تحظى مارين لوبان بثقة عدد كبير من الفرنسيين

تحظى مارين لوبان بثقة عدد كبير من الفرنسيين

مرة أخرى، تؤكد زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبان أنها أصبحت رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية ببلادها، فبعد النتائج المهمة التي أحرزتها خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، رغم القصف الإعلامي الممارس ضدها من جبهات كثيرة والحشد الكبير الذي دعم ماكرون، أحرز حزبها في الدور الأول للانتخابات التشريعية نتائج تاريخية.

الحزب الأول في البرلمان الفرنسي

تصدر الائتلاف الرئاسي الذي يقوده إيمانويل ماكرون نتائج الدور الأول للانتخابات النيابية التي أجريت الأحد الماضي، بحصوله على أعلى نتيجة إجمالية في البلاد بنسبة 25.75% من الأصوات المدلى بها (5.857.570 صوت)، وحلّ التحالف اليساري في المرتبة الثانية بعد تمكنه من إقناع 25.66% من الناخبين في جميع الدوائر (5.836.198 صوت).

هذه النتائج لا تعكس حجم الأحزاب، فصاحب المرتبة الأولى والثانية ائتلافات حزبية تضم أكثر من حزب، فالائتلاف الرئاسي "معًا" يضم حزب النهضة الحاكم وحليفيه موديم برئاسة الوزير السابق فرانسوا بايرو وأفق الذي أسسه إدوار فيليب رئيس الوزراء بين مايو/أيار 2017 ويوليو/تموز 2020.

أما الائتلاف الثاني الذي يحمل اسم "التحالف الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد"، فيضم العديد من الأحزاب اليسارية كفرنسا الأبية والحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي وحزب الخضر، فضلًا عن جمعيات وكيانات سياسية أخرى.

أثبتت الانتخابات التشريعية الأخيرة أن أفكار لوبان أخذت أبعادًا أخرى وأكدت تغلغلها في المجتمع الفرنسي

أما الحزب الأول في هذه الانتخابات فهو التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان، فرغم حلوله في المرتبة الثالثة وراء ائتلاف ماكرون وتحالف اليسار، وذلك بحصوله على 18.68% من أصوات الناخبين، فإنه يعتبر الحزب الأول، فوحده حصل على أصوات 4.248.626 ناخب فرنسي.

وبحسب تعداد لوكالة فرانس برس فقد احتل التجمع الوطني المرتبة الأولى في نحو 11300 مدينة وبلدة من أصل 35 ألفًا، متقدمًا على ائتلاف "معًا!" (أكثر من تسعة آلاف)، وتحالف اليسار (نحو 7500)، وحزب الجمهوريين اليميني (ما يقارب 4900)، وتأهل 12 مرشحًا للجبهة الوطنية للدورة الثانية في إقليم با دو كاليه (شمال)، 8 في إقليم فار و5 من أصل 6 في غار (جنوب) و8 من أصل 9 في إقليم موزيل (شرق).

بهذه النتيجة يكون الحزب الذي تقوده لوبان قد حقق نتائج تاريخية لم يسبق أن حصل عليها اليمين المتطرف من قبل، ففي انتخابات سنة 2017 حصل التجمع الوطني على 13.2% بعد إقناع 1.2 مليون ناخب بالتصويت إليه.

أول كتلة برلمانية منذ 1986

يبين هذا أن عدد المصوتين للتجمع الوطني قد تضاعف أكثر من 3 مرات خلال 5 سنوات فقط، ومن المتوقع أن يتراوح عدد نواب الحزب بعد الجولة الثانية المقررة الأحد المقبل بين 20 و45 مقابل 8 نواب فقط في سنة 2017.

نتيجة هذه الأرقام سيحظى اليمين المتطرف الذي تقوده لوبان بكتلة برلمانية لأول مرة منذ سنة 1986، عندما حصل التجمع الوطني الذي كان يومها الجبهة الوطنية على 35 مقعدًا بعد اعتماد نظام نسبي جزئيًا العام 1988، فشكل كتلة برلمانية.

يحتاج تشكيل كتلة في الجمعية الوطنية إلى 15 مقعدًا، عند تشكيلها سيتمتع التجمع الوطني بثقل أكبر في النقاشات، وسيكون للحزب دور أكبر في الحياة السياسية، إذ يمكن لرؤساء الكتل المطالبة بتشكيل لجنة خاصة أو معارضة تشكيل لجنة كهذه، وبتعليق جلسة أو التمتع بحيز كلام أطول عند مساءلة الحكومة.

الإضافة الأخرى التي سيحظى بها التجمع الوطني هو العائد المالي، فالحزب يعرف أزمة مالية كبيرة دفعته للاقتراض من بنك روسي سنة 2017، وهي النقطة التي أثارت جدلًا كبيرًا في فرنسا وكانت سببًا في مهاجمة لوبان.

يمكن أن تنقذ نتائج الانتخابات حزب لوبان ماديًا، فيمكن للتجمع الوطني أن يحصل على ما لا يقل عن 6.9 مليون يورو من المال العام سنويًا مع حصده أربعة ملايين و248 ألفًا و626 صوتًا، إذ يحصل الحزب على 1.64 يورو في السنة عن كل صوت يحصل عليه.

اليمين المتطرف يتغلغل في المجتمع الفرنسي

عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية في أبريل/نيسان الماضي، قالت لوبان أمام حشد من مناصريها: "الأفكار التي نمثّلها اتخذت أبعادًا جديدةً (...) هذه النتيجة في ذاتها تشكل انتصارًا مدويًا"، وتابعت "هذا المساء، نبدأ المعركة الكبيرة من أجل الانتخابات التشريعية"، مشيرة إلى أنها شعرت بالأمل.

وتقلدت مارين لوبان المسؤولية الحزبية في سنة 2011 حين كان حزبها الذي أسسه والدها جان ماري لوبان، يحمل اسم الجبهة الوطنية قبل أن تغيره إلى التجمع الوطني في سنة 2018، ومنذ تزعمها لهذا الحزب حاولت إضفاء صورة جديدة عليه خاصة على مستوى الخطاب في سياق ما يعرف بتبديد شيطنته، ومنذ ذلك الوقت عرف الحزب نجاحًا متواصلًا.

هذا الواقع الجديد، سيضع المهاجرين وخاصة المسلمين في تحدٍ جديد

أثبتت الانتخابات التشريعية الأخيرة أن أفكار لوبان أخذت أبعادًا أخرى وأكدت تغلغلها في المجتمع الفرنسي، في وقت عرف فيه اليمين المتطرف والشعبوية عمومًا تراجعًا نتيجة تأثيرات وباء كورونا وحالات الإغلاق العام، وأيضًا الحرب الروسية ضد أوكرانيا.

رغم كل ذلك، تمكن اليمين المتطرف في فرنسا من حصد نتائج مهمة في الانتخابات التشريعية، أي أنه في تمدد متواصل، خاصة أن الانتخابات أثبتت أن عددًا كبيرًا من الناخبين الفرنسيين يحملون أفكارًا يمينيةً متطرفةً ويميلون إلى الخطاب الشعبوي الذي يضع على رأس هرم أيديولوجيته مناهضة المهاجرين والمسلمين والأقليات عمومًا، بجانب تعزيز القوميات والضرب بشعارات الحضارات وقبول الآخر عرض الحائط.

في كل مرة تؤكد لوبان تمكنها من إقناع قسم كبير من الفرنسيين بصواب سياساتها المرتكزة على منع الهجرة إلى فرنسا وتصعيد المواجهة مع المسلمين ومحاصرتهم، في ظل فشل القوى السياسية الأخرى من اليمين واليسار في إقناع الفرنسيين ببرامجهم ورؤيتهم للحكم.

لم يحقق اليمين المتطرف هذه النتائج بمحض المصادفة، فقد فشلت مختلف التيارات السياسية في الحد من قوة التيارات المتطرفة، بل وساهمت عبر مجموعة من القوانين والتحرُّكات في انتشار هذه الأفكار، خاصة مع تطبيع الإعلام الفرنسي معها، تمكَّن اليمين المتطرف من دخول المؤسسات رغم أنه نظريًا ضد النظام السياسي.

النتائج التاريخية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية لمارين لوبان وحزبها، أثبتت أن أفكار وأطروحات اليمين المتطرف تسربت بقوة داخل المجتمع الفرنسي الذي أصبح يميل أكثر لليمين المتطرف في ظل تسابق العديد من السياسيين للترويج لهذه الأفكار.

هذا الواقع الجديد، سيضع المهاجرين وخاصة المسلمين في تحدٍ جديد، إذ يتوقع أن ترتفع موجة الإسلاموفوبيا واستهداف المهاجرين في هذا البلد الأوروبي الذي يدعي حماية حقوق الإنسان والسعي إلى نشرها في مختلف دول العالم.