منتصف يوليو/تموز الحاليّ، التقى صدام حفتر نجل اللواء خليفة حفتر بإبراهيم الدبيبة ابن أخ رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة، وتم اللقاء القصير في دولة الإمارات برعاية مسؤوليين إماراتيين.

بناءً على هذا اللقاء، حصلت توافقات جديدة بين قطبي الصراع في ليبيا وهما حفتر الماسك بزمام الأمور في الشرق والدبيبة الذي يسيطر على الغرب، توافقات لم تكن تخطر ببال أحد لكن في السياسة الكل مُباح في سبيل تحقيق الأهداف.

لكن السؤال المطروح الآن ويتبادر إلى أذهان العديد من الليبيين ومتابعي الوضع الليبي مفاده: أي تأثير لهذه التوافقات على الوضع العام في البلاد؟ والأهم أي تأثير لها على باقي أطراف الصراع ونخص بالذكر رئيس البرلمان عقيلة صالح ورئيس الحكومة المكلف من الشرق فتحي باشاغا؟

تحالف الدبيبة وحفتر

سرعان ما رأينا مخرجات الاجتماع الذي عُقد في الإمارات، إذ تمت إقالة رئيس مؤسسة النفط مصطفى صنع الله - الذي يقود قطاع النفط بشكل مباشر منذ سنة 2015 - وهو المحسوب على معسكر الغرب وأحد أعمد حكم الدبيبة، واستبداله بفرحات عمر بن قدارة، وهو من أبرز المقربين لخليفة حفتر.

ردّ الشرق مباشرة على هذه الخطوة بإنهاء إغلاق الحقول والموانئ النفطية المتواصل منذ 3 أشهر، رغم أن مطلب الجماعات التي تغلق الحقول لم يتحقق وهو تسليم الدبيبة الحكم لرئيس الحكومة المعين من البرلمان فتحي باشاغا.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ عرفت الأيام القليلة الماضية لقاء رئيس الأركان العامة بحكومة الوحدة الوطنية محمد الحداد ونظيره عبد الرزاق الناظوري ممثلًا عن المنطقة الشرقية، في طرابلس لأول مرة، وهو ما يعتبر تقدمًا مهمًا وتوافقًا كبيرًا بين قيادتي حفتر والدبيبة.

أكدت هذه الاشتباكات أن توافقات حفتر ودبيبة لن تصنع سلامًا دائمًا، فالكتائب المسلحة سواء في الشرق أم الغرب دائمًا ما تتصارع على مناطق السيطرة والنفوذ

هذا اللقاء الذي تم بناء على توافقات الإمارات أفرز تفاهمات مهمة لم تكن لتكون لولا التحالفات الجديدة، حيث توصلت اللجنة العسكرية المشتركة "5+5" إلى توافقات على طريق توحيد المؤسسة العسكرية، وتضم اللجنة 5 أعضاء من المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة الوحدة في غربي البلاد و5 من طرف قوات الشرق الليبي بقيادة حفتر.

بناءً على ذلك، تم التأكيد على الرفض التام والمطلق للعودة إلى الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد ونبذ العنف والدعم الكامل لمدنية الدولة وإبعاد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية، مع ضرورة خروج المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من البلاد.

وبالتالي قد  تشهد ليبيا في قادم الأيام بعض الاستقرار خاصة على المستوى الأمني، فحفتر يتحكم في أكبر الجماعات المسلحة في شرق البلاد وجنوبها، أما الدبيبة فهو من يمسك بزمام الأمور في الغرب.

يمكن أن يرتاح الليبيون ولو قليلًا من الاشتباكات وصوت الرصاص الذي صمّ آذانهم خلال السنوات الأخيرة، فدائمًا ما تشهد ليبيا صراعات دامية بين مختلف الجماعات المسلحة التابعة للمعسكرين في إطار رغبة كلاهما في تحقيق امتيازات على الأرض.

الاستقرار الذي سيتحقق بناء على هذه التوافقات لن يكون قويًا وسيكون هشًا، فأغلب المجموعات المسلحة التي تقاتل إما إلى جانب حفتر وإما إلى جانب الدبيبة، لا تواليهم الولاء التام وإنما عملهم يكون لمن يدفع أو وفق مصالحهم، يعني إن لم يجدوا مصالحهم مع حفتر أو الدبيبة يمكن أن يغيروا الولاء لغيرهم.

نعلم أن أغلب الجماعات المسلحة تقتات بوجود الصراعات والأزمات لذلك ليس من السهل عليها أن ترى الوضع مستقرًا، ما يعني أن بعض الجماعات من الممكن أن تخلق صراعات دون معرفة سببها وذلك حتى تعم الفوضى في البلاد.

وقبل نحو أسبوع، شهدت العاصمة طرابلس اشتباكات بين مجموعات مسلحة، راح ضحيتها 16 قتيلًا - بينهم 3 مدنيين وألحقت أضرارًا ببيوت السكان وسياراتهم -، وجدت الاشتباكات في أحياء الفرناج والسبعة وطريق المشتل وعين زارة، بين "قوة الردع ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة" بقيادة عبد الرؤوف كارة والحرس الرئاسي بقيادة أيوب أبوراس، الذي كان يسمى "كتيبة ثوار طرابلس"، على مدى يومين.

وجد باشاغا وعقيلة نفسيهما في مأزق أمام التحالفات الجديدة بين الدبيبة وحفتر، وما عليهما إلا الاستجابة للأمر الواقع ومحاولة الحفاظ على نفوذهما

أكدت هذه الاشتباكات أن توافقات حفتر ودبيبة لن تصنع سلامًا دائمًا، فالكتائب المسلحة سواء في الشرق أم الغرب دائمًا ما تتصارع على مناطق السيطرة والنفوذ، حتى تزيد قوتها، وتتأثر هذه القوات بالانقسام السياسي أيضًا، وهو ما يدعو إلى القلق.

ماذا عن صالح وباشاغا؟

هذه المناوشات والاشتباكات المتفرقة من الممكن أن يستغلها فتحي باشاغا المكلف برئاسة الحكومة من البرلمان، ذلك أن تواصل التحالف بين حفتر والدبيبة يعني حتمًا انتهاء مشروع باشاغا الراغب في السيطرة على العاصمة طرابلس بمعية رئيس البرلمان عقيلة صالح.

حصل باشاغا على الضوء الأخضر لاقتحام العاصمة من حفتر وصالح، لكن فشله في ذلك أكثر من مرة حتم على حفتر عقد تحالفات أخرى، وهو ما أثر كثيرًا على باشاغا وصالح، فقوتهما الميدانية يستمدانها من حفتر.

يدرك باشاغا جيدًا أن حفتر اختاره لمنصب رئاسة الحكومة بغية دخول طرابلس معه والسيطرة عليها بعد أن فشل في ذلك في أبريل/نيسان 2019 وتصدي قوات حكومة الوفاق بقيادة فائز السراج لعدوان حفتر على العاصمة.

فشله في دخول العاصمة بالقوة أو سلميًا، يؤكد أنه لم يعد يمتلك شيئًا لتقديمه لحفتر، وما عليه إلا الاستسلام للأمر الواقع، خاصة أن حليفه الثاني عقيلة صالح لا يمتلك أي قوة عسكرية على مستوى الأرض وقوته مستمدة من حفتر، خاصة أنه تم اقتحام البرلمان مؤخرًا وإحراق جزء منه.

هذا يعني أن باشاغا وعقيلة وجدا نفسيهما في مأزق أمام التحالفات الجديدة بين الدبيبة وحفتر، وما عليهما إلا الاستجابة للأمر الواقع ومحاولة الحفاظ على نفوذهما الذي بدأ يتقلص حتى لا يتم إقصاؤهما من المشهد السياسي كليًا.

لكن هذا أمر غير مستبعد أن يعملا على التشكيك في نية حفتر والدبيبة من وراء التحالفات الأخيرة وبيان سعي الطرفين للحفاظ على نفوذهما وقوتهما عوض الاهتمام بمشاغل الليبيين ومطالبهم، خاصة أن ليبيا شهدت قبل أيام مظاهرات كبرى للمطالبة باستبعاد كل الأجسام السياسية.

يمكن أن يتحالفا أيضًا مع بعض التشكيلات العسكرية، خاصة أن باشاغا من مصراتة وهذه الأخيرة تُعرف بعدائها لخليفة حفتر، وهو ما يمثل نقطة إيجابية إن أحسن باشاغا استغلالها لفائدته، لكن هذا الأمر مرتبط بمدى قدرة باشاغا وصالح على التأثير في هذه المجموعات المسلحة.

في ظل هذا الوضع المتغير يبدو أن ليبيا مقبلة في الفترة القادمة على تغييرات كبرى لها أن تعجل بعملية السلام وتضع حدًا للاقتتال الحاصل في البلاد منذ فترة، ولها أيضًا أن تزيد من حدة التوتر وتنمي مظاهر الفوضى والعنف هناك، فكل شيء وارد.