5 دقائق هي الحد الأقصى لهروب الفلسطينيين في قطاع غزة وقت سقوط صاروخ الاستطلاع الذي ينذر بقصف المنزل قبل نسفه وجعله ركامًا، خلال هذه الدقائق المعدودة يتعثّر المهددون بالإخلاء والاستهداف ويفقدون صوابهم محاولين الخروج في أسرع وقت ممكن، لكن مهلًا، ثمة مشكلة تعترض من لديه شخص معاق، فعملية الفرار تحتاج وقتًا وتركيزًا، ما يجعل بعض الأهالي في حالة عجز تدفعهم للفرار أحيانًا دون أبنائهم، والنتيجة إما الموت وإما الإصابة.

ورغم كثرة مشاريع الدعم الدولية لدمج ذوي الإعاقة في قطاع غزة، حيث توفير منح التعليم ووظائف تناسب إعاقاتهم، إلا أنه لا يوجد وسائل حماية وتدريب لهم ولذويهم لإخلائهم وقت الطوارئ، لا سيما من يعانون الإعاقة الحركية والبصرية.

وتُعتبر نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في الأراضي الفلسطينية الأعلى على مستوى العالم، حيث تصل، وفق الإحصاءات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إلى 3.5% من مجموع السكان، وترتفع في قطاع غزة بشكل خاص لتصل إلى نحو 4%، نتيجة الحروب المتكررة، وأكثر من خُمس هؤلاء من الأطفال.

مجددًا، كشف العدوان الأخير على قطاع غزة معاناة ذوي الإعاقة، في قصص كثيرة خرجت من أمّهات يبكين عدم مقدرتهن على إجلاء البيت، لوجود عدد من حالات ذوي الإعاقة فيه، وهنّ بحاجة إلى من يساعدهن في النقل.

ب

مجموعة من الشبان يساعدون مسنة مقعدة على إخلاء برج مهدد بالقصف

في أيام الحرب القليلة، ظهرت السيدة نادية شملخ، تبدو في الستينات من عمرها، وهي تقول: "أمهلونا ربع ساعة للإخلاء، لم أستطع الهروب سريعًا، تعثرت 3 مرات حين سقطت على الأرض، صرخت على الجيران ليساعدوني في نقل بناتي الأربعة من ذوي الإعاقة الحركية"، متسائلة: "أليس هذا ظلمًا؟ أين سأنام مع بناتي من ذوي الإعاقة بعد هدم منزلنا الذي تأقلمن عليه".

ودومًا يعاني معاقو غزة، خلال العدوان العسكري الإسرائيلي المتكرر على القطاع، من الخوف والقلق ويخشون خسارة حياتهم، لا سيما أنه دومًا يرتقي منهم الشهداء، كما جرى في معركة "سيف القدس" في مايو/ أيار 2021، حين استشهد 6 أشخاص لم يتمكّنوا من الإخلاء فباغتتهم الصواريخ، عدا عن أن العشرات منهم فقدوا أدواتهم التي تساعدهم، كالسمّاعة والعكّاز الطبي والكرسي المتحرك.

الاستسلام كرهًا لقذائف الحرب

تتمثل الاحتياجات العاجلة للأشخاص ذوي الإعاقة وقت العدوان في الخدمات الطبية والتشخيصية المتخصصة، مثل التمريض والغيارات وأدوية ومستلزمات طبية ومعقّمات وحفاضات؛ وتقديم خدمات التأهيل الطبي، مثل العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي وخدمات الدعم النفسي الاجتماعي المتخصص؛ وتقديم أدوات المساعدة وضمان الأمن الغذائي، مثل طرود غذائية وحليب وترميم المنازل، ومن ثم تقديم خدمات تأهيل مجتمعي.

في عدوان 2021، اضطر الحاج تيسير محسن (58 عامًا) الخروج من منزله في حي الشجاعية شرق مدينة غزة برفقة عائلته، للوصول إلى إحدى المدارس غرب المدينة، بينما بقي ابنه الذي لم يتجاوز الـ 15 يدفعه في الطرقات الوعرة حتى اهترأت عجلات كرسيه المتحرك البسيطة، قبل أن يصل إلى الأسفلت لتقلّه سيارة عادية.

وصل الرجل بصحبة 8 من أفراد أسرته إلى المدرسة، فلم يجد له مكانًا سوى أسفل السلَّم، فكل عائلة استولت على فصل دراسي، بينما هو لإعاقته الحركية عجز عن توفير مكان لعائلته، بحسب ما أخبر "نون بوست". ويقول: "بقيت مدة أسبوع أعاني داخل المدرسة، فطيلة الوقت عاجز عن توفير أدنى الاحتياجات لأولادي، عند توزيع الطعام والمساعدات الإغاثية يتدافع الجميع للوصول، بينما أقفُ عاجزًا عن التقدم بالكرسي المتحرك، حتى صوتي لا يسمعه أحد من شدّة صراخ النازحين".

وتابع بنبرة انكسار، وهو يروي حكايته: "لا ألوم النازحين بسبب سوء تعاملهم مع وضعي الخاص، لكن تمنيت لو كنت سليمًا أقوى على الحركة بسهولة وقت التصعيد"، مشيرًا إلى أنه فور انتهاء المعركة عاد إلى بيته، وفي المعركة الأخيرة رغم قرب القصف منه قرر عدم الخروج.

في حين تشعر سلمى (28 عامًا)، التي تعاني من إعاقة حركية بالأطراف، بالحرج الشديد خلال العدوان على غزة، خاصة لو كان القصف قريب من بيتها، فهي تعيش برفقة والدتها المريضة وشقيقها، حيث تقول: "عدة مرات احتار أخي من يخرج أولًا من البيت، أمي المقعدة أم أطفاله (..) وأنا لا أستطيع الحركة من دون مساعدة، دومًا أتساءل هل سأنجو وأبقى على قيد الحياة".

مضيفة: "في مرات كثيرة أخلينا البيت لقربه من مكان القصف ونفرّ نحو أحد أقاربنا، وتبدأ معاناتي في الحركة أكثر كوني أحتاج إلى كرسي وفراش من نوع خاص، لكن أصمت ولا أعترض لعدة أيام، رغم أن معاناتي الصحية تتفاقم بعدها".

ن

الشهيد إياد صالحة على كرسيه المتحرك ومعه طفلته الصغيرة

وتحكي لـ"نون بوست" أنها خضعت عدة مرات لتدريبات على الإخلاء وقت الطوارئ، لكن التنفيذ وقت الحدث يكون صعبًا، لأن البيوت والشوارع غير مهيَّأة أمام ذوي الإعاقة، وتسرد موقفًا حدث معها، أنها في إحدى المرات ومن شدة قرب القصف لبيتها، قذفها صوت الصاروخ من سريرها إلى الصالة، ما تسبّب في كسر يديها.

وتتضاعف المعاناة وقت العدوان حين يزيد عدد ذوي الإعاقة في البيت، كما جرى عند استشهاد إياد صلاح المقعد حركيًّا، وزوجته الحامل وطفله، إذ كان يستنجدها طيلة الوقت لتساعده في الهرب، لكن إعاقتها السمعية جعلتها لا تستوعب ما يريده من شدة التوتر، حتى قضت عليهم قذيفة صاروخية.

معاناة مركّبة

بفعل القيود الإسرائيلية على المعابر الفلسطينية، فإن هناك صعوبات يواجهها ذوو الإعاقة في الحصول على أدوات المساعدة، مثل الكراسي المتحركة والمعينات السمعية، ويوجد نقص في تأمين الأجهزة اللازمة من قبل السلطات المحلية وفرق الإغاثة، التي تؤهّلهم لممارسة حياتهم بشكل طبيعي إلى حد ما. 

ويعقّب محمد العربي، الناشط ورئيس نادي السلام لذوي الإعاقة، بالقول: "وقت العدوان على قطاع غزة يعاني ذوو الإعاقة أكثر من غيرهم، لا سيما أنه في كثير من الأحيان يتركهم ذووهم وقت الإخلاء من البيت، ليس كرهًا لكن لصعوبة نقلهم، خاصة لو كانوا أكثر من شخص يعاني الإعاقة في البيت".

وأكّد لـ"نون بوست" أن معاناتهم مركّبة، لأن الإنسان العادي يحتاج وقتًا للهرب، بينما هم في وضع خاص وبحاجة للمساعدة، كما أشار إلى أن "أصحاب الإعاقة السمعية يجدون صعوبة أكبر وقت الإخلاء، منهم لا يسمع ما يجري خارجًا، خاصة لو كان وحيدًا في البيت أو جميع أفراد العائلة يعانون الإعاقة ذاتها"، موضّحًا "أن معاناتهم تكمن أيضًا عند وصولهم إلى أماكن الإيواء، حيث تتعطّل السماعات وبالتالي يصعب التواصل مع المشرفين".

كما أشار العربي إلى أنه رغم الدعم المتواصل لمشاريع ذوي الإعاقة التعليمية والمهنية، إلا أن هناك مشكلة لم تُحَلّ بعد، وهي عدم مواءمة بيوتهم وحتى الشوارع لتتناسب مع إعاقتهم ومساعدتهم على الإخلاء وقت الطوارئ بطريقة منظَّمة.

ولفت إلى أن معاناة أخرى يعيشها ذوو الإعاقة عند الإخلاء في المدراس وقت الحروب، حيث دورات المياه غير ملائمة لهم، وإن وجدت تكون مغلقة، بالإضافة إلى ضعف وعي الناس في التعامل معهم ومنحهم الغرف في الطابق السفلي للإقامة فيها مراعاة لوضعهم، وبحسب متابعته فترة العدوان ونزوح العائلات إلى المدارس، ذكر أن معاناة الأمهات صعبة خاصة مع أطفالهن ذوي الإعاقة الذهنية.

لن تنتهي معاناة ذوي الإعاقة بسردها عبر قصص تلامس عقول المتابعين، بل تحتاج إلى وقفة حقيقية من المؤسسات الداعمة التي تضخّ الدولارات على مشاريع تدعمهم، فالأَولى أن توفّر خدمات تستفيد منها هذه الفئة التي يكثر عدد الملتحقين بها نتيجة الحروب، ومساعدتهم على ممارسة الحياة بشكل طبيعي، فالتدريبات على الإخلاء وقت الطوارئ والمساهمة في ترميم بيوت تلائم إعاقتهم قد أكثر فعالية وأهمية من ورشات تدريبية ونظرية مكرَّرة.