يطالب الليبيون برحيل كل الأجسام السياسية

حملت الأيام الأخيرة تطورات كثيرة في ليبيا، بدأت بالمظاهرات الشعبية الكبيرة المنددة بالوضع العام والمطالبة بإبعاد جميع النخب الحاكمة عن السلطة، وصولًا إلى تحرك المجلس الرئاسي الذي لم يُسمع له صوت منذ انتخابه قبل نحو سنة ونصف في جنيف، فهل يكون مجلس المنفي الحكم الفصل هذه المرة؟

تنامي الرفض الشعبي

تتواصل الاحتجاجات والمظاهرات الغاضبة في العديد من المدن والمناطق الليبية، وكانت هذه المظاهرات قد انطلقت الجمعة الماضية وشملت مناطق عدة منها طرابلس وطبرق وسبها وهي المرة الأولى التي تعرف فيها البلاد مثل هذه التحركات خلال السنوات الأخيرة.

جاءت هذه الاحتجاجات مباشرة بعد فشل اجتماع عقيلة صالح رئيس مجلس النواب في طبرق، وخالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري)، في التوصل إلى توافق بشأن المسار الدستوري، وتنامي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

ينادي المحتجون بضرورة تنحي كل الأجسام السياسية في البلاد نتيجة فشلها في تأدية الوظيفة التي جاءت من أجلها، من ذلك رحيل الجسمين التشريعيين: مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وكذلك حكومتي عبد الحميد الدبيبة وفتحي باشاغا.

يُذكر أن هذه الأجسام انتهت مدة عملها القانونية منذ فترة، فمجلس النواب انتهت مدته منذ سنوات، أما مجلس الدولة فتجاوز مدته الشرعية منذ 6 سنوات، وفي خصوص حكومة الوحدة الوطنية فشرعيتها القانونية انتهت الشهر الماضي، أما حكومة فتحي باشاغا فلا شرعية قانونية لها من البداية.

خلال هذه المظاهرات تم اقتحام البرلمان في مدينة طبرق وحرق جزء منه، ما يعني أن الأوضاع وصلت درجة متقدمة، ذلك أن البلاد لم تشهد في السابق حرق أي مؤسسة سيادية، ويدل هذا الأمر على حدة الرفض والغضب من مختلف الأجسام السياسية في البلاد.

وتعرف ليبيا انقسامًا سياسيًا حادًا، ذلك أنه توجد حكومتان واحدة في الغرب وأخرى في الشرق، وكلاهما لا يحكم سيطرته على المنطقة الموجود فيها، ويظهر الانقسام أيضًا في المؤسسات السيادية، فكل مؤسسة في طرابلس لها مؤسسة موازية أخرى في الشرق.

تعهد المحتجون بمواصلة الاحتجاج حتى تنحي كل النخب الحاكمة عن السلطة وإجراء انتخابات جديدة، مؤكدين إمكانية نصب خيام في الميادين بالمدن وإعلان العصيان المدني رغم التعزيزات الأمنية التي شهدتها العديد من المدن.

اختلاف في البديل

لئن اتفق المتظاهرون على ضرورة رحيل الأجسام السياسية لتورطها في تدهور الوضع في البلاد، إلا أنها اختلفت في البديل الذي يمكن أن يمسك بزمام الأمور إلى حين إجراء انتخابات حرة وديمقراطية تُفرز كيانات سياسية شرعية.

اختلف البديل حسب المنطقة، إذ دعا بعض متظاهري بنغازي اللواء المتقاعد خليفة حفتر لتولي السلطة في البلاد، ذلك أن حفتر يُمسك بزمام الأمور هناك ولا يُستبعد أن تكون الأصوات التي نادت بضرورة إمساكه بزمام الأمور تعمل معه وتنشط ضمن ميليشياته.

أما في مدينة البيضاء فقد طالب المتظاهرون هناك بتولي المجلس الأعلى للقضاء السلطة مؤقتًا، يذكر أن رئيس المجلس مفتاح القوي، سبق أن عمل قبل توليه هذا المنصب في محكمة الاستئناف بالبيضاء، ما يُفسر الدعوة لتولي مجلس القضاء زمام الأمور.

وفي طبرق، نادى المتظاهرون هناك بتولي المجلس الرئاسي ورئيسه محمد المنفي السلطة في البلاد لحين إجراء انتخابات، يُذكر أن رئيس المجلس محمد المنفي من مواليد طبرق، ما يعني أن كل جهة تنادي بتولي أحد أبنائها السلطة.

الاختلاف ظهر في الغرب، إذ لم يدع المتظاهرون إلى تولي طرف معين السلطة بعد رحيل الأجسام السياسية الحاكمة، وركزوا في مظاهراتهم على ضرورة إجراء انتخابات في أقرب وقت ممكن للخروج من الأزمة.

الرئاسي نحو قيادة المرحلة

تلقى المجلس الرئاسي دعوة متظاهرين طبرق بسرعة، إذ سارع إلى إعلان أنه "في حالة انعقاد مستمر ودائم حتى تتحقق إرادة الليبيين في التغيير وإنتاج سلطة منتخبة يرضى عنها الليبيون"، ما يعني نيته تصدر المشهد السياسي في المرحلة المقبلة.

وسبق أن وجه المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، تحذيرًا غير مسبوق للطبقة السياسية باستخدام "سلطته السيادية" في حال فشل اجتماع جنيف، وهو ما وقع فعلًا، وجاء هذا التحذير رغم أن المجلس شريك في هذا الفشل، فمنذ انتخابه لم يقدّم أي إضافة تذكر.

في الأثناء أعلن المجلس الرئاسي قبل يومين، أن أعضاءه توافقوا حول إطارٍ عام لـ"خطة عمل تعالج الانسداد السياسي" في البلاد، ووفق مكتبه الإعلامي، أوضح المجلس أبرز العناصر الحاكمة لخطته، موضحًا أنها "الحفاظ على وحدة البلاد وإنهاء شبح الحرب وإنهاء الانقسام وتعزيز حالة السلام القائم وتجنّب الفوضى والحد من التدخل الأجنبي والدفع باتجاه حل وطني يقدم على ما سواه".

يؤكد المجلس الرئاسي أن "هذه الخطة جاءت استجابةً للمطالب المشروعة لأبناء الشعب الليبي، وتحقيقًا لتطلعاتهم للتغيير، وبعد أن أجرى المجلس عددًا من الاجتماعات بين أعضائه بالخصوص"، وتم تكليف النائب بالمجلس عبد الله اللافي "بإجراء المشاورات العاجلة مع الأطراف السياسية، لتحقيق التوافق على تفاصيل الخطة وإطلاقها فيما بعد في شكل خريطة طريق واضحة المسارات والمعالم".

يشير المجلس الذي يقوده المنفي أن خطته ستُنهي المراحل الانتقالية، عبر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في إطار زمني محدد، وتدفع في اتجاه توافق وطني بشأن مشروع التغيير الذي يعزز الثقة بين الأطراف السياسية كافة.

ومن المرتقب أن يعلن المجلس الرئاسي في أي لحظة، "تطبيق قانون الطوارئ" وإسقاط مجلسي النواب والدولة وإقالة حكومتي الدبيبة وباشاغا، لكن ذلك يتطلب استمرار الضغط الشعبي الداعي إلى تنحي الأجسام السياسية.

فضلًا عن دعم متظاهري طبرق، تلقى المجلس الرئاسي دعمًا من شيوخ القبائل وبعض القادة السياسيين والمترشحين البرلمانيين والرئاسيين لاتخاذ قرار حاسم بحل مجلسي النواب والدولة، والأخذ بزمام المبادرة لقيادة البلاد نحو الانتخابات.

واجتمع المجلس الرئاسي، الثلاثاء، بـ31 حزبًا سياسيًا، فوّضوه "بتسلم زمام الأمور، وإصدار مراسيم سيادية تنهي المراحل الانتقالية فورًا"، وتحديد موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية بشكل متزامن قبل نهاية العام.

وكثف رئيس المجلس في الأيام الأخيرة تحركاته السياسية، إذ اجتمع بعدد من سفراء الدول الأجنبية لدى ليبيا، في لقاءات منفصلة، منهم السفير الأمريكي ريتشارد نورلاند والسفير الإيطالي جوزيبي بوتشينو والسفير الألماني ميخائيل أونماخت، لبحث التطورات الأخيرة في البلاد.

على شفا الانهيار

لئن شدّد الليبيون على ضرورة إنهاء كل الأجسام السياسية، فإن تصدر المجلس الرئاسي للمشهد وإعلانه عن قرارات أحادية من شأنه أن يزيد الوضع سوءًا في البلاد، خاصة أنه لا يتحكم في الوضع ميدانيًا ولا قوة له تمكنه من فرض قرارته.

أي خطوة أحادية من المجلس الرئاسي سيُقابلها رفض من باقي الأجسام، فمن الصعب أن يقبل مجلس النواب الذي يسيطر حليفه حفتر على جهة الشرق قرار حله، وكذلك الأمر بالنسبة لمجلس الدولة وحكومتي باشاغا والدبيبة.

حتى الدعم الخارجي غير موجود، إذ تعارض الولايات المتحدة خطوة حل المجلس الرئاسي لمجلسي النواب والدولة، وحذرت في وقت سابق "من أي جهد لتحقيق مكاسب سياسية من خلال المخاطرة باللجوء إلى العنف".

وترى واشنطن إلى جانب البعثة الأممية ضرورة ألا تذهب الاحتجاجات إلى أبعد من مجرد الضغط على مجلسي النواب والدولة للتوصل إلى اتفاق، بدل إسقاطهما، فإسقاط هذه المجالس في الوقت الحاليّ ينذر بعواقب وخيمة يمكن لها أن تعيد البلاد إلى الوراء.

بالمحصلة فإن على القوى الليبية أن تستمع لنداءات الشارع وتضع الخلافات بينها على جنب وتجلس على طاولة الحوار للاتفاق بخصوص الحلول الكفيلة بإخراج البلاد من أزمتها المتواصلة منذ سنوات، ذلك أن الوضع في ليبيا خطير ويُنذر بانهيار الدولة والحوار فقط ما سيرسم الاستقرار السياسي.