم البلدين في ظل أزمة الطاقة التي تشهدها الأسواق العالمية منذ بدء الحرب الروسية ضد أوكرانيا.

وتأمل الجزائر في توطيد علاقاتها مع روما في ظل تأزم العلاقات مع مدريد وباريس، ويُعتبر مجال المحروقات المجال الأوسع للتعاون بين البلدين، إذ تأمل الجزائر أن تساعدها إيطاليا في التحول إلى موزع للغاز في أوروبا.

وتعرف العلاقات بين البلدين تطورًا ملحوظًا، يذكر أن إيطاليا كانت دومًا إلى جانب الجزائر وفق الرئيس تبون وتمثل ذلك خلال المراحل الصعبة سواء أثناء الثورة التحريرية (1954 -1962) أم خلال العشرية السوداء سنوات التسعينيات من القرن الماضي.

لوقت قريب كانت مدريد تمسك العصا من الوسط فيما يخص علاقاتها مع الجزائر والرباط، إلا أن موقفها المفاجئ من الصحراء الغربية ومحاولتها التودد للحكومة المغربية، أفقدها حليفًا مميزًا في شمال إفريقيا ما سيكون وقعه وخيمًا على هذا البلد الأوروبي.