منذ نجاح الثورة في إيران عام 1979، بدأت رغبة المرشد الأعلى للثورة الخميني في احتواء العالم الإسلامي عبر العديد من الأدوات والشعارات، ولم يكن شعار تصدير الثورة والدفاع عن المستضعفين إلا مقدمات عملية لسلوكيات إيرانية بدأت تجد طريقها إلى الواقع، فقد سخر الخميني كل جهود ومقدرات الدولة الإيرانية لاستيعاب المجتمعات الإسلامية بمختلف مذاهبها ومكوناتها، معتبرًا أن الجمهورية الإسلامية في إيران ما هي إلا نواة للحكومة الإسلامية العالمية التي ينبغي أن تخضع لها الدول والشعوب الأخرى.

وفي هذا السياق، أوجدت الجمهورية الإسلامية التي أسسها الخميني مرتكزات عملية لتحقيق الغاية أعلاه، فلم يقتصر الأمر على الآلة العسكرية وإثارة الحواضن الاجتماعية في الدول المحيطة بإيران، وإنما أوجدت الجمهورية العديد من الأوقاف - التي يطلق عليها في إيران "بنياد" - والمؤسسات الخيرية والإغاثية والجامعات والمعاهد الدينية والبعثات والزمالات الدراسية، إلى جانب الدور الذي تلعبه الملحقيات الثقافية الإيرانية في الخارج، الذي يأتي متوافقًا مع دور وزارة الإرشاد والتبليغ الإسلامي، فضلًا عن مكاتب ممثلي المرشد الأعلى في الخارج، لتشكل جميعها منظومة عمل واحدة، تعمل لتحقيق طموحات الخميني ومن بعده خامنئي، في ترسيخ نفوذ وتأثير إيران في العالم الإسلامي، كقوة جاذبة ووسيلة لنشر التشيع.

إيجاد مجالات لتحقيق الهدف

من أجل تحقيق الأهداف المتمثلة في زيادة ربط الحواضن الاجتماعية القريبة من إيران مذهبيًا، ومن ثم الانتقال إلى الحواضن الاجتماعية القريبة من إيران سياسيًا، عملت إيران على جعل دور وزارة الخارجية الإيرانية لا يقتصر على إدارة المصالح الإيرانية فحسب، وإنما لإيجاد مسارات يمكن لإيران أن تنفذ من خلالها إلى الحواضن الاجتماعية في الخارج، سواء عبر تبني مبادرات لإعادة تأهيل المراقد والمزارات التابعة لآل البيت أم عبر توقيع اتفاقيات لتسيير الحجاج من وإلى إيران.

فبعد أن نجحت إيران في تحقيق هذا الهدف في العراق وسوريا ولبنان واليمن عبر الآلة العسكرية، تعمل على تحقيقه أيضًا في دول أخرى عبر الآلة السياسية والاقتصادية، أبرزها الأردن ومصر والجزائر.

نجحت إيران في إنشاء شبكة متداخلة من العلاقات السياسية والاقتصادية والدينية، من أجل نشر التشيع في هذه المجالات، معتمدة على المهاجرين العرب

وفي أوروبا، أخذت إيران على عاتقها تصدير الثورة بعد عام 1979، عن طريق نشر التشيع بين المهاجرين السنة في أوروبا، واعتبرت التشيع أداةً لتكريس نفوذها السياسي "التوسع الشيعي"، لأنه يضمن الطاعة السياسية من جانب الموالين لها في أوروبا.

فعملت على إنشاء المساجد والمدارس والمنظمات الخيرية على نطاق واسع، وبدأت في إنشاء المراكز الثقافية بعد وفاة الخميني كإستراتيجية جديدة، واهتمت إيران بالحفاظ على هوية شيعية متميزة إلى أبعد حدود جغرافية وسياسية ممكنة، وأنشأت لهذا الرابطة العالمية لأهل البيت في لندن، ومنظمات أخرى مثل مؤسسة الإمام الخوئي، وهي منظمة نشطة بشكل خاص في فرنسا وألمانيا وهولندا.

وأصبحت هذه المؤسسات مراكز للتجنيد والدعم السياسي لإيران والتنظيمات والجماعات الموالية لها في العالمين العربي والإسلامي، فضلًا عن توظيف وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام والقنوات التليفزيونية اللبنانية والإيرانية، لنشر التشيع والرسالة السياسية لإيران، كما أن هناك انتشارًا واسعًا لسياسات التشيع في سويسرا والسويد وأرمينيا والبوسنة وأوكرانيا، عبر مؤسسات دينية واقتصادية عديدة تدعمها إيران.

وكذلك الحال في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، إذ نجحت إيران في إنشاء شبكة متداخلة من العلاقات السياسية والاقتصادية والدينية، من أجل نشر التشيع في هذه المجالات، معتمدة على المهاجرين العرب، وتحديدًا اللبنانيين والعراقيين، فضلًا عن إرسال الوفود الإيرانية التابعة للحوزة الشيعية في قُم، بحجج التعاون الثقافي وتقديم الكثير من المنح الدراسية المجانية للطلبة الأجانب للدراسة في الجامعات الإيرانية.

دبلوماسية الحج وسيلة فاعلة

إلى جانب المحاولات الإيرانية لاستغلال مواسم الحج، وتحديدًا في إرسال الحجاج الإيرانيين للدول التي توجد فيها مراقد ومزارات شيعية، واستغلالها لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية، فإنها أيضًا جعلت عملية إرسال الحجاج الإيرانيين إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة بمثابة تظاهرة سياسية تحاول من خلالها إرسال رسائل سياسية للعالم الإسلامي، ولعل مطالباتها المستمرة بتدويل عملية الإشراف على الحج، والقلاقل السياسية التي يثيرها الحجاج الإيرانيون في مكة والمدينة، أبرز مثال على ذلك.

ولأهمية هذا الأمر، فقد تم ربط "مؤسسة الحج والأوقاف والشؤون الخيرية" التي تأسست عام 1984، بمكتب المرشد الأعلى مباشرة بعد أن كانت تتبع وزارة الإرشاد والتبليغ الإسلامي، كما أن الميزانيات المالية التي خصصت لهذه المؤسسة لا يحق لمجلس الشورى الإيراني أو أي مؤسسة رقابية أخرى الاطلاع عليها، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن نسبة كبيرة من الأموال التي تخصص للحجاج الإيرانيين، تتصرف بها مكاتب ممثلي المرشد الأعلى في الخارج، حيث يتم تقديم منح مجانية للحج لأشخاص في دول عربية وإفريقية وآسيوية، كمدخل للتأثير عليهم وتشييعهم.

ليس هذا فحسب، بل عمل مكتب المرشد الأعلى وعبر إرسال الحجاج الإيرانيين للخارج، سواءً إلى المزارات الشيعية أو مكة والمدينة، بإرسال قادة قوافل يختارهم مكتب المرشد الأعلى بعناية، مهمتهم إلى جانب تنظيم حركة الحجاج الإيرانيين، التثقيف للمرشد الأعلى، عبر تزويد الأشخاص الأجانب بكتب مترجمة لأكثر من لغة، إلى جانب محاولة إقناع الأشخاص المستهدفين بزيارة إيران والدراسة فيها، وتجدر الإشارة هنا إلى أن قادة القوافل عادة ما يكونون أعضاءً في وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيراني أو قضاة في وزارة العدل، وبعضهم جنرالات سابقين في الحرس الثوري.

الاهتمام البالغ الذي توليه إيران لدبلوماسية الحج، جعلها مهمة خاصة لمكتب المرشد الأعلى، لا تنافسه فيها أي مؤسسة إيرانية

ففي تقرير أعده رضا مختاري أحد قادة القوافل الإيرانية إلى الحج في مكة والمدينة، تم نشره عام 2014، أشار مختاري إلى أن قوافل الحج الإيرانية تمكنت من توزيع ما يقرب من 32 ألف نسخة من رسالة المرشد الأعلى المترجمة إلى تسع لغات على الأشخاص الأجانب، وأضاف أن قادة القوافل الذين يجيدون أكثر من لغة، تمكنوا من إجراء ما يقرب من 7700 لقاء، وكانت النسبة الكبرى من هذه اللقاءات مع أشخاص سنة، تحول الكثير منهم إلى المذهب الشيعي.

وإلى جانب ما تقدم، تحدث التقرير عن أن العراق والسعودية يمثلان أرضًا خصبة لمثل هذه النشاطات، وذلك عبر الدور المساعد الذي يمارسه الزعماء الشيعة هناك، خاصة القريبين من إيران.

كما تجدر الإشارة هنا إلى أن إيران لم تتوقف عند هذا الحد، وإنما سخرت جهودها في إرسال الحجاج من دول أخرى، فعلى سبيل المثال تلعب مؤسسة إغاثة الإمام الخميني دورًا مهمًا في إرسال العديد من الحجاج في سوريا والعراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان واليمن إلى مكة والمدينة، كما تقوم ذات المؤسسة بتسيير رحلات دينية دورية إلى إيران، وتستهدف في برامجها هذه المجتمعات السنية التي تخضع لسيطرة المليشيات المسلحة التابعة لها، لما توفره هذه المليشيات من هامش حركة واسع لهذه المؤسسة وأنشطتها الدعوية.

إجمالًا إن الاهتمام البالغ الذي توليه إيران لدبلوماسية الحج، جعلها مهمة خاصة لمكتب المرشد الأعلى، لا تنافسه فيها أي مؤسسة إيرانية أخرى، فهي ليست فقط وسيلة لترويج النموذج السياسي الإيراني أو أداة فاعلة لنشر التشيع، بل إنها أكثر من ذلك، فهي مدخل لشراء النفوذ السياسي والاجتماعي داخل المجتمعات الشيعية، فقد تمكنت إيران عبر هذه الدبلوماسية من زيادة رصيدها السياسي داخل المجتمعات الشيعية، على حساب المراجع ورجال الدين الشيعة الذين لا يؤمنون بولاية الفقيه أو يدعمون التوجهات الإيرانية في المنطقة، لذلك فإن الدور الذي تضطلع به دبلوماسية الحج يوفر فسحة لا يمكن الاستغناء عنها إيرانيًا، في خدمة أهداف النظام على الصعيد الخارجي.