ترجمة وتحرير: نون بوست

تأسس حزب العدالة والتنمية في 14 آب/ أغسطس 2001، ووصل إلى السلطة بعد انتخابات 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2002، وهو يعتزم الاحتفال بذكرى تأسيسه الحادية والعشرين في 14 آب/ أغسطس من العام الجاري.

بالنسبة لحزب سياسي، فإن هذه الفترة ليست طويلة. أما بالنسبة لحزب وصل إلى السلطة بعد سنة فقط من تأسيسه ليبقي فيها لمدة 20 عامًا متتالية، فإن هذا الأمر لم يسبق له مثيل في البلدان الديموقراطية وقليلة هي الأحزاب التي بقيت في السلطة طيلة هذه الفترة.

من الصعب تحليل فوز حزب واحد في 15 انتخابات مختلفة على التوالي. وغالبًا ما يفسّر المحللون السياسيون بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة بمتغيرات عرضية، إذ يقول بعضهم إن وسائل الإعلام تحت سيطرته وأن المعارضة لا تستطيع خوض السباق الانتخابي لأنها ليست ندا للحزب الحاكم. في المقابل، يجادل البعض الآخر بأن مرافق الدولة تُستخدم بشكل غير عادل، بينما يتذرّع آخرون بمسألة أمن الانتخابات ويحاولون بكل الطرق إيجاد سبب لخسارة المعارضة.

تفصلنا أقل من سنة على انتخابات 2023، وتستند الجهود المبذولة لتحليل كيفية بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة طيلة 20 عامًا إلى بعض الاستفسارات الدورية وقصيرة المدى. وغالبا يُطرح السؤال التالي: كيف يمكن لحزب في السلطة لمدة 20 عامًا أن يحافظ على شعبيته وعلى أغلبية الأصوات؟ لا شك أن هذه المسألة تفسّر أيضًا سبب عدم تمكن حزب الشعب الجمهوري، أول حزب في المعارضة، من زيادة نسبة أصواته.

تعتقد المعارضة أن حزب العدالة والتنمية ليس في حالة انهيار، ومع ذلك لا يمكن إنكار تراجع دعم الناخبين. وتجدر الإشارة إلى أن نفس الادعاءات تطرح قبل كل انتخابات.

صورة
الرئيس المنتخب تورغوت أوزال يؤدي اليمين في المجلس النيابي

الخلفية التاريخية لوعي الناخب التركي

لا يمكن فهم سبب نجاح حزب العدالة والتنمية في البقاء في السلطة لمدة 20 عامًا بالعودة إلى فترة حكمه فقط. بمقارنة كيفية وصول الحزب الديمقراطي إلى السلطة من خلال فوزه بأغلبية ساحقة في انتخابات 14 أيار/ مايو 1950 في فترة الحزب الواحد، وفترة الحكم طويل الأمد لحزب العدالة والتنمية، يمكن فهم الماضي القريب وتاريخ الديمقراطية التركية بأكمله.

في التاريخ السياسي لتركيا، كان فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات ثلاث مرات متتالية نتيجة لتوتر العلاقات بين الدولة والمجتمع في فترة ولادة الجمهورية. أسّس الحزب الديمقراطي أولئك الذين استقالوا من حزب الشعب الجمهوري. ومن بين مؤسسيه جلال بايار، وهو سياسي شغل منصب وزير الاقتصاد وكان رئيس الوزراء خلال فترة حكم الحزب الواحد. في ذلك الوقت، لم يمانع الناخبون أن يكون مؤسسو الحزب الديمقراطي أعضاء سابقين في حزب الشعب الجمهوري، لكن ما لم ينتبهوا إليه هو ما إذا كان الحزب الذي تأسس حديثًا سيضع سياسة تتوافق مع تطلعات المجتمع أم لا.

لو أن انقلاب المجلس العسكري في 27 أيار/ مايو 1960 لم يحدث لكان من الممكن للحزب الديمقراطي أن يفوز في الانتخابات التالية حتى مع تراجع نسبة الأصوات. وكانت الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الثلاثة كالآتي: 52.6 بالمئة في سنة 1950 و57.6 بالمئة في 1954 و47.8 بالمئة في 1957؛ أما حزب الشعب الجمهوري فكانت نسبة أصواته على التوالي: 39.4 بالمئة و35.3 بالمئة و41 بالمئة.

وصل حزب العدالة إلى السلطة في انتخابات 1965 نتيجة رد فعل المجتمع على مدبري انقلاب ''27 أيار/ مايو'' وممارساتهم الأخيرة. وقد حصل حزب العدالة على 52.8 في المئة من الأصوات في انتخابات 1965 الحرة نسبيًا التي أجريت بعد الانقلاب، مقابل 27.3 في المئة لحزب الشعب الجمهوري.

ورغم  تراجع دعم الناخبين لحزب العدالة في انتخابات 1969، إلا أنه كان في الطليعة بنسبة 46.5 بالمئة، مقابل 28.7 بالمئة لحزب الشعب الجمهوري، الذي سجل زيادة نقطة واحدة فقط عن الانتخابات السابقة. فاز حزب العدالة مرتين متتاليين ووصل إلى الأغلبية التي تخول له تشكيل حكومةٍ بمفرده، إلا أن مذكرة سنة 1971 استطاعت إيقافه. لهذا السبب، لولا الانقلاب الذي قلب الموازين لكانت هناك قاعدة انتخابات عادلة وعقلانية.

لا يعني تراجع نسبة أصوات الحزب الديمقراطي وحزب العدالة في الانتخابات التي أجريت قبل الانقلابات أن فرص فوزهما في الانتخابات المقبلة كانت ضئيلة. أعطى الناخبون رسائل مختلفة للأحزاب السياسية في كل انتخابات، وقد غيّرت الأحزاب التي فهمت رسائل الناخبين من سياستها، في حين أن الأحزاب التي لم تفعل ذلك تراجعت شعبيتها.

بعد مذكرة 1971، تم إنشاء 11 حكومة مختلفة حتى انقلاب 1980. ومنذ 27 أيار/ مايو 1960، كان نظام الوصاية يتدخل باستمرار في السياسة، ولعب الانقلابيون دورا كبيرا في تشكيل السياسة التركية، وقد تمكنوا من إيصال الأحزاب المدعومة من قبلهم إلى السلطة. مثّلت انتخابات 14 أيار/ مايو 1950 صدمة لبعض الدوائر في تركيا، ما دفع هذه الجماعات إلى العمل مع الانقلابيين. وبعد انقلاب 12 أيلول/ سبتمبر، لم تستطع شرائح كبيرة من المجتمع "العودة إلى رشدها"، وكانت الطريقة الوحيدة لضمان الاستقرار السياسي الالتزام باختيار أحد الحزبين (حزب الشعب والحزب الوطني الديمقراطي) اللذين أسسهما مدبرو الانقلاب.

مع ذلك، أجري تغيير في الخطة في اللحظة الأخيرة وسمح لحزب الوطن الأم، الذي من غير المرجح أن يفوز، بدخول الانتخابات فقط لتجنب الانتقادات وخلق تصور بأن الانتخابات تُجرى في بيئة ديمقراطية وأن الوصول إلى السلطة يكون من خلال دعم حزب الوطن الأم وليس أي من الأحزاب التي أشار إليها مدبرو الانقلاب.

منذ انتخابات 1987 حتى وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في سنة 2002، صوت الناخبون عند كل انتخابات لحزب مختلف. لكن حقيقة أن الأحزاب التي خرجت من صناديق الاقتراع لم تتمكن من تشكيل الحكومة بمفردها أدت إلى انقسام سياسي مماثل لما حدث في السبعينيات. وبعد انتخاب تورغوت أوزال رئيسًا للبلاد في سنة 1989، وصلت 11 حكومة مختلفة إلى السلطة حتى سنة 2002.

خلال التسعينيات، كان الناخبون يبحثون عن زعيم سياسي وحزب يؤيدونه. ونظرًا لأن مجموعات المصالح المنظمة تستعمر الساحة السياسية، كانت السياسة هشة وعرضة للتدخل غير الديمقراطي لذلك تآكلت ثقة المجتمع في الأحزاب القائمة.

صورة
الرئيس رجب طيب أردوغان يوزع الزهور على المواطنين في بورصة سنة 2002

حماية الإصلاحات بسياسة النضال

وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في مثل هذه الأجواء السياسية. وأولئك الذين لا يستطيعون تحليل أزمة السياسة التركية قبل انتخابات سنة 2002 لا يمكنهم أن يصفوا بدقة فوز حزب العدالة والتنمية في 15 انتخابات مختلفة. لم يرتكب حزب العدالة والتنمية أخطاء من سبقه إلى السلطة من أحزاب، وإنما احتضن الإرث الإيجابي لتقليد الحزب الديمقراطي وحافظ على الوعي السياسي للناخبين. وأثناء التصويت لحزب العدالة والتنمية، قدّم الناخبون وصفًا جيدًا للماضي وكان اختيارهم قائما على مقارنة الحزب بمنافسيه.

في الفترات الأولى من حكمه، نفّذ حزب العدالة والتنمية سياساته من خلال معارضة أنصار النظام القديم. وقد أعطى الأولوية لسياسة الإصلاح واتخذ خطوة جريئة نحو حلّ المشاكل المؤجلة في السياسة الداخلية والخارجية. وبمرور الوقت، توسّع صراعه مع كتلة الوصاية. في مواجهة سياسة المقاومة، زادت كتلة الوصاية من دعمها وشرعيتها من خلال خوض الانتخابات وعززت قوتها. ورأى الحزب في الانتخابات والاستفتاءات وسيلة ضغط ودعم لسياسات حلّ الأزمات.

جدّد حزب العدالة والتنمية سياساته الخاصة وفقًا لكل من التحول الاجتماعي والسياسي في الداخل والتحوّل العالمي في العالم. وأثناء تحديث سياساته، أجبر أيضًا الأحزاب السياسية على التحوّل. ومع أن سياساته التي تدعم الطبقة الوسطى تشكل في بعض الأحيان تحديًا لسياساته الخاصة، فقد سعى إلى إقامة تحالفات مع أحزاب أخرى في مسارات مختلفة من السياسة. وطوال فترة حكمه، لم يتنازل عن سياسته الاستثمارية رغم انتقادات المعارضة وحتى نخبته من وقت لآخر.

بدأت عمليات الانقلاب ضد هذه الأحزاب بعد فوز الحزب الديمقراطي بالانتخابات ثلاث فترات متتالية وفترتين مع هامش كبير، وقد تسارعت معدلات التصويت المرتفعة لحزب العدالة والتنمية في ولايته الثالثة في انتخابات 2011. من جهة أخرى، يمكننا تقييم احتجاجات ''حديقة جيزي'' ومحاولة الانقلاب التي قام بها أعضاء منظمة غولن الإرهابية في'' 17-25 كانون الأول/ ديسمبر'' من خلال القضاء والشرطة، وأحداث 6-7 تشرين الأول/ أكتوبر، وهجمات الخنادق الإرهابية، وأخيرًا محاولة ''الانقلاب 15 تموز يوليو'' على أنها محاولة للرجوع لزمن الوصاية والانقلابيين.

ترتبط سياسة الأزمة وقدرة حزب العدالة والتنمية على محاربة التدخلات غير الديمقراطية منذ ولايته الثالثة في السلطة ارتباطًا مباشرًا بقدرته على التعلم سياسيًا خلال الاجتماعات الجمهورية، ومذكرة 27 نيسان/ أبريل الإلكترونية، وقضية الإغلاق.

لا شك أن انتخابات 2023 ستكون حاسمة لكل من الحزب وكتلة الوصاية. وتحتاج الأحزاب إلى 51 بالمئة على الأقل من الأصوات، وهو مطلب من متطلبات نظام الحكومة الرئاسية. وبالنسبة لحزب العدالة والتنمية، لهذه الانتخابات مزايا وعيوب. وتتمثل الميزة الأكثر أهمية في أن زعيم حزب العدالة والتنمية أردوغان قد حصل على أكثر من 50 في المئة من دعم الناخبين مرات عديدة حتى اليوم. لكن لا يمكن إنكار حقيقة أن بقاء الحزب في السلطة منذ 21 عامًا يضعف دعمه في مناطق معينة وتلك طبيعة السياسة.

أربع قضايا مهمة في انتخابات سنة 2023

هناك أربعة مواضيع مهمة ستحدد أجندة الانتخابات في انتخابات 2023، وهي المشاكل الاقتصادية، وقضية اللاجئين، وطبيعة السياسة التي سيتم تصديرها للناخبين الأكراد. وبالنسبة لحزب العدالة والتنمية، فالاقتصاد هو الموضوع الأكثر أهمية، وعندما يكون هناك أمل في حل المشكلة الاقتصادية سيكون من السهل إدارة قضية اللاجئين وتوقعات طبيعة السياسة تجاه الأكراد.

ما أعنيه بطبيعة السياسة تجاه الأكراد؛ هي زيادة رفاهية المجتمع ودمجه بالسياسة، مثل باقي الفئات والتي زادت رفاهيتها الاجتماعية وأصبحت طبقة وسطى خلال فترة حزب العدالة والتنمية.

أيضًا؛ هناك أكثر من 23 مليون ناخبًا سيصوتون في سنة 2023 لأول مرة خلال فترة حزب العدالة والتنمية، وفي هذه المجموعة؛ يبلغ عدد الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و26 عامًا حوالي 12 مليونًا، وهذا يمثل 18.8 بالمئة من مجموع الناخبين.

وأحد العوامل المهمة لفوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات هو أن الناخبين يقارنون العشرين سنة الماضية بالفترة التي قبلها، ولكن المجتمع الانتخابي الجديد لم يعد يُجري مقارنات مع فترة ما قبل حزب العدالة والتنمية، ولذلك؛ فرغم أن نجاح حزب العدالة والتنمية في حل الأزمات وإدارتها هو ميزة في هذا السياق، لكن المناقشات حول استدامة هذا النجاح أصبحت تشكل أزمة بحق الحزب.

والعامل الرئيسي الذي يحول هذه الأزمة إلى ميزة هو القيادة السياسية، فالرئيس أردوغان هو مرشح تحالف الشعب في انتخابات سنة 2023، وأردوغان زعيم عالمي يتجاوز الكثير من الزعماء المحليين، وقد تمت الموافقة على أسلوب السياسة الذي طرحه حتى الآن في 15 انتخابات مختلفة.

ينبغي أن لا ننسى أن الناخبين الأتراك أكثر وعيًا من أولئك الموجودين في البلدان ذات المستوى المماثل من التطور؛ حيث إنهم يعلمون أن المقاربات الحزبية لا تسفر عن نتائج جيدة جدًا للبلد.

في انتخابات 2023؛ ستجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في وقت واحد، على وجه الخصوص، فإن تحديد التحالفات لقائمة مشتركة أو منفصلة لمرشح الرئاسة أو المقاعد البرلمانية سيؤثر أيضًا على ديناميكيات الانتخابات. وفي هذا السياق؛ ستكون هوية المرشح البرلماني المحلي أكثر أهمية في تفضيلات الناخبين مما كانت عليه في الانتخابات السابقة، ومن أهم التحديات التي تواجه حزبًا في السلطة لفترة طويلة قضية تجديد النخبة السياسية. لذلك؛ من المهم أن تكون قادرًا على الموازنة بين عدم خلق استياء جديد من جهة، ودمج فاعلين جدد في النظام من جهة أخرى.

ومما لا شك فيه أن تفضيلات السياسة الخارجية، ومواقف الأطراف فيما يتعلق بالقدرة الأمنية والدفاعية للبلاد، وإعطاء الأولوية للاستقرار السياسي، أي ضمان السلام والنظام، لا تزال مهمة للغاية بالنسبة للجمهور، وكون حزب العدالة والتنمية يتمتع بميزة نسبية في هذه الأمور مقارنة بالأحزاب الأخرى؛  حقيقة لا جدال فيها.

في الأنظمة السياسية الحزبية المهيمنة، من السهل على أحزاب المعارضة أن تتحد ضد الحزب الحاكم، ونظرًا لأن الحزب المهيمن كان في السلطة لفترة طويلة، يُنظر إلى هذا النمط من السياسة على أنه أفضل طريقة للنضال ضده. وهذا ما يحدث في تركيا الآن؛ حيث تجتمع أحزاب المعارضة باستمرار حول طاولة، وتخطط لكيفية الإطاحة بحزب العدالة والتنمية في انتخابات سنة 2023.

إن أهم فرصة تعزز بحث حزب العدالة والتنمية عن رئاسة ائتلافية هي أن هذه الأحزاب السياسية، التي تختلف وجهات نظرها العالمية وفهمها السياسي عن بعضها البعض، تهتم أكثر بالإطاحة بالحكومة أكثر من التطلع إلى حكم البلاد.

وينبغي أن لا ننسى أن الناخبين الأتراك أكثر وعيًا من أولئك الموجودين في البلدان ذات المستوى المماثل من التطور؛ حيث إنهم يعلمون أن المقاربات الحزبية لا تسفر عن نتائج جيدة جدًا للبلد.

المصدر: كريتر