توالي عمليات إغلاق موانئ النفط كلفت ليبيا خسائر كبرى

توالي عمليات إغلاق موانئ النفط كلفت ليبيا خسائر كبرى

انتشرت، في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء، قوة مسلحة في محيط المؤسسة الوطنية الليبية للنفط في طرابلس، مباشرة بعد إلقاء رئيسها مصطفى صنع الله كلمة يعبر من خلالها عن رفضه لقرار الحكومة عزله من منصبه.

تحرك عسكري يؤكد حجم الأزمة التي وصلت إليها المؤسسة الوطنية الليبية للنفط التي تعتبر المصدر الأساسي لموارد الدولة الليبية، فالرئيس السابق للمؤسسة يرفض قرار إقالته وحكومة عبد الحميد الدبيبة تصر على تطبيق القرار وتعيين خليفة له.

لم يتعلق الجدل بقرار إقالة صنع الله فقط، إنما وصل أيضًا إلى شخص الرئيس الجديد الذي عينه الدبيبة ويُعتبر أحد رجال حقبة معمر القذافي التي انتفض عليها الليبيون في فبراير/شباط 2011، ما يشير إلى وجود صفقة بين الدبيبة وحفتر، فهل يؤثر هذا الأمر على قوت الليبيين وعلى مسار الحل السياسي في البلاد؟

صنع الله يتشبث بمنصبه ويتهم الإمارات

في تصعيد للأزمة الحاصلة، أكد الرئيس المُقال لمؤسسة النفط في كلمة له مساء أمس إن ولاية حكومة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة انتهت، وإنه لا يملك سلطه عزله من منصبه كرئيس لشركة إنتاج الطاقة الحكومية، مُحذّرًا الدبيبة من المساس بالمؤسسة.

لم يكتف صنع الله بذلك، بل اتهم الإمارات، التي سبق أن دعمت قوات اللواء خليفة حفتر في حربها ضد العاصمة طرابلس، بالمسؤولية عن سلسلة من عمليات الحصار استهدفت قطاع النفط الليبي في الفترة الأخيرة وعزله من منصبه.

وقبل نحو أسبوعين، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، موافقته لوزير النفط محمد عون، بشأن إقالة رئيس مؤسسة النفط مصطفى صنع الله، بعد أزمة بين الأخيرين، وسبق أن قدّم عون عددًا من المذكرات منذ استلامه منصب وزير النفط والغاز في مارس/آذار 2021، بشأن إقالة صنع الله، لكن الدبيبة لم يبت فيها.

يشكل النفط نحو 94% من موارد البلاد، وعادة ما تنتج ليبيا نحو مليون و200 ألف برميل يوميًا

يقود صنع الله قطاع النفط بشكل مباشر منذ سنة 2015 نظرًا لإلغاء وزارة النفط، لكن قرار الدبيبة إعادة تشكيل الوزارة وتعيين عون على رأسها، فجر أزمة قيادة في ملف النفط، فكل طرف يدّعي أحقيته في قيادة هذا الملف الحساس في ليبيا.

جدير بالذكر أن الصراع بين الطرفين بدأ مع تعيين عون على رأس وزارة النفط وإبداء رغبته في إدارة قطاع المحروقات بما فيه مؤسسة النفط التي تقع تحت مسؤوليته قانونًا، إلا أن الوزير الجديد اصطدم برغبة صنع الله في الحفاظ على نفوذه.

في مؤشر على الصراع بين الطرفين، ألغى عون قرارات لصنع الله، بإنهاء مهام بعض رؤساء المؤسسات التابعين لمؤسسة النفط، وبلغ الصراع أوجه باتهام عون في أكثر من مناسبة، صنع الله، بحجب معلومات الإيرادات والإنتاج، ومخاطبته مديري الشركات بعدم الاعتداد بمراسلات وزارة النفط، كما اتهم عون صنع الله بارتكاب جرائم اقتصادية وفنية.

ويتهم عون صنع الله بحجب 10 مليارات و900 مليون دينار ليبي (2.2 مليار دولار) عن خزينة الدولة لـ16 شهرًا عند شركات أجنبية، خسرت البلاد فيها عشرات ملايين الدولارات، الأمر الذي نفاه بشدة صنع الله، مؤكدًا وجود "مراجعة داخلية" في ضبط أمور القطاع.

أحد رجال القذافي على الخط

المُتتبع لتطورات الأحداث في ليبيا لم يكن يتوقع إقدام الدبيبة على إقالة صنع الله، ذلك أن هذا الأخير كان محسوبًا على رئيس حكومة الوحدة الوطنية في صراعه مع فتحي باشاغا المعين رئيسًا للحكومة من البرلمان، بدليل تسليمه 6 مليارات دولار لحكومة الوحدة في شهر أبريل/نيسان الماضي.

الغريب أيضًا أن أبرز الداعين لإقالة مصطفى صنع الله هم من معسكر الشرق، ذلك أنهم يرون صنع الله تابعًا لحكومة الدبيبة وقبلها حكومة السراج، كما يتهمون رئيس مؤسسة النفط السابق بالولاء التام للغرب وخاصة المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.

ورغم تغير الحكومات، حافظ صنع الله على منصبه على رأس مؤسسة النفط، ويرجع ذلك وفق عدد من الليبيين إلى الدعم الأجنبي الذي يحظى به، ذلك أنه يحافظ على إمدادات النفط للدول الغربية في ظل الأزمة العالمية للطاقة.

جاء قرار إقالة صنع الله وتعيين فرحات عمر بن قدارة خلفًا له مغايرًا لكل التوقعات، خاصة أن بن قدارة شغل منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي في فترة حكم الزعيم الراحل معمر القذافي بين عامي 2006 و2011، أي أنه أحد أبرز رجال حقبة القذافي التي ثار عليها الشعب.

إضافة إلى كونه أحد رجال القذافي، يُعتبر بن قدارة أيضًا من أبرز المقربين لخليفة حفتر الذي يمسك بزمام الأمور في الشرق، ويحاول بين الفينة الأخرى بطرق سياسية وعسكرية السيطرة على كامل البلاد بما في ذلك العاصمة طرابلس، وعمل بن قدارة مستشارًا اقتصاديًا لحفتر في الفترة من 2018 إلى 2020.

يُفهم من قرار الدبيبة تعيين بن قدارة خلفًا لصنع الله الذي يُكن له معسكر الشرق العداء، وجود رغبة منه في التقرب لحفتر للحصول على دعمه في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد، خاصة أن باشاغا المدعوم من الشرق قرر دخول العاصمة طرابلس مرة أخرى.

يؤكد قرار الدبيبة الأخير، وجود اتفاق بينه وبين حفتر، ما من شأنه أن يضع رئيس الحكومة المكلف من برلمان طبرق فتحي باشاغا في مأزق كبير، فهذا الأخير يعمل جاهدًا للحصول على تحالفات جديدة في ظل ضعف حضوره الميداني.

ومؤخرًا، تواترت العديد من الأحاديث مفادها وجود تحالفات محتملة بين حفتر والدبيبة بموجب اتفاق جرى بين الطرفين برعاية دولة الإمارات، يغير بموجبها الدبيبة مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط برئاسة مصطفى صنع الله وتعيين مجلس إدارة جديد برئاسة فرحات بن قدارة.

تأثيرات كبيرة على قوت الليبيين

لا يعني قرار عزل صنع الله وتعيين خليفة له أن الرئيس المُقال لمؤسسة النفط سيرمي المنشفة سريعًا، فمن الصعب جدًا أن يستسلم لقرارات الدبيبة ويمكن أن يلجأ لمنافسه في الشرق فتحي باشاغا المعين على رأس الحكومة من برلمان طبرق.

من المرتقب أن يستغل صنع الله ورقة الانقسام السياسي لتعزيز حظوظه في البقاء على رأس مؤسسة النفط، رغم يقينه أن كل مقرات مؤسسات النفط ومختلف العقود والملفات الإدارية وشبكة الموظفين موجودة في طرابلس وتخضع لسيطرة حكومة الوحدة.

من الصعب التنبؤ بموعد استئناف إنتاج النفط في ليبيا وعودة الإنتاج إلى سالف عهده، وإلى أن يأتي ذلك الوقت سيعيش هذا البلد العربي أزمات اقتصادية واجتماعية عديدة

سيتلقى باشاغا هذا الأمر بصدر رحب، فهو الآخر يبحث عن تحالفات جديدة بعد فشله في اقتحام طرابلس في مرات سابقة، ويأمل باشاغا هذه المرة في استغلال انتهاء ولاية حكومة الدبيبة للترويج لحكومته كبديل شرعي عنها.

هذا الأمر سيزيد من حدة الصراع السياسي في البلاد وسيؤثر سلبًا على قطاع النفط الليبي، خاصة في ظل تواصل عمليات الغلق الممنهجة للعديد من الموانئ والحقول النفطية من جماعات مسلحة تطالب عبد الحميد الدبيبة بالاستقالة من الحكومة لصالح باشاغا.

ويشكل النفط نحو 94% من موارد البلاد، وعادة ما تنتج ليبيا نحو مليون و200 ألف برميل يوميًا، وتشير بيانات منظمة الدول المنتجة للنفط "أوبك" إلى أن ليبيا تحتل المرتبة الخامسة عربيًا باحتياطي نفطي يبلغ 48.36 مليار برميل.

وخلال الأشهر الأخيرة، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، في أكثر من مرة "القوة القاهرة" في حقول الفيل والشرارة والزويتينة والبريقة النفطية، وحالة "القوة القاهرة" هي حماية قانونية ضد المسؤولية المترتبة على عدم قدرة أطراف التعاقد في قطاع النفط على الإيفاء بالالتزامات نتيجة أحداث خارجة عن سيطرة الأطراف المتعاقدة.

نتيجة هذه الفوضى في القطاع النفطي، تخسر ليبيا يوميًا نحو 850 ألف برميل من إنتاج النفط، وهو ما أدى إلى خسارة الدولة لأموال طائلة كانت ستجنيها لو بقي الإنتاج على حاله، خاصة في ظل ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية وارتفاع الطلب على النفط الليبي بسبب أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية.

في أبريل/نيسان الماضي، قال وزير النفط والغاز في حكومة الوحدة الوطنية الليبية محمد عون إن بلاده تخسر "أكثر من ستين مليون دولار" يوميًا بسبب الإغلاق القسري لعدد من المواقع النفطية، باحتساب سعر 100 دولار للبرميل.

خسارة هذه العائدات المالية بدأت تظهر ملامحها الجانبية، إذ تعرف ليبيا مؤخرًا أزمة اقتصادية واجتماعية، من أبرز ملامحها أزمة الكهرباء التي عجزت حكومة الدبيبة عن إيجاد حل لها، وتعود أبرز أسباب الأزمة إلى تراجع إنتاج النفط.

من الصعب التنبؤ بموعد استئناف إنتاج النفط في ليبيا وعودة الإنتاج إلى سالف عهده، وإلى أن يأتي ذلك الوقت سيعيش هذا البلد العربي أزمات اقتصادية واجتماعية عديدة ستفاقم حدة الانقسام السياسي، ما يؤكد ضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار بين مختلف الأطراف للوصول إلى حل يجنب البلاد ويلات الانقسام.