يشمل الاضراب العام 159 مؤسسة عامة

يشمل الاضراب العام 159 مؤسسة عامة

توقفت الملاحة الجوية والبحرية في مختلف الموانئ والمطارات التونسية، اليوم الخميس، وألغيت كل الرحلات الجوية من وإلى تونس، كما توقفت شركات النقل العمومي الجهوية والوطنية عن استداء خدماتها للمواطنين تطبيقا للإضراب في القطاع العام الذي دعا له الاتحاد العام التونسي للشغل.

شلل شبه تام

رصد "نون بوست" أثناء جولة في تونس العاصمة جوانب من الإضراب، حيث أغلقت شركات الكهرباء والغاز وأيضا استغلال المياه أبوابها، كما أغلقت بعض المراكز البريدية ومكاتب الضمان الاجتماعي والتأمين على المرض أبوابها أيضا.

إلى جانب ذلك، رصدنا توقف حركة الحافلات والمترو الخفيف وقطارات الأحواز والخطوط البعيدة في المحطات المركزية بالعاصمة والمدن المجاورة لها، تنفيذا للإضراب، كما أعلنت المؤسسات الإعلامية العمومية المشاركة في الإضراب أيضا.

كما شمل الإضراب عديد المؤسسات والمنشآت التابعة لرئاستي الجمهورية والحكومة، ووزارات الصحة والتربية والداخلية والتجهيز والطاقة والتجارة والشؤون الاجتماعية والتشغيل والتخطيط والاقتصاد والثقافة.

تجمع عام للعمال أمام مقر اتحاد الشغل
 تجمع عام للعمال أمام مقر اتحاد الشغل

قدر الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي نجاح الإضراب بنسبة 96.22%، ويشمل إضراب الخميس 159 مؤسسة حكومية بينها عشرة مطارات وشركة الكهرباء والغاز، فضلا عن شركة الاتصالات الرئيسية، والصيدلية المركزية المملوكة للدولة.

ونهاية مايو/أيار الماضي، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، تنفيذ إضراب عام في القطاع العمومي، للمطالبة بسحب منشور حكومي متعلق بالتفاوض مع النقابات، و"تعمد الحكومة ضرب مبدأ التفاوض والتنصل من تطبيق الاتفاقيات المبرمة وعدم استعدادها لإصلاح المؤسسات العمومية".

ولم تنجح المفاوضات في ثني الاتحاد في المضي قدما في إضرابه، في ظل تشبث السلطات بمواقفهم ورفض الحكومة التونسية الاستجابة لمطالب الاتحاد الاجتماعية، وفق قيادات الاتحاد، وأكد الطبوبي في كلمته أمام أما مئات النقابيين في العاصمة تونس أن قرار الإضراب جاء ردا على التدهور غير المسبوق للأوضاع الاجتماعية في تونس.

 

مسّ الإضراب عديد المؤسسات الخاصة نتيجة عدم قدرة الموظفين على الوصول إلى مقرات العمل وتعطّل حركة النقل في مختلف مناطق تونس، وهو ما حالة شلل في المدن.

بالتزامن مع ذلك، نظم الاتحاد تجمعا عماليا أمام مقره الوقتي بالعاصمة تونس، شارك فيه مئات العمال، ورفع الحضور شعارات تنادي بالزيادة في الأجور وتحسين وضعياتهم الاجتماعية، فضلا عن سنّ قوانين أساسية لبعض القطاعات.

إضراب سياسي أم اجتماعي؟

يصر أنصار الرئيس قيس سعيد على توصيف إضراب اليوم بأنه إضراب سياسي من أجل التضييق على الرئيس وعرقلة عمله، الأمر الذي ينفيه قيادات الاتحاد على رأسهم الأمين العام نور الدين الطبوبي مؤكدين أن إضرابهم اجتماعي.

ويقول اتحاد الشغل إن حكومة نجلاء بودن الحالية تصر على نفس نهج الحكومات السابقة في التنكر لحقوق العمال وتحميلهم تبعات خياراتها المؤدية لنسف المكتسبات والتراجع عن الاتفاقيات، وفق بيان صادر عنه مساء أمس الأربعاء.

شل الاضراب عديد المؤسسات في تونس
 شل الاضراب عديد المؤسسات في تونس

يُقدّم الاتحاد العام التونسي للشغل 6 مطالب، منها سحب المنشور 20 الصادر عن رئاسة الحكومة يوم 09 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، والقاضي بعدم التفاوض مع النقابات في أي مؤسسة إلا بالحصول على ترخيص من رئاسة الحكومة، وتطبيق جميع الاتفاقيات الموقعة بين الاتحاد ومؤسسات الدولة.

كما يطالب الاتحاد، الحكومة التونسية بعدم رفع الدعم وإصلاح المؤسسات العمومية بعيدا عن شروط صندوق النقد الدولي، الذي يضغط من أجل بيع الحكومة لعدد من المؤسسات العمومية ورفع الدعم وتقليص الأجور للموافقة على القرض المطلوب.

 

تؤكد المركزية النقابية أنها لن تقبل الاتفاق الذي تسعى الحكومة للتوصل إليه مع صندوق النقد الدولي لاقتراض نحو 4 مليارات دولارات مقابل تنفيذ جملة من الإصلاحات التي توصف بالمؤلمة، وتشمل خفض كتلة أجور موظفي القطاع العام وتقليص الدعم الحكومي

في الأثناء يشتكي الموظف التونسي من تراجع مقدرته الشرائية في ظل عدم الزيادة في الأجور منذ 3 سنوات وبدء الدولة في رفع الدعم تدريجيا عن عديد المواد الأساسية والوقود، وتبرر الحكومة هذه الإجراءات بالصعوبات الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

صراع قوة

صحيح أن الاتحاد العام التونسي للشغل دخل إلى هذا الإضراب حاملا معه مطالب اجتماعية اقتصادية، لكنه يعلم يقينا أن حكومة بودن لن تستجيب لأي مطلب فالحلّ والربط عند الرئيس قيس سعيد الذي يرى أن الاتحاد اصطف إلى جانب من يصفهم بالفاسدين والخائنين وغير الوطنيين.

يسعى الاتحاد من وراء هذا الإضراب إثبات قوته وقدرته على تحريك الشارع في ظل احتكار الرئيس سعيد الحديث باسم الشعب، وعدم إصغاء سعيد لكل الأصوات الداعية إلى ضرورة الحوار وعودة البلاد إلى مسارها الدستوري الذي توقف عقب انقلاب ليلة 25 يوليو/تموز الماضي.

يعتبر اتحاد الشغل من أكبر المنظمات في تونس
 يعتبر اتحاد الشغل من أكبر المنظمات في تونس

نجح الاتحاد في شل الموانئ والمطارات وحركة النقل داخل مدن تونس وفيما بينها، كما نجح في توقيف العمل في المؤسسات العام للبلاد، ونجح أيضا في حشد عدد مهم من العمال في وقفة مساندة لمطالب المركزية النقابية.

هذا النجاح الذي عمل الاتحاد كثيرا لتحقيقه الهدف منه تنبيه قيس سعيد لما هو قادم، إذ اقتصر إضراب الاتحاد على المؤسسات العامة فقط ولم يمس القطاع العام ولا المؤسسات الصحية، يعني أن الاتحاد ترك الباب مفتوحا أمام إمكانية التصعيد إن لم يتم الاستجابة لمطالبه.

صحيح أن الاتحاد له مطالب اقتصادية واجتماعية لكن ما يدافع عنه الآن هو حضوره السياسي بعد أن همشه قيس سعيد، ويرفض الاتحاد الذي يعتبر من أكبر وأقوى المنظمات في تونس أن يتم اقصاؤه وتهميشه بسهولة ومساواته ببعض الأحزاب الهامشية التي دعمت الرئيس في مساره.

 

أعلن الاتحاد في بداية انقلاب سعيد مساندته لكل إجراءات الرئيس ووصف بعض قياداته العشرية الماضية بالعشية السوداء وحمل الأحزاب الحاكمة مسؤولية كل ما عرفته البلاد في تلك الفترة والأزمات الحالية متناسيا دوره، فقد شارك في وضع أغلب الحكومة وكان له وزراء فيها.

بعد هذه المساندة غير المشروطة وجد الاتحاد نفسه عجلة خامسة في برنامج قيس سعيد، يتم الالتجاء إليها في أوقات محدودة، الأمر الذي رفضه وها هو الآن يسعى لتعديل الكفة حتى يعود لمكانته السابقة مساهما في الحكم ورسم مستقبل تونس.

السؤال المطروح الآن، كيف سيتعامل قيس سعيد مع تطور الأحداث في تونس، المتأمل لعمل الرئيس يرى أنه لا يعير اهتماما لإضراب الاتحاد أو أي تحرك يستهدفه، فكل تركيزه الآن متجه نحو إرساء دعائم حكم الفرد الاستبدادي، بعد أن نجح في اقناع فئات كثيرة من التونسيين بفساد المنظومة الحزبية وكل الأجسام الوسيطة من منظمات وجمعيات وغيرها.