لم يكن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عشوائيًّا، بل قام وفق مخطط مدروس لسرقة الهوية الفلسطينية، بدءًا من استهداف التاريخ بكل تفاصيله، إلى نهب الثقافة وما تحفظه من كنوز معرفية وتراثية، وصولًا إلى تعزيز الرواية الإسرائيلية المزيَّفة.

منذ البداية كانت المعركة مع المحتل الإسرائيلي بالأساس حربًا على الهوية، لذا بقي ينسب كل شيء فلسطيني إليه، من مأكولات وأزياء، وحتى الطقوس التراثية سرقها، وحين حطَّ رحاله على أرض فلسطين وجد كنزه الثمين في مكتباتها العامة والمنزلية، فسرق الكتب والمخطوطات التي تحكي تاريخ بلدة قديمة شهدت صولات وجولات مع الغزاة، فحرق جزءًا منها لطمس وتشويه تاريخها، وسرق الآلاف ونسبها إليه ليصنع تاريخًا له.

وفي عام النكبة سرق المستوطنون مقتنيات الفلسطينيين بعد تهجيرهم، فمن مدينة يافا وحدها حملوا 20 ألف رطل من البضائع، 5 آلاف شاحنة عبارة عن مسروقات من الكتب والمخطوطات والصحف.

نُهبت تلك الكتب والمخطوطات بطريقة منظَّمة وفردية، ويقدَّر عددها بنحو 80 ألفًا، أكثر من ثلثها نُهب من القدس وحدها، ونحو 30 ألفًا من هذه الكتب والمخطوطات نقلت إلى المكتبة العبرية تحت "قانون أملاك الغائبين"، منها مخطوطة لسُوَر من القرآن تعود للقرن العاشر الهجري، وكتاب "تهذيب الأخلاق" عمره أكثر من قرن، وما تبقّى من المقتنيات المسروقة إما بيع كنفايات ورقية وإما أُعيد بيعه لفلسطينيي الأراضي المحتلة ومدارسهم.

وتعتبر "إسرائيل" هذا النوع من السرقات محاولة لتصويب الخطأ أو دحض التزوير العربي بحقّ اليهود، وهو جهد مكمِّل لما بذله المستشرقون الغربيون الذين جابوا المشرق العربي للبحث عن مكامن الضعف في الموروث الثقافي والحضاري، والاستثمار فيها بما يخدم مآرب الاستعمار، وتبديد الحق العربي ونفيه من الأرض، ومحو أي أثر أو ذكر له من الجغرافيا والتاريخ.

يمكن الاستدلال على مكان الكتب المنهوبة من عدة مؤشرات دالة على أماكن الاحتفاظ بها وتخزينها

منذ بداية عملية السرقة، أدرك الفلسطيني ما يجري من نهب لمخطوطاته وكتبه التاريخية التي تعود لعشرات السنين، فعمل على استعادتها بعدة طرق، نستعرضها عبر "نون بوست" في السطور التالية.

مكان الكتب المسروقة

ضمن وقائع الحرب عام 1948، اقترفت العصابات الصهيونية العديد من المجازر، ومن ضمنها نهب الموروث الثقافي والحضاري الفلسطيني، وفي صميمه محتويات المكتبات العامة والخاصة، كمكتبة خليل السكاكيني والكرمي، ومكتبة محمد إسعاف النشاشيبي الغنية بالكتب النفيسة والمخطوطات النادرة، مثل مخطوطة للقرآن الكريم كُتبت بماء الذهب، ومكتبات هنري قطان، حنا عطا الله، عارف حكمت النشاشيبي، المحامي ساعة، فرنسيس خياط وهاكوب مليكيال، أيضًا مكتبة الشقيري في عكا، ومكتبات العديد من المدارس والكنائس والمؤسسات التربوية.

يقول عيسى قراقع، رئيس المكتبة الوطنية الفلسطينية، لـ"نون بوست"، إنه يمكن الاستدلال على مكان الكتب المنهوبة من عدة مؤشرات دالة على أماكن الاحتفاظ بها وتخزينها، ومن تلك الأدلة فيلم "السرقة الكبرى" للمخرج بيني برونر، حيث أثبت أنها موجودة الآن في مكتبة الجامعة العبرية وبيت الكتب القومي اليهودي والمكتبة الوطنية الإسرائيلية، التي كان موظفوها يرافقون جنود العصابات الصهيونية وهي تهجّر السكان من منازلهم في حيَي المصرارة والقطمون، ويجمعون الكتب من هناك.

وتطرّق إلى شهادة المؤرِّخ الإسرائيلي توم سغيف، المبيّنة في كتاب "بطاقة ملكية" للباحث غيش عميت، والمتضمّنة لوثيقة مهمة تتحدث عن جمع الكتب من قبل موظفي المكتبة الوطنية الإسرائيلية من أحياء مهجورة في القدس، في الفترة الواقعة بين مايو/ أيار 1948 ومارس/ آذار 1949.

وجاء فيها أيضًا أن الجنود أول من اكتشفَ الكتب، وسرعان ما ظهرت شبكة مخابرات تقتفي أثر المكتبات، وسرعان ما تكدّست الطوابق بالكتب، حيث جمعَ موظفو المكتبة الوطنية والجامعة العبرية، بين أبريل/ نيسان 1948 وفبراير/ شباط 1949، 30 ألف كتاب من المنازل الفلسطينية المهجَّرة في القدس، في مجالات القضاء الإسلامي والشريعة الإسلامية واللاهوت والآداب والترجمات والتاريخ والجغرافيا والفلك والفلسفة.

كشف الكتب الفلسطينية في مكتبات الاحتلال

وعن كيفية تمييز الكتب الفلسطينية المسروقة والموجودة في الجامعات العبرية والمكتبة الوطنية الإسرائيلية، أشار قراقع إلى أن تلك الكتب مُيِّزت بالحرفَين "أ.م"، أي "أملاك مهجورة"، ولا تزال تحمل الرمز ذاته إلى يومنا هذا، ويُمنع تداولها خارج مكان حفظها، وما يعنيه هذا الرمز أيضًا أن الكتب يجب أن تُعاد إلى ملّاكها الأصليين، بمعنى أنها مودوعة على نحو مؤقت لأغراض البحث، إلى حين إعادتها لأصحابها الغائبين.

العصابات الإسرائيلية كانت تجبر بعض الأسرى العرب على القيام بعمليات نهب تحت تهديد السلاح للبيوت العربية التي يتمّ تهجير سكانها منها

كما أُودعت غالبية الكتب المنهوبة في قسم الشرق التابع للمكتبة الوطنية، الذي تأسّس عام 1930، ليكون مكتبة بحثية في معهد علوم الشرق في الجامعة العبرية، وفي عام 1950 أصبح القسم يحتوي على نحو 36 ألف كتاب، ما شكّل ارتفاعًا كبيرًا في عدد الكتب التي نُهبت خلال وبعد حرب 1948.

ومن المعروف أيضًا أن العصابات الإسرائيلية كانت تجبر بعض الأسرى العرب على القيام بعمليات نهب تحت تهديد السلاح للبيوت العربية التي يتمّ تهجير سكانها منها، وسرقة محتوياتها بما في ذلك الكتب، فهذه جريمة حرب منظَّمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية، ولا تختلف عن جرائم سرقة الأرض ونهب الموارد الطبيعية.

استرداد المخطوطات والحفاظ على الموجود

ونظرًا إلى مخالفة دولة الاحتلال الإسرائيلي لقواعد القانون الدولي وقواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بمعاملة المدنيين وقت الحرب، بما في ذلك كيفية التعامل مع ممتلكاتهم الثقافية، وتجريم سرقتها وتبديدها أو نقلها من أماكنها والتصرف بها دون وجه حق، أكّد قراقع أن المكتبة الوطنية الفلسطينية شرعت بعملية ملاحقة قانونية، لمحاسبة دولة الاحتلال الإسرائيلي على ارتكابها أكبر عملية سرقة ثقافية في التاريخ، ومخالفة المادة الأولى من اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلَّح عام 1954 (الباب الأول - أحكام عامة بشأن الحماية).

وذكرَ أن المكتبة ستوجِّه من خلال محاميها طلبًا للحصول على ثَبَتٍ بعناوين الكتب المسروقة، ومراجعته من قبل المكتبة الوطنية الفلسطينية، ومطالبة الحكومة الإسرائيلية بإعادته، ودفع تعويض مادي عن الكتب والمخطوطات التي تمَّ إتلافها أو بيعها.

ورغم مساعي الاحتلال في صناعة تاريخ وهوية له على حساب نهب الإرث الفلسطيني والإسلامي ونسبه إليه، إلا أن ما يسرقه بطرق غير مشروعة يكشف زيفه، ويثبت أنه محتلّ لأرض عربية لا وجود له من أساس فيها.