ترجمة وتحرير: نون بوست

إن تشكيل الأجندات والتوازنات السياسية بعناوين ومتغيرات جديدة مستمر حتى سنة 2023 هذا إضافة إلى المعادلات الحالية. في هذه المرحلة، وبسبب الأوضاع الاقتصادية الحالية وانتشار الوباء تحولت استضافة المهاجرين إلى قضية أكثر حساسية وأهمية. لهذا السبب، أصبحت مشكلة الهجرة من القضايا الرئيسية للانتخابات المقبلة.

لا يزال خطاب ووعود الجناح المناهض للمهاجرين مستمرًا لفترة طويلة، والهدف الرئيسي من ذلك هو تحويل تصوّر المشكلة إلى أصوات لصالحهم بالاستعانة بخطاب شعبوي على غرار ما يجري في أوروبا. ومن أجل تحقيق هذه الغاية، تقدّم المعارضة وعودا شعبوية غير عقلانية من قبيل "ضمان عودة جميع السوريين إلى وطنهم في غضون سنتين". لكن من غير المرجح أن تتمكن هذه الوعود من تحويل عدم رضا الناخبين إلى أصوات مؤيدة لهم في الانتخابات. ولعل أفضل مؤشر على ذلك أن المعارضة لم تحصل على زخم الأصوات المطلوب منذ فترة طويلة.

إن خطاب أوميت أوزداغ المناهض للأجانب الذي أصبح جزءًا من المعادلة السياسية، قد وصل إلى مستوى يمكن أن يؤثر على استراتيجية وخطاب المعارضة في انتخابات 2023. أصبح أوميت أوزداغ هدفًا لنخب المعارضة خاصة حزب الشعب الجمهوري والمقربين منه، وذلك نتيجة انتقاد المعارضة والحكومة على حد سواء. وقد وُصف أوزداغ بعد انتقاده للمعارضة - وكأي شخص ينتقدهم - بأنه موال للحكومة واتُّهم بخرق قواعد اللعبة السياسية. ولا شك أن سياسة أوزداغ المستوردة من أوروبا قد أزعجت المعارضة.

على خطى أوروبا

بدأت الأحزاب اليمينية المتطرفة لفت انتباه الغرب خلال ثمانينات القرن الماضي، وقد حظيت بقوة شعبية مع مرور الوقت بعد أن فشلت الأحزاب المركزية العريقة في حلّ المشكلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المتغيّرة. ومع بقاء هذه المشاكل دون حلّ، بات يُنظر إلى قضية المهاجرين اللاتينيين والآسيويين والأفارقة في أوروبا من منظور طبقي واعتُبر وجودهم مشكلة. وقد ازدادت حساسية هذه القضية بشكل أكبر بالنسبة للفئات غير الراضية التي تشعر بالقلق من وجود المهاجرين. لهذا السبب، صعدت الحركات القومية في أوروبا وزادت كراهية الأجانب.

كان النقاش حول العنصرية وكراهية الأجانب في أوروبا محدودًا بين صفوف النخب السياسية والمثقفين. بالنسبة لقسم منهم، فإن القضية ضخمت من قبل المناهضين للهجرة بينما يدعي البعض الآخر أن المتطرفين الشعبويين اختلقوا مشكلة لم تكن موجودة في الأصل (أي مشكلة المهاجرين).

في إطار هذه النقاشات، استطاعت الأحزاب الشعبوية المعادية للأجانب التأثير على السياسة الأوروبية، لدرجة أن هذه الأحزاب أثرت على مدة وخطاب الانتخابات بما يتجاوز قوة أصواتهم. وقد بدأت الأحزاب القيادية الكبرى والمركزية تغيير خطابها وحتى أحزاب اليمين الأكثر وسطية غيّرت مواقفها الأيديولوجية لسبب أو لآخر، لذلك أصبحت الأحزاب المتطرفة والمعادية للأجانب من صانعي اللعبة السياسية.

في تركيا لا يوجد حتى الآن أحزاب مماثلة لتلك التي في أوروبا سواء من حيث المفهوم أو الهيكلية. وتحاول الأحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري ملأ هذا الفراغ بالخطاب والوعود العنصرية الشعبوية. وبما أن هذا الأسلوب نجح في أوروبا، تأمل المعارضة في تركيا أن يكون هذا التكتيك ناجعًا في زيادة عدد الأصوات وتحقيق نصر سياسي. وفي الواقع، لا يزال هذا التكتيك معتمدًا. ولكن المعارضة فقدت نوعًا ما مصداقيتها بسبب الوعود غير العقلانية وخطابها الفاشل وأفعالها التي تُناقض خطابها الحزبي.

من جهته، بدأ أوميت أوزداغ عملية سياسية لملء هذا الفراغ عن طريق تقليد التجربة الأوروبية بحذافيرها خطابًا وتكتيكًا. ولكن من خلال خطابه القاسي والمتطرف القائم فقط على الشعبوية المعادية للأجانب انخرط أوزداغ في المعادلة السياسية التي كانت المعارضة تحاول احتكارها

في هذه المرحلة، تتمثل استراتيجية أوزداغ البسيطة في الإدعاء أن المهاجرين يمثلون تهديدًا على "المجتمع، والثقافة، وقيم العائلة، ومواطن الشغل والغذاء"، والنقاشات السياسية في أغلبها تدور حول هذه القضية. ويحاول أوزداغ تقديم نفسه على أنه السياسي الوحيد الذي يدرك هذا التهديد، وأنه يتحدث بصدق عن هذه المشكلة ويدافع عن مصالح أولئك الذين لا صوت لهم. وهذه الاستراتيجية بالتحديد مستمدة من سياسة مستوردة بالكامل من أوروبا.

صورة
يسأل أوميت أوزداغ، رئيس حزب النصر، صاحب متجر سوري في إزمير عما إذا كان سيعود إلى بلده وطلب من مواطن سوري تركي إظهار بطاقة هويته.

صراع المعارضة مع الشعبوية

إن الأمر الملفت للانتباه فيما يفعله أوزداغ هو استراتيجيته في انتقاد المعارضة والحكومة. وهذا الخطاب لا يختلف عن خطاب نظرائه الأوروبيين. ينتقد الفاعلون الشعبويون المعادون للأجانب في أوروبا الشركات والأحزاب الكبرى سواء كانوا في السلطة أو المعارضة. ويقوم انتقاد المعارضة على مواقف تمزج بين "النفاق" و"الشعبوية" المأساوية. ويتهم أوزداغ المعارضة بوضع هذه القضية على جدول الأعمال لمجرد جذب الناخبين وحتى إن كانت تصرفاتها تتعارض مع خطابها ووعودها.

تعد هذه الممارسات من دعائم الاستراتيجية المذكورة أعلاه. يحاول أوزداغ جرّ المعارضة إلى طرفي النقيض مع علمه بأن هذا غير ممكن. ولن يتمكن من القيام بذلك بسبب قيود المعارضة، وحتى لو نجح، فإنه يدرك أنه يستطيع زيادة المسافة بينهم. بهذه الطريقة، يحاول أوزداغ أن يقدم نفسه (أو استراتيجيته) على أنه الحل الوحيد لمشكلة المهاجرين.

تأتي الاستجابة الأكثر أهمية على استراتيجية أوزداغ من قِبل المعارضة التي أعربت عن عدم ارتياحها من احتكار أوزداغ المساحة الشعبوية الخطابية التي تحتلها بشكل مريح. يدرك كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الخير أنه من أجل الوصول إلى شرائح مختلفة من الناخبين فإن الخيارات المتاحة أمامهم فيما يتعلق بالشعبوية المعادية للأجانب محدودة ولا يمكنهم النسج على خطى أوزداغ. لهذا السبب، تم استبعاد أوزداغ لانتقاده المعارضة واتهم بأنه موالٍ للحكومة.

لا تزال هناك فرصة أمام المعارضة، ألا وهي العودة إلى السياسة والخطاب العقلاني إلى جانب استهداف الجمهور الذي يخاطبه أوزداغ ومحاولة استمالته

لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته المعارضة في بروز أوزداغ. لو أن المعارضة جعلت قضية الهجرة جزءًا من خطابها متبعةً مقاربةً أكثر عقلانية بدلا من الخطاب الشعبوي المعادي للأجانب والوعود غير الواقعية من أجل جذب الناخبين، لحصلت على أصوات أكثر ولأجبرت الحكومة على اتخاذ خطوات ملموسة في المنطقة. ولكن من خلال استراتيجية معاكسة ظهر خصم  للمعارضة متطرف وشعبوي ولا تحكمه أي قيود. وقد كشف هذا القصور في الرؤية عن منافس جديد للمعارضة أكثر قدرة على جذب الجمهور المستهدف.

من المحتمل أن يصبح أوزداغ لاعبًا دائمًا في الساحة السياسية على المدى الطويل، مع تبينه موقفها متطرفا أو بالأحرى يمينيا يجعله شعبويًا متطرفا كارها للأجانب. إن قضية المهاجرين في تركيا وما تسببه من مشاكل والإحباط الناجم عنها لا يمكن أن تحل من تلقاء نفسها. لا بد من ضمان السلام والاستقرار الإقليميين، وهذا ممكن بتوافق آراء الفاعلين الدوليين بما في ذلك تركيا. وعلى المدى القصير، لا يبدو أن مثل هذه المصالحة ممكنة. لذلك، يمكن القول إن الموقف السياسي الذي يتبناه أوزداغ يمكن أن يصبح دائما. ومن بين الأسباب الرئيسية لذلك انتشار الخطاب الشعبوي المناهض للأجانب والمعارضة التي تتجاهل الأبعاد الخطيرة لهذه السياسة في سبيل تحقيق مكاسب سياسية.

لا تزال هناك فرصة أمام المعارضة، ألا وهي العودة إلى السياسة والخطاب العقلاني إلى جانب استهداف الجمهور الذي يخاطبه أوزداغ ومحاولة استمالته مع أنه لا يوجد حدود للخطاب المتطرف الذي يريد أوزداغ استدراج المعارضة إليه، خاصة أن تنامي هذا التطرف سيكون مفيدًا لأوزداغ. وبسبب القيود المفروضة على الأحزاب التي تستهدف الجماهير العريضة والقيود المفروضة على أوزداغ نفسه، فإنه من الممكن للمعارضة أن تتوقف عن اتباع طريق مسدود وتحد من مرونة أوزداغ وتقربه منها. ومن الممكن منع تأثير الشعبوية المعادية للأجانب في تركيا وصعودها المحتمل سواء من حيث عدد الأصوات أو الخطاب.

المصدر: كريتر