ترجمة وتحرير: نون بوست

فرضت أوروبا حزمة غير مسبوقة من العقوبات الاقتصادية ضد موسكو في محاولة لإضعاف الاقتصاد الروسي وثني بوتين عن مواصلة حربه في أوكرانيا. ومع بدء تأثير حظر التصدير خلال الأشهر المقبلة، ستسعى روسيا إلى استيراد السلع المحظورة الضرورية لاقتصادها العسكري والمحلي. ومن جهته، سيرغب الكرملين أيضًا في ملء صندوق التمويل الحربي بإيرادات مبيعات المنتجات الخاضعة للعقوبات - من الفحم والنفط وصولا إلى الكافيار - من خلال المشترين الراغبين فيها خارج البلاد. وهذا يعني أن موسكو ستخرق العقوبات عاجلاً أم آجلاً.

قال دبلوماسي رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي: "نعتقد أن جميع العقوبات يجب أن تكون صارمة لمنع احتمال تهريب البضائع. لكننا عمليون ونعلم أنه إذا كانت هناك عقوبات، فيوجد دائمًا أشخاص يريدون الالتفاف عليها ... من غير الممكن وضع ترتيبات لكل شيء".

ماذا تريد روسيا؟

منذ ضم شبه جزيرة القرم سنة 2014 ومواجهة موجة أولى من العقوبات، عملت موسكو على تعزيز اكتفائها الذاتي لكن ذلك لم يكن ممكنًا في جميع المجالات: فمثلا من الأسهل صنع الجبن بدلاً من توريده لكن ذلك لا ينطبق على إنتاج الرقائق الدقيقة. وهذا يعني أن روسيا سوف تحتاج إلى تقنيات وآلات مصنوعة في الغرب مع تضرر إمداداتها في ظل العقوبات. وتعتبر هذه السلع حيوية للاستخدام العسكري والمدني على حد سواء ومهمةً للحفاظ على صادراتها من النفط والغاز إلى دول مثل الهند - حيث لا تخضع للحظر.

حسب ما أفاد به مسؤول تجاري أوكراني سابق فإن "روسيا بحاجة ماسة إلى الرقائق ومكونات أشباه الموصلات والعديد من المواد الخام الأساسية مثل الليثيوم لمواصلة تصنيع أنظمة الأسلحة والمراكم الكهربائية اللازمة للاستخدام العسكري. ومن دون هذه الإمدادات المتطورة، ستصاب الصناعة العسكرية الروسية عمليًا بالشلل".

تعتمد روسيا على المواد الغربية في البنية التحتية للنفط والغاز مما يجعل الحظر الأخير على تصدير معدات الغاز الطبيعي المسال مشكلة في حد ذاتها بالنسبة لموسكو. وأكدت ماريا شاجينا، وهي زميلة باحثة في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن "الاعتماد على المواد القادمة من الغرب كبير جدًا".

من أين ستحصل روسيا عليها؟

من المرجح أن تحاول موسكو استيراد البضائع الخاضعة للحظر عبر طرق تجارية جديدة باستخدام أساليب ملتوية لتجنب التدقيق الغربي أو التهرب منه. وفي الواقع، تتعدد قائمة البلدان التي يُنظر إليها على أنها من غير المحتمل أن تطبق العقوبات أو تمتثل لها ولا شك أن بوتين سيجد شركاء في قلب أوروبا وخارجها مستعدين للتعاون معه.

ذكر مسؤول عقوبات سابق بوزارة الخزانة الأمريكية أن "سلطتين قضائيتين أثبتتا تاريخيًا أنهما في الخطوط الأمامية للتهرب من العقوبات وهما تركيا والإمارات". فتركيا، التي تتمتع بوصول خاص إلى سوق الاتحاد الأوروبي عبر الاتحاد الجمركي، غير ملزمة بعقوبات الاتحاد الأوروبي كما هو حال سويسرا والنرويج. ويوجد في القائمة أيضا جيران روسيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي يضم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقيرغيزستان.

ووفقًا لما صرح به مسؤولون استخباراتيون غربيون سابقون لمجلة "بوليتيكو" قد تشهد المنطقة زيادة منتظمة في التجارة وهو ما تشجعه كازاخستان علنًا. لكن ازدهار التجارة يمكن أن يأتي أيضًا مع تدفقات السلع غير المشروعة الخاضعة للعقوبات.

صورة
من اليسار إلى اليمين: رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، والرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف، والرئيس القرغيزي سورونباي جينبيكوف في صورة خلال اجتماعهم الثنائي قبل قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي  في 14 أيار/مايو 2018 في سوتشي، روسيا.

قال البروفيسور كيفين ليمونير من المعهد الفرنسي للجغرافيا السياسية في تغريدة له على تويتر: "وصل الروس العاملون في قطاع تكنولوجيا المعلومات بأعداد كبيرة إلى قيرغيزستان، لكني علمت بعد التسكع في حانات بيشكيك أنهم ليس هنا جميعهم لأسباب سياسية".

تعتقد شاجينا أن "كازاخستان تهتم بسمعتها الدولية" لأنها لا تزال ترغب في جذب الأعمال التجارية من الصين والغرب، ولكن "إذا كانت بعض الشركات في قيرغيزستان لا تهتم" بالانقطاع عن السوق الأمريكية بسبب العقوبات الثانوية، يمكن أن تدخل في تجارة مربحة قائمة على تجنب العقوبات.

العلاقات الأوروبية الهشة

يمكن لروسيا أن تبحث في الاتحاد الأوروبي عن أسهل خيار بالنسبة لضوابط التصدير. ويرجع هذا لحقيقة أن كل دولة في الكتلة لديها جماركها الوطنية وسبلها في تطبيق العقوبات، لذلك تكون بعض السلطات القضائية ألين من غيرها. وقد استشهدت شاجينا بمثال إيطاليا نظرًا لوجود "حالات كثيرة" لبضائع محظورة كانت على وشك أن يتم شحنها إلى روسيا بعد عقوبات 2014. وأضافت أن السفن "المرتبطة بألمانيا وإيطاليا واليونان وبلغاريا" رست كذلك في موانئ القرم الخاضعة للعقوبات.

لم تكن دول الاتحاد الأوروبي في تاريخها بهذه القسوة تجاه التهرّب من العقوبات. فعلى سبيل المثال، بعد أن شحنت شركة "سيمنز توربينات" الغاز إلى روسيا في سنة 2015 و2016 لينتهي به الأمر في جزيرة القرم، ورد أن المدعين حققوا مع بعض موظفي الشركة ولكن لم ترِد تقارير علنية حول نتائج التحقيق.

قالت المشرعة الأوروبية آنا فوتيغا، وزيرة خارجية بولندا السابقة: "لم نسمع حتى الآن بأنه تم اتخاذ أي إجراءات حول خرق "سيمنز" للحظر. بل على النقيض، احتفظت سيمنز بأسهم الشركة المسؤولة عن التثبيت دون تغيير… وكانت هذه السلوكيات ممكنة لأنها توافقت "مع" سياسة برلين تجاه روسيا". كما شددت على أن اللجنة كانت "كريمة للغاية في تقييم هذه القضية".

المهرّبون في البحار

بالإضافة إلى قطع الإمدادات التي تشتد الحاجة إليها، تهدف العقوبات إلى تضييق السوق الأوروبية أمام الصادرات الروسية. ستحتاج روسيا إلى مواصلة تصدير سلع مثل النفط والفحم والمعادن والحبوب لتغذية اقتصادها الحربي وتمويل غزوها لأوكرانيا. ويحذر الخبراء من أن بوتين قد يجد طرقًا ملتوية لمواصلة بيع النفط أو السلع الأخرى الخاضعة للعقوبات مثل الفحم للكتلة.

اتفقت دول الاتحاد الأوروبي في 3 حزيران/ يونيو على وقف شحنات النفط الروسية إلى الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية هذه السنة، مما يعني أن الوقت ينفد من روسيا لإعادة توزيع صادراتها النفطية.

من بين الحيل الشائعة في هذا الصدد استخدام عمليات النقل من سفينة لأخرى، ويكون ذلك من خلال قيم باخرة روسية في المياه الدولية بتفريغ حمولتها من النفط في ناقلة أخرى ترسو في ميناء إحدى دول الاتحاد الأوروبي وتصف النفط بأنه قادم من دولة لا تخضع للعقوبات. وتتمثل حيلة أخرى في إطفاء الباخرات لأجهزة تعقب المواقع لإخفاء أنشطتها. وقد لوحظت زيادة حادة في هذه الممارسات القانونية من قبل الناقلات الروسية منذ غزو أوكرانيا.

مع أن العلماء يمكنهم، من حيث المبدأ، تحديد مصدر النفط بناءً على التحليل الجيوكيميائي، يوضح مسؤول عقوبات مخضرم سابق أنه "إذا كنت تخلط الأنواع وتخفي مصدرها، فهناك بالتأكيد مشكلة إنكار معقولة"، وأضاف أن "النفط الكازاخستاني والروسي متماثلان تقريبًا، وهو أمر غير مستغرب".

صورة
(على اليسار) ناقلة النفط آيس إنرجي ترفع العلم الليبيري تنقل النفط الخام من ناقلة النفط التي ترفع العلم الروسي لانا (يمين) "بيغاس سابقًا"، قبالة شاطئ كاريستوس في جزيرة إيفيا، في 29 أيار/ مايو 2022. 

تاريخيًا، كان تطبيق الاتحاد الأوروبي للعقوبات أضعف بكثير مما هو عليه في الولايات المتحدة، لكن في آذار/ مارس، أطلقت المفوضية الأوروبية بوابة للإبلاغ عن الانتهاكات لتشجيع الناس على الإبلاغ عن الانتهاكات المشتبه بها

الجريمة والعقاب

وضعت الكتلة كذلك خططًا لجعل خرق العقوبات الموجهة لروسيا جريمة مما يسهل على حكومة الكتلة الاستحواذ على ممتلكات الشركات والأفراد المتهربين من القوانين. كما يجرى تنفيذ مبادرة جديدة لتنسيق النظم الجمركية عبر الكتلة أطلق عليها "عملية أوسكار". والهدف من ذلك تضافر جهود العمل لكل من اليوروبول وفرونتكس ويوروجست. لكن في النهاية، سيعتمد نجاحها على جهود سلطات إنفاذ القانون الفردية للدول.

يشير الخبراء إلى كل من المجر وبلغاريا ودول البلقان غير التابعة للاتحاد الأوروبي - بما في ذلك صربيا الصديقة لروسيا - باعتبارها حلقات ضعف محتملة فيما يتعلق بتنفيذ العقوبات. وقد تواصلت بوليتيكو مع السلطات الجمركية في فرنسا وبولندا والنمسا وبلجيكا ومالطة وبلغاريا. لم يرد أي منها على أسئلتنا، باستثناء الجمارك البلغارية، التي قالت إنه "لا توجد حاليًا محاولات متكررة لتجنب العقوبات"، وأضافت أن "إدارة الجمارك البلغارية تطبق العقوبات بحزم كما هي مفروضة حاليًا".

رغم الجهود المتجددة لتكبيل أي محاولة للتملص من العقوبات، من المحتمل أن تستمر الحكومات والشركات المتواطئة أو المتساهلة في تزويد بوتين بما يريده. ولكن حتى لو استمرت روسيا في استيراد السلع المحظورة، سيتعين على موسكو الاستمرار في تحمل العواقب إلى أن تجد حلولًا مناسبة. وقال فرانشيسكو جيوميلي، خبير العقوبات في جامعة جرونينجن في هولندا، إن الدول التي تمهد التدفقات التجارية لروسيا "تعرف كيف تدير الأعمال، وسوف تطالب بمقابل".

المصدر: بوليتكو