على منصة تكريم الخريجين في جامعة غازي عنتاب التركية، ينادي عريف الحفل على الطالب ملهم الصافي لتكريمه على نيله المرتبة الأولى في كلية الإلهيات "الشريعة" متفوقًا على العشرات من أقرانه، يتقدم الطالب السوري المتفوق مستندًا إلى عصاه لتدله إلى المنصة، وسط ذهول مئات الحاضرين، أن الطالب السوري الكفيف حاز هذه الدرجة متقدمًا على 300 من زملائه في هذه الكلية. طبعًا لم يكتف الشاب صافي بهذه الكلية، فقد تخرج في ذات الوقت من كلية إدارة الأعمال في جامعة الأناضول التي تعمل بنظام التعليم المفتوح.

لم يُهزم الشباب السوريون حينما قرروا مواجهة معركة الحياة خارج وطنهم، فقد كان اللجوء إلى دول متعددة دافعًا لهم لإكمال المسيرة التعليمية والتفوق مهما بلغ بهم العمر ومهما كانت المهمات الملقاة على عاتقهم شاقة، وفي تركيا التي تضم ملايين السوريين أثبت الجامعيون السوريون في الجامعات التركية تفوقهم لهذه السنة بحصول الكثير منهم على المراكز الأولى سواء على فرع اختصاصهم أم على الجامعة ككل.

f

ينخرط في الجامعات التركية أكثر من 38 ألف طالب سوري، يتوزعون على جميع التخصصات في أكثر من 136 جامعة تركية، يذكر أن الطلاب الأجانب في تركيا باتت أعدادهم تتخطى 200 ألف طالب، وغالب هؤلاء الطلاب يدرسون إلى جانب أعباء الحياة والعمل من أجل تحصيل لقمة العيش، وكانت وزارة التعليم العالي التركية قد أعلنت أن عدد الطلاب الجامعيين السوريين الحاصلين على منحة هو 1611 فقط.

تفوق مستحق

وعلى الرغم من فرض الجامعات التركية عدة قوانين في السنوات الأخيرة تتعلق بقبول السوريين والتعامل معهم كطلاب أجانب وليس كلاجئين، فإن هؤلاء الشباب ما زالوا قادرين على الانخراط في الجامعات والتفوق فيها، دون النظر إلى المعوقات التي تعترض طريقهم، ويبدو أن الإصرار على إكمال التعليم أحد أهم أسباب التفوق الذي شهدناه هذا العام بينهم، وفي إطلالة على مواقع التواصل الاجتماعي نجد أن الجامعات التركية التي لم يتفوق فيها السوريون تكاد لا تُذكر. 

ومن أهم أسباب تفوق الجامعيين السوريين في تركيا أيضًا، هو اليقين بأن لا طريق الآن إلا العلم من أجل مواجهة الظروف الحياتية المعقدة التي تواجه اللاجئين السوريين بشكل عام، وكذا فإن الحصول على شهادة جامعية يفتح الطريق أمام الشاب للانخراط في سوق العمل في تركيا أو غيرها من الدول، وفي هذا الإطار يذكر أحمد العمر عضو مجلس إدارة اتحاد طلبة سوريا ومقره مدينة إسطنبول، أن الأمور التي أدت إلى تفوق الطلاب السوريين على الرغم من الظروف المحيطة تتمثل بأسباب متعددة أهمها ما هو مرتبط بحالة اللجوء.

يقول العمر خلال حديثه لـ"نون بوست": "بسبب حالة الهجرة واللجوء وجد الطلاب السوريون في التعليم أملًا في خروجهم من جو اليأس والكآبة الذي يمرون به، وملاذًا لإنقاذ مستقبلهم من الضياع والانهيار"، ويشير العمر إلى أن "أغلب الطلبة كانوا قد قطعوا الأمل من إكمال مسيرتهم الدراسية، فعندما جاءت إليهم الفرصة عملوا بكل جهدهم لاستغلالها بأكثر ما يمكن ومنهم من وجد أن في التفوق والامتياز طريقًا لإثبات وجودهم كشعب مثقف محب للعلم، ما يحسن من صورتهم أمام المجتمع الدولي والتركي".

إضافة لما سبق، فإن حملة شعواء انطلقت على السوريين من بعض العنصريين الأتراك وخاصة السياسيين منهم، وهو ما دفع هؤلاء الطلاب لإثبات أنفسهم وتصدير صورة عن أن المجتمع السوري في تركيا قادر على تحقيق النجاح في شتى المجالات وهذا التفوق يكون أبلغ رد على الإشاعات والأكاذيب التي تطلقها المعارضة والعنصريين تجاه السوريين بشكل عام والطلاب بشكل خاص.

وقد رصد موقع "نون بوست" عبر الاطلاع على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من 40 طالبًا سوريًا حازوا المركز الأول في مختلف الجامعات التركية، لكن إحصائية رسمية لم تصدر بعد، حيث يعمل اتحاد طلبة سوريا على إصدار قائمة وفقًا لتصريحاته لـ"نون بوست".

عوائق

طبعًا هذا التفوق أتى بعد كثير من العناء والجهد، فالطلاب السوريون يعانون من مشاكل عدّة في الجامعات التركية يعددها لنا أحمد العمر بقوله: "يعاني الطلاب السوريون من مشاكل عديدة أهمها العائق المادي، فكثير منهم لا يستطيعون إتمام مسيرتهم التعليمية دون مردود مادي، وكثير من الطلاب يدرس ويعمل في نفس الوقت، ما يضطره أحيانًا للتأخر في دراسته ونحن نتكلم هنا فقط عن المصاريف الشخصية".

ويشير العمر إلى أن العوائق الأخرى تتعلق بالمصاريف والأقساط التي فرضتها الجامعات التركية على الطلاب السوريين باعتبارهم طلابًا أجانب، ويقول: "بعد أن بدأت الجامعات التركية في فرض الأقساط على السورييين، فإن الكثير من الطلاب لم يستطيعوا الالتحاق بالجامعة بسبب عدم قدرتهم على دفع التكاليف الجامعية"، فحتى قبل سنتين كانت الجامعات التركية الحكومية تتيح الالتحاق بها مقابل مبالغ بسيطة للسوريين.

يذكر أن الرئاسة التركية أصدرت قرارًا تُرفع بموجبه رسوم أقساط الجامعات الحكومية للعام الدراسي 2020- 2021، كما تركت رئاسة الجمهورية خيار تحديد القسط للجامعات الحكومية دون أن تضع سقفًا ثابتًا، وهذا القرار أتى بعد سنة من إنهاء العمل بقرار إعفاء الطلاب السوريين من الأقساط، يذكر أن أقساط الجامعات الحكومية التركية الرمزية منذ عام 2014، كانت تشجع السوريين على الدراسة، فقد كانت تتراوح بين 300 و800 ليرة تركية، أما الآن فقد باتت الأقساط تصل حتى 60 ألف ليرة في كليات الطب و8000 في كليات الهندسة.

إضافة للمشاكل السابقة يشير العمر إلى أن اكتساب اللغة التركية يشكل عائقًا أمام الطالب الجامعي بالأخص في السنوات الدراسية الأولى ريثما يستطيع إتقان اللغة بحيث يفهم مواد فرعه ولولا هذه العوائق لكنا نشهد أعدادًا أكبر من المتفوقين السوريين في تركيا.

الاندماج ومواجهة العنصرية

كما ذكرنا فإن بعض أطياف المعارضة التركية تستند بخطابها العنصري التحريضي على أن الطلاب السوريين الجامعيين يدخلون إلى الجامعات التركية دون امتحانات قبول أو نتائج تؤهلهم لذلك، وهذا الخطاب العنصري الكاذب يؤجج الشارع التركي ضد هؤلاء الشبان، ما يسبب لهم الكثير من المتاعب في طريقهم التعليمي، وكان السياسي التركي الكاره للسوريين أوميت أوزداغ قد حرض على الطلاب في أكثر من مناسبة. 

في هذا السياق سألنا أحمد العمر عن إمكانية أن يحقق تفوق الطلاب السوريين اندماجًا أكثر في المجتمع التركي ومواجهة هذه العنصرية وخطاب الكراهية الذي يتسع يومًا بعد يوم، ليقول: "من الممكن أن يخفف تفوق السوريين حدة العنصرية عند الفئة التي يكون سبب كرهها للسوريين النظرة التي تفيد بأنهم شعب غير متعلم ومتحضر أو الفئة التي تدعي أن السوريين يدخلون إلى الجامعات التركية دون شهادات ثانوية أو مؤهلات".

ويوضح العمر أن "تفوق السوريين أكبر دليل لإلغاء هذه الادعاءات، في المقابل سوف تزيد حالة الاندماج مع الفئة التي تحب السوريين وتدافع عنهم، فتفوق الطلبة السوريين وتحقيقهم درجات عليا تقوي موقفهم المؤيد لوجود السوريين".

أما عن الاندماج في المجتمع التركي، فمن المؤكد أن هؤلاء المتفوقين كما أصبحوا متفوقين في جامعاتهم سيكونوا متفوقين في مجالات العمل التي سينخرطون بها، وليس الأمر حكرًا على المتفوقين، فالشباب السوري الذي يتخرج بالمئات كل عام في الجامعات التركية، لا يمكن أن يظل عاطلًا دون عمل، بل سيعمل ويكون منتجًا ويعيل نفسه وأسرته وهو ما يؤثر بنظرة الشعب التركي للاجئ السوري.

التفوق في الثانويات والمدارس

لم تقتصر حالة التفوق على الطلاب الجامعيين، فقد أثبت التلاميذ السوريون في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية وجودهم وحازوا أعلى الدرجات التي تؤهلهم لدخول الجامعات مثل نظرائهم الأتراك، وقد احتفى السوريون بالطالب محمد هرموش وهو ابن المقدم المنشق عن جيش النظام السوري حسين هرموش الذي يقبع في زنازين النظام السوري دون أي خبر عنه منذ سنوات طوال.

٧٦

تفوق محمد هرموش على أقرانه في الثانوية بعد قصة متعبة خلال لجوئه إلى تركيا، حيث قضى سنوات من عمره في مخيم كلس قبل أن تتكفل إحدى المؤسسات بمحمد وعائلته، وخلال الفترة الماضية اجتهد هرموش ليحصل على نتيجة عالية في امتحانات الثانوية العامة تؤهله للتقدم إلى الأفرع التي يريدها، وذكر أنه يفضل الانتساب لفرع الهندسة المدنية كما كان والده، وكان احتفاء السوريين بالطالب هرموش تعبيرًا عن وفائهم لأبيه الذي انشق وعمل على حماية الشعب السوري من نظام الأسد وحربه ضدهم.

 

 

 

ختامًا: على الرغم من القيود والعوائق التي تواجه طلاب الجامعات السوريين في تركيا إلا أنهم أثبتوا تفوقهم وتصدرهم للمراكز الأولى ببعض التخصصات في الجامعات التركية، وبهجة هذا التفوق لا تقتصر على الطالب وذويه فحسب، إذ أنه يدخل الفرح على قلوب السوريين جميعًا، بعدما اعتادوا أخبار الحزن والأسى، لتأتي هذه الأخبار كرد اعتبار لجيل كاد أن يخسر كل شيء.