فيما علمنا من تاريخ القانون أن الدساتير تؤرخ لمراحل تحول عميقة تنهي مرحلة وتعلن أخرى وتقودها، وكان هذا ينطبق على دستور 1959 التونسي إذا أعلن دولة مستقلة ونظم حياتها حتى تبين أنه لم يعد ملائمًا لمرحلة جديدة وأنه استوفى مهمته كنص جامع خاصة بعد تعديلات تركيز السلطة بيد الرئيسين الأول والثاني.

وكان هذا المأمول من دستور 2014 الذي أعلن كدستور للحرية بتجديد مؤسسات الدولة عبر توزيع السلطة ومنع هيمنة طرف واحد على إدارة الشأن العام، وقد حصل إجماع منذ إقراره على أنه دستور لمرحلة جديدة ميزتها حماية الحريات وصناعة المواطن الحر لا المواطن المطيع، لذلك فإن سؤالًا يعود ونحن ننتظر نتيجة استفتاء معروفة مسبقًا: لمن صيغ دستور قيس سعيد في سياق بناء الإنسان الحر في زمن الحريات المطلقة؟

خلاف بشأن أهمية الحرية

إننا نعيد اكتشاف جزء كبير من النخب ومن الشعب بعد الانقلاب، فقد خدعتنا الجمل الرومانسية التي قالها الجميع لحظة المصادقة على دستور 2014 عندما أعلن الجميع إيمانهم بالحرية، ربما كانت لدينا استعدادات لخداع أنفسنا لكن الحال واحدة، نحن نشهد حماسًا نخبويًا وشعبيًا أكثر مما توقعنا لمشروع قيس سعيد، رغم أنه مشروع يعدم الحريات، إذ يعيد تركيز السلطة بين يدي شخص واحد وقد منح الرئيس صلاحيات إمبراطور.

يتوقع كثيرون أن نسبة المشاركة في الاستفتاء ستكون ضعيفة (أكثر المتفائلين يقول بمشاركة مليون ناخب)، لكن مهما كان العدد المشارك فإنه ردة على دستور الحريات وميل رجعي إلى حكم مستبد، وهنا المفاجأة، الحرية ليست مسألة مجمع عليها في تونس.

كان يمكن القبول بتبريرات الترحيب بالانقلاب بصفته "حركة تصحيحية" لوضع فشلت حكومات ما بعد الثورة في الرقي به، لكن أن يتوسع الانقلاب إلى محو دستور وإحلال آخر محله مناقض له تمامًا وأن يلقى ترحيبًا من بعض النخب، يحتاج فهمًا لنوع النخبة التونسية وطرق تفكير قطاع واسع من الناس نراها مستبشرة ومتحمسة لما يجري.

عوام الناس تقودهم جيوبهم/بطونهم/غرائزهم، فيقولون الحرية لا تجلب الخبز للفقراء وهي إجابة غريزية يمكن تفسيرها (لا تبريرها) بموروث السياسات القمعية السابقة التي وفرت الخبز ولم تشغل الناس بالسؤال عن ثمنه الأخلاقي، لكن ما حجج النخبة التي عانت من القمع لترتد عن حريتها؟ إنها نخبة ما قبل الحريات، إنها نخبة قديمة مستهلكة أو مستنفدة الصلاحية.

ميراث القمع صنع خيال المقموعين

نستعيد وقائع السنوات العشرة قبل الانقلاب، فنجد أن أعلى الأصوات صراخًا بالحرية حينها هي أعلى الأصوات المرحبة الآن بقمع الحريات في الدستور الجديد، نكتشف حجم منافقة الحرية ودعاتها، ونكتشف ميوعة هؤلاء أيضًا وسهولة انخداعهم بما عرض الحرية إلى انتكاسة (بل نكبة حقيقية لم نر حجمها بعد).

كان في أذهان الجميع وسيلة واحدة هي وضع نص يحمي الحريات، لكن النص وضع وحظي بالتمجيد، لكنه لم يحمها بل سهل الردة عليها، فقيس سعيد مر من فجوات الحرية في دستور 2014.

جزء مهم من النخب تربى على الطاعة والصمت وبنى خياله السياسي على ذلك، فلم يرتق إلى تخيل نفسه في الحرية، لذلك سارع إلى الانقلاب لأنه يرمم صورة العالم المنظم على الخضوع والطاعة، أي أنه جزء رجعي رافض للتقدم ووسائله أي الحرية.

إن تقاسم السلطة بين مراكز التنفيذ والتشريع كما خططها دستور 2014 وعمل على تطبيقها قد أحدث رجة في أذهان متكلسة، فرأت في ذلك اضطرابًا في مؤسسات الدولة ولم تر ولا نظنها كانت قادرة على رؤية الرقابة المتبادلة بين السلطات بحيث لا تطغى واحدة على أخرى (حتى لما كانت الرئاسات الثلاثة تحت يد حزب واحد في فترة 14-19).

الثورة التي رجت البلد توقفت عند حدود هذه العقول النخبوية المحافظة والرجعية في تصوراتها، فاخفت عجزها حتى واتتها فرصة الردة، فهي مزدهية بما يكون من الديكتاتور القادم.

المثير للاستغراب والسخرية في نفس الوقت أن النخب اليسارية والحداثية المغرمة خاصة بنموذج الثورة الفرنسية وحرياتها المطلقة هم الأكثر فرحًا بالردة عن الحريات في تونس، وكان المتوقع أن ترتد الحركة الدينية أولًا، لكن ما نعاينه الآن أن الحركة الموصومة بالرجعية والظلامية هي آخر المدافعين عن الحريات في وجه الردة الدستورية.

ليس لدينا هنا تصور قانوني (وما جدواه إن وجد بعد خراب مالطة؟) لحماية الحريات وتسليحها بمخالب وأنياب، لكن اليقين أن أعداء الحرية تسربوا جميعهم من ثقب دستور فكر أو ظن أن الإجماع على الحرية إجماع حقيقي، وثمن هذه السماحة (أو الطيبة الغبية) يدفع الآن بالحاضر.

هذا الفرز يكلفنا كثيرًا

يمكن التعزي مؤقتًا بنتيجة أولى للانقلاب هي أن عمق الفرز بين أنصار الحرية وأعدائها ومنافقيها والخائفين منها، لكنه فرز مكلف، ثمن رفع الصخرة مرة أخرى إلى قمة الجبل يكلف وقتًا وجهدًا ونتوقع أنه سيكلف دماءً أيضًا.

نحن نعاين انقلابًا عاجزًا عن توفير الخبز ويعمل على وئد الحريات وفشله الاقتصادي والاجتماعي سيدفعه (وهذا ليس توقعًا خارقًا بل معتادًا) إلى المزيد من القمع ليستمر، والذين كانوا يقولون إن الحريات لا توفر الخبز سيجدون أنفسهم بلا خبز أولًا (وقد وصلوا المرحلة بسرعة) وبلا حرية ثانيًا.

السؤال سيوجه قريبًا إلى الهاربين من الحرية إلى سلطة الفرد المطلقة ولا نراهم يجدون إجابة إلا بمزيد من ترذيل الحرية، لأن مراجعة الموقف تقتضي أولًا شجاعة أخلاقية وتقتضي ثانيًا قدرة فكرية عالية وهي لم تتوافر لهم ولم يسعوا فيها، فكانت الردة أقرب إليهم من التقدم.

عندما ينتبهون فعلًا إلى أن ثورة قد وقعت وغيرت منوال التفكير لدى قطاعات واسعة تعيش بجوارهم، سيكون الوقت قد تأخر كثيرًا على توبتهم، لكنهم سيظلون دومًا مثل كرة الحديد المربوطة في رجل سجين هرب من سجنه تعطل سيره.

كرة الحديد والسلسلة هي التي ستذهب للتصويت بنعم على دستور قاتل للحريات كحل أخير كي لا يواجهوا خوفهم من الحرية، ذلك الخوف يقتل صاحبه والحرية تتربص بالخائفين.