تطوّرَ النموذج السائد لأفلام الرعب في الفترة الأخيرة، بحيث أضحى الاهتمام بتأسيس العالم والشخصيات داخل سيناريو جيد، يتساوى تقريبًا مع الشكل والأنماط البصرية والثيمات المرئية التي تلتحم مع القيمة الأدبية للسيناريو، ليخرج في النهاية منتج إبداعي متعدد الطبقات.

ونلاحظ هذا في صيحة أفلام الرعب التي توجهت بشكل واضح للرعب النفسي، متجاوزة الجسدي والسطحي، ومتوغّلة أكثر داخل الوعي والمخاوف الداخلية والعاطفية، وفي الوقت ذاته لا تخلّف الجسدي وراءه، فهو ما زال الوسط الذي يختبر من خلاله التجربة أو الظاهرة.

يعود المخرج سكوت ديركسون إلى نوعية الرعب، لونه السينمائي المفضّل بعد أن تركه لسنوات من أجل خوض تجربة مختلفة، نجح خلالها في تقديم شخصية محورية في عوالم مارفل للأبطال الخارقين، وهي شخصية دكتور سترينج.

بيد أنه يرجع مرة أخرى إلى مساحته المفضّلة، بعد أن أثبت نجاحه بمشاريع سابقة مثل The Exorcism of Emily Rose عام 2005، وSinister عام 2012، بالإضافة إلى مشاريع لأفلام أخرى أخرجها وشارك في إنتاجها أغلبها ينتمي إلى نوعية الرعب، ليعود ويقدّم تجربة جديدة مقتبَسة عن قصة للكاتب الأمريكي جو هيل تحمل اسم الفيلم نفسه "الهاتف الأسود (The Black Phone)".

صورة

تدور القصة في سبعينيات القرن الماضي بولاية كولورادو الأمريكية، حول رجل غامض يلقّبه سكان المدينة بـ The Grabber أو المختطف (الممثل إيثان هوك)، يبثّ الرعب في أروقة المدينة من خلال تدبيره لعدد من حوادث اختطاف صبية مراهقين، يزجّ بهم داخل شاحنته السوداء وينقلهم لمكان مجهول، وتكررت تلك الحوادث على نحو متسلسل ومبهَم، حتى نُسجت الأساطير حول هيئة الخاطف وقدرته الخارقة.

يرصد فيلم ديركسون واقعة الاختطاف الأخيرة لصبي مراهق يُدعى فيني (الممثل ماسون ثاميس) من قبل رجل مجهول، ليجد فيني نفسه داخل قبو عازل للصوت، يحاور شخصًا يختبئ خلف قناع مروّع يخفي هويته، فيما يمارس ألاعيبه النفسية والجسدية على الصبي الصغير.

يحاول فيني الهروب من المصير الذي انتهى إليه أصدقاؤه السابقون من خلال الاتصال بالضحايا السابقين عبر هاتف أسود معلَّق على الجدار، في مكالمات هاتفية تأتي من العالم الآخر، ترشده وتحذّره من المصير والفخاخ التي يخلقها الرجل ليلبّي رغبته الغامضة، والتي تأخذ شكل ممارسات متطرّفة، يتلاعب خلالها بالضحية حتى يحين وقت موتها.

يستحضر ديركسون قدرًا جيدًا من أجواء حقبته، يهتمّ بأشكال الملابس وأنماط البيوت ووسائل النقل، يخلق مناخًا يتوافق مع الحقبة الزمنية على مستوى الألوان، يحاول التأسيس لشخصياته بحيث لا تكون مقحَمة داخل السرد، فيخلق 3 خطوط سردية تسير بمحاذاة بعضها، الشيء الجيد هو المزج بين الواقعي والخيالي، حيث اثنين من خطوط السيناريو الثلاثة يتعلق بالروحي والماورائي، أي أن جزءًا كبيرًا من القصة يعتمد على الخرافة واستحضار الأرواح.

لكن على الجانب الآخر فضّل ديركسون أن يقدّم شخصيات مبتورة، وهذه مشكلة أساسية في السيناريو ربما جعلت التجربة أخفّ من الناحية النفسية، حيث هناك شخصيتَين أساسيتَين لا نفهم ما يحرّكهما بشكل منطقي، الشخصية الأولى هي شخصية الخاطف، لا نفهم بشكل حقيقي ما يدفعه لخطف الأطفال وتعذيبهم، مع عدم الإشارة للمرض النفسي حتى، لذا بدا الأمر كشرّ مطلق.

ربما هذا يبدو منطقيًّا في عوالم الرعب، فهناك شخصيات تخلق في هذه النوعية لتكون شرًّا مطلقًا، وبيد أن هذا النوع من الشخصيات حتى لو تمَّ تقديمه بأسلوب بصري ممتاز سيفتقد للعمق وسيتعرّض للتسطيح بسهولة، لأنه بلا جذور حقيقية، ربما أراد المخرج العودة لطريقة الكتابة السبعينية نفسها، وفورة الدماء، وهيبة الشخصيات الشريرة التي تميّزت بأسلوب ثيمات بصرية حوّلتها إلى أيقونات تاريخية في مجال الرعب.

يتّضح ذلك مع التحية التي يوجّهها ديركسون لأيقونة الرعب، فيلم The Texas Chainsaw Massacre عام 1974، ولكن الحقيقة أن الأمور لم تسِر على ما يرام، فقد افتقدت الشخصية للزخم والاندفاع المطلوبَين اللذين ينبعان من الداخل، ولولا الأداء الرائع للممثل العظيم إيثان هوك بجانب حِرَفية خبير المكياج توم سافيني في خلق هوية للشخصية عبر صنع بارع للقناع بنمط بصري يدمج الخوف بالهيبة، لضاعت هوية الفيلم ذاتها، لأنها تتمحور حول القاتل، فالشخصية تتميز بالشكل والحركة والأداء المناسبين، ولكنها خاوية من الداخل، مع الإشارة إلى أن هذا الخط السردي هو الخط الوحيد المرتبط بالواقع داخل الحكي، باقي الخطوط تحوم في منطقة العالم الآخر.

صورة

يقع الخط السردي الثاني في حيّز الخرافة، وهو خط الفتاة الصغيرة جوين (الممثلة مادلين مكغراو)، الأخت الصغرى للصبي المخطوف فيني، التي تحلم بأحلام تمنحها إشارات وعلامات للاستدلال على مكان أخيها وشخصية الخاطف.

حاول ديركسون أن يعوّل على مساحة الخرافة عبر خلق شخوص تبدو ممسوسة، ولكن بطريقة مغايرة تمامًا عن الشكل السائد للمسّ الشيطاني أو الروحي، فالأصوات والرؤى الماورائية لا تبدو مخيفة أو مروّعة، إنما تكون بمثابة المرشد والحارس، وهذا يختلف عن النمط السائد للكيانات الماورائية والأصوات التي تلاحق البشر من العالم الآخر، فالسائد داخل النوعية أن يمثّل البشر طبيعة خيّرة، والمسّ أو كيانات العالم الآخر تجسّد الطبيعة الشريرة والمتمردة، حيث تنعكس الأمور هنا، فالطبيعة البشرية تنحدر لما هو أسوأ من العالم الآخر، كإشارة أن الشرَّ الحقيقي يقع داخل الإنسان، ولكن على النقيض لم يؤسِّس ديركسون لوجود هذا الحيّز الميتافيزيقي، واكتفى بالإشارة داخل سياق الحكي لوالدة الطفلَين كشخصية ممسوسة.

إلا أننا لم نرَ جذور هذا المسّ، وأسباب حضور هذه القوى الخاصة التي تخترق حاجز العادي، وتنتهك الواقعي كجزء من الحكي، هذه النقاط هي علامات استفهام أساسية، جعلت الشخصيات تنتمي إلى الظاهر من الحكي، إلى سطح منسوج بعناية ولكن عند محاولة تفكيك الشخصيات سنجدُ الكثير من الأسئلة التي تخلّف فراغًا وراءها.

اعتمد ديركسون على موتيفات الصوت بشكل كبير وواضح لصقل سرديته ودفع الأحداث نحو الأمام، فثيمة الصوت لا تمثل مجرد عنصر مكمّل للفيلم، بل تنجح في تكوين خط سردي كامل يربط الواقعي بالخيالي، ويحفّز أفعال البطل، كجسر بين عالمَين، ينقل المعلومات من نسق مفتوح يعتمد على المخيال، إلى نسق آخر واقعي وضيّق ليحفّز أفعالًا بعينها، وهذا ما يميز الفيلم عن أقرانه، هو الاستخدام المغاير لموتيفات الصوت من خلال وجود الهاتف على الجدار كوسيط لأرواح الضحايا، ونقل المعلومات بسلاسة وبأقل قدر من المباشرة إذا استلزم الأمر.

ولكن هذه المميزات لا تكفي لصنع فيلم جيد، فالمخرج آثر خلق عدد كبير من الشخصيات، ولم يهتم بحضورها في السيناريو إلا بجُمل قصيرة كرسائل، كأنه يستحضر خزانة الذكريات، كل شخصية تتقاطع حياتها مع حياة البطل فيني، ولكن هذه اللقطات القصيرة لا تكفي لخلق علاقة بين الجمهور والشخصية، فبدت كشخصيات عارضة، كان من الممكن أن يمنحها بعض الوقت على الشاشة، أو حتى يخلق دافعًا للخاطف أن يستهدف هؤلاء الصبية، ولكنه لم يفعل ذلك، وقصر علاقتها بالحدث على الرسائل المحفّزة للبطل، وهذا كان جيدًا على أي حال.

صورة

الشيء الأجمل في الفيلم هو تلاقي الموتيف الصوتي الذي يستخدمه فيني، والموتيف البصري -على هيئة رؤى وأحلام- التي تستخدمها أخته جوين، حيث تضفير الخطَّين ليصلا في النهاية إلى نقطة التلاقي، ودمج الموتيف الصوتي ليتحوّل إلى عنصر في إطار بصري أكثر كشفًا وأشد شمولية، كانا مميزَين.

تمّ المزج بين عالمَين وخطَّين سرديَّين معًا بذكاء شديد، دون الوقوع في فخّ المباشرة او الاستسهال، رغم أن حوار الأصوات من العالم الآخر مع الفتى الصغير كان حوارًا طفوليًّا ووعظيًّا، وهذا يمكن تجاوزه لأنهم أطفال ومراهقين بالفعل، لا يتّسمون بالنضوج الكافي لرفع مستوى الحوار، بجانب إزاحة المخرج للكبار والناضجين من الصورة إلا في هيئة الشر المطلق، كأنه يقصي الكبار بشكل شبه كامل من الصورة، ويسقط ذلك على تدنّي قيمتهم داخل المجتمع من حيث التطور وتوافق العقول بين جيلَين مختلفَين لا يمكنهم الثقة في أحدهم الآخر.

إلى جانب ذلك، هناك شيء استثنائي يتعلق بهذا الفيلم، هو التطويع الممتاز للقناع الذي يرتديه الخاطف كأداة للتعبير عن حالته النفسية، أو كإشارة لما سيحدث في اللحظات القادمة، وانقسام القناع إلى نصفَين يمكن تغيير أحدهما منحَ القناع قيمة إضافية من الناحية البصرية والرمزية، فحمّل الفيلم معاني إضافية.

في النهاية لا تتجاوز التجربة أكثر ممّا هو متوقع منها، توفِّر التسلية المطلوبة بالإضافة إلى جرعة لا بأس بها من الإثارة والتشويق والتوحُّد مع العمل، بجانب الأداء المميز للممثلين، خصوصًا لإيثان هوك. يُعرَض الفيلم الآن في السينمات ودور العرض داخل العالم العربي.