كما كان متوقّعًا، نشرت تونس مساء أمس مشروع الدستور الجديد الذي يحمل بصمات واضحة للرئيس قيس سعيّد رغم تلك اللجان التي تمَّ تشكيلها بغرض صياغته تشاوريًّا، حيث حمل الدستور تغيُّرات كثيرة مقارنة بالذي تمَّ تجميد العمل به، أهمها تغيُّر النظام السياسي للبلاد وإحداث مجلس للأقاليم والجهات وانتهاء عهد السُّلَط والتحول إلى الوظائف.

بصمة سعيّد

جاء مشروع الدستور الجديد في 142 مادة، تتضمّن توطئة و10 أبواب منها الباب الأول الذي يتعلق بالأحكام العامة، والباب الثاني الذي يتعلق بالحقوق والحريات، والباب الثالث الذي يتعلق بالوظيفة التشريعية وبعدها باب آخر يتعلق بالوظيفة التنفيذية.

تحملنا قراءة أولية لمسودة الدستور، الذي نُشر في الجريدة الرسمية في وقت متأخّر مساء أمس، إلى أن هذه المسودة كانت جاهزة من البداية، إذ تضمّنت النقاط نفسها التي طرحها قيس سعيّد سنة 2012 والسنوات التي تلتها.

وكان سعيّد قد أصدر مرسومًا رئاسيًّا يتعلّق باستحداث الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل "جمهورية جديدة"، لصياغة مشروع دستور جديد يُعرَض للاستفتاء يوم 25 يوليو/ تموز المقبل، إلا أن الظاهر أن هذه اللجنة قد اجتمعت لمجرد الاجتماع فقط وتأثيث "المسرحية".

كان سعيّد ينظر إلى ضرورة العودة إلى النظام الرئاسي كما هو الحال في دستور سنة 1959، وهو ما تجسّد في الدستور الجديد، أيضًا كان سعيّد يسوِّق للنظام القاعدي، ورأينا هذا في مسودة الدستور الجديد من خلال إحداث مجلس للجهات والأقاليم.

يُكرّس هذا المشروع نظام حكم الفرد، وهو ما يتعارض مع مبادئ الديمقراطية التي تفرض الفصل بين السُّلَط

فضلًا عن نظرية سحب الوكالة من النواب التي دافع عنها سعيّد كثيرًا قبل توليه الرئاسة، تمَّ تضمينها في مشروع الدستور الجديد، والتي تحيلنا مباشرة إلى التنظير للنظام المجالسي التصاعدي والأفقي الذي يسعى سعيّد إلى تكريسه في تونس، ويهدد استقرار مجلس النواب.

حتى نظرة الرئيس لدين الدولة وجدناها في المسودة التي ستُعرض على الاستفتاء يوم 25 يوليو/ تموز المقبل، إذ تمَّ الاستغناء عن الفصل الأول لدستورَي 2014 و1959 اللذين ينصّان على أن تونس دولة دينها الإسلام.

 

بصمة الرئيس وجدناها أيضًا في الكلمات المعتمدة في صياغة مشروع الدستور، فقد جاء في الفصل العاشر مثلًا كلمة "طغراء" التي لم يسمع بها غالبية التونسيين من قبل، ما جعلهم يبحثون عن معناها ليتبيّن أنها تعني "الشعار".

ودائمًا ما يتحدث الرئيس سعيّد باللغة العربية الفصحى ويستدعي عبارات وكلمات قديمة جدًّا لم يعد لها استعمال في وقتنا الحاضر، حتى يظهر بمظهر المتشبّث بانتمائه العربي والمتمكّن من لغته الأصلية، لكن في الكثير من الأحيان يتبيّن عدم إلمامه بقواعد العربية.

تكريس حكم الفرد

تتحدث أغلب فصول الدستور الجديد عن وظائف رئيس الجمهورية، فعلى عكس دستور 2014 فإن الرئيس هو محور الحكم وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تونس، يتحكّم في كل مفاصل الدولة ولا يُسائله أحد والجميع مسؤول أمامه.

ويمنح مشروع الدستور رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة في عدة ميادين، إذ إنه "القائد الأعلى للقوات المسلحة"، و"يضبط السياسة العامة للدولة ويحدد اختياراتها الأساسية"، و"يسهر على تنفيذ القوانين ويمارس السلطة الترتيبية العامة"، و"يسند، باقتراح من رئيس الحكومة، الوظائف العليا المدنية والعسكرية"، ويتمتّع بحقّ "عرض مشاريع القوانين" على البرلمان الذي يتعيّن عليه أن يوليها "أولوية النظر" فيها على سائر مشاريع القوانين.

وينصّ مشروع الدستور على أن رئيس الجمهورية يعيّن الحكومة بعيدًا عن نتائج الانتخابات التشريعية، وله أن ينهي أعمالها أو يُقيل أحد أعضائها، وهذه الحكومة "مسؤولة عن تصرّفاتها أمام رئيس الجمهورية" وليست بحاجة إلى أن تحصل على ثقة البرلمان لتزاول مهامها.

 

ينصّ الدستور المقترح على أنه "لا يُسأل رئيس الجمهورية التونسية عن الأعمال التي قام بها في إطار أدائه لمهامه"، كما يمنح مشروع الدستور الجديد الرئيس صلاحية تسمية القضاة بمقتضى ترشيح من مجلس القضاء الأعلى.

نفهم من هنا أن هذا المشروع يكرّس نظام حكم الفرد، وهو ما يتعارض مع مبادئ الديمقراطية التي تفرض الفصل بين السُّلَط وعدم تركيزها عند فرد واحد، ويتعارض مع مطالب الشعب التونسي التي نادى بها في ثورة يناير/ كانون الثاني 2011.

بالنظر إلى خطابات سعيّد وتحركاته وطبيعة الدستور الذي طُرح للاستفتاء، نرى أنه يعتقد ضرورة مسك الرئيس لكل السلطات في البلاد والتحكم في المؤسسات دون أن يشاركه أحد في الحكم، فهو المؤتمَن على مصير "الأمة" وفق رؤيته، ويرى في ذلك أمرًا بديهيًّا ما دام الرئيس منتخَبًا مباشرة من الشعب وله الشرعية الشعبية والانتخابية.

البناء القاعدي

يكرّس مشروع الدستور الجديد البناء القاعدي بعيدًا عن الديمقراطية التمثيلية، إذ نصَّ المشروع على إحداث مجلس موازٍ لمجلس نواب الشعب أُطلق عليه المجلس الوطني للجهات والأقاليم، ويتكوّن هذا المجلس الوطني، وفق ما جاء في الفصل 82، من نواب منتخَبين عن الجهات والأقاليم.

 

ينتخب أعضاء كل مجلس جهوي 3 أعضاء من بينهم لتمثيل جهتم بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، وينتخب الأعضاء المنتخبون في المجالس الجهوية في كل إقليم نائبًا واحدًا من بينهم يمثّل هذا الإقليم في المجلس الوطني للجهات.

ولا يُعرف إلى الآن كيفية انتخاب أعضاء مجلس النواب، ويوجد إمكانية كبيرة أن يتمَّ انتخابهم عن طريق أعضاء مجلس الجهات والأقاليم، وفق التصور الذي يحمله قيس سعيّد للبناء القاعدي، فهو يرى ضرورة تطبيق الديمقراطية المباشرة، انطلاقًا من المحلّي إلى الوطني المركزي.

يمضي سعيّد في خططه وتكريس نظرته للحكم دون أن يُعير أي اهتمام للضغط المسلَّط عليه من الداخل والخارج

هذا الأمر يُحيلنا مباشرة إلى انتهاء عهد الأحزاب، وهو ما أعلن عنه قيس سعيّد خلال حملته الانتخابية، إذ صارت الشعوب تنتظم بطريقة جديدة، ويستدل بما حدث من تحرّكات في فرنسا والجزائر والسودان، واعتبر أن الأحزاب مآلها الاندثار باعتبارها مرحلة وانتهت في التاريخ، فقد برزت في وقت معيّن من تاريخ البشرية.

ويعتبر سعيّد أنه لو كان للأحزاب وجود فعليّ لقادت "الانفجار الثوري" الذي عاشته تونس إبّان ثورة سنة 2011، واعتبر أن مآل هذه الأحزاب هو الاندثار بشكل تلقائي دون حاجة إلى إلغائها، بل ستظهر بديلًا منها أشكال أخرى من الانتظام مختلفة عنها تنسجم مع دخول الإنسانية مرحلة جديدة من التاريخ عنوانها الانتقال الثوري تقودها الشعوب لا الأحزاب التي انتهى دورها.

القضاء والأمن محرومان من الإضراب

نصَّ مشروع الدستور الجديد على حقّ تشكيل النقابات، باستثناء الجيش الوطني، وعلى حقّ الإضراب، إلا أنه على عكس دستور 2014، منعت مسودة الدستور الجديد حقّ الإضراب للقضاة وقوات الأمن الداخلي والديوانة وفق الفصل 41 المقترح.

 

تشهد تونس منذ 4 أسابيع إضرابًا عامًّا للقضاة، احتجاجًا على قرار الرئيس قيس سعيّد عزل 57 قاضيًا، وهو ما اعتبرته جمعية القضاة التونسيين ضربًا لاستقلالية القضاء وانتهاكًا لحقوق القضاة، فالقضاة الذين شملهم الإعفاء تصدّوا للفساد ورفضوا لعب دور في تصفية خصوم الرئيس وفق قولهم.

وشهدت تونس في السنوات الأخيرة تتالي الإضرابات في سلك الأمن الداخلي والجمارك للمطالبة بحقوقهم المادية والاجتماعية، الأمر الذي يرفضه قيس سعيّد ويرى فيه مسًّا لهيبة الدولة، لذلك كان على الدستور الذي صاغه أن ينهي هذه الإضرابات.

هذا أبرز ما جاء في دستور قيس سعيّد الذي يُنتظر أن تتمَّ المصادقة عليه في الاستفتاء المرتقب نهاية يوليو/ تموز المقبل، ذلك أنه لا خيار آخر موجود، فسعيّد ماضٍ في خططه وتكريس نظرته للحكم، دون أن يُعير أي اهتمام للضغط المسلَّط عليه من الداخل والخارج.