منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الذي نفذه الجنرال عبد الفتاح البرهان، أخذت مكاسب ثورة ديسمبر/كانون الثاني في التضاؤل بشكل تدريجي، رغم قلة هذه المكاسب ومحدوديتها، مقارنةً بحجم الثورة السودانية والتضحيات التي قدمها الشباب من جيل التسعينيات والألفينيات.

مجددًا، عاد إلى واجهة الأحداث في السودان ما عُرف باسم قانون النظام العام سيئ السمعة، حيث أثار الحديث عن إعادة القانون بمسمى جديد "الشرطة المجتمعية" لغطًا واسعًا الأيام الماضية، عززته مداخلة تليفزيونية للناطق الرسمي باسم الشرطة، قال فيها بشكل صريح: "نحن كمجتمع لدينا تقاليد وأعراف لا تقبل اللبس الفاضح والظواهر الدخيلة على مجتمعنا السوداني"، وهو ما يعد تأكيدًا لا يقبل الشك على عودة شرطة النظام العام بالمسمى الجديد رغم إلغاء قانونها منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

سيف مسلط على رقاب السودانيات 

كان قانون النظام العام والآداب العامة أشبه بسيف مسلط على السودانيات، إذ صدر بأوامر محلية لوالي الخرطوم إبان القبضة الأمنية المتشددة لنظام الرئيس المخلوع عمر البشير عام 1992، ليستهدف لباس النساء بشكل خاص، مع معاقبة المخالفات والمخالفين بالجلد، في مجتمع متنوع الأديان والعادات والتقاليد.

يتكون القانون من 7 فصول و26 مادة تفرض مجموعة من المحظورات والعقوبات، كثير منها يتعلق بأزياء النساء، حيث تمت محاكمة العديد من النساء السودانيات بهذا السبب، أشهرهن الصحفية لبنى أحمد حسين، التي عاقبتها إحدى محاكم النظام العام بالغرامة 200 دولار أو الحبس شهرًا، بسبب ارتدائها "البنطلون" في مكان عام، ما تسبب في إحراج دولي بالغ لنظام البشير آنذاك، بسبب القانون الذي منح شرطة النظام العام سلطة تقديرية لتوقيف كل رجل أو امرأة يرى فرد الشرطة أنه يرتدي/ترتدي "زيًا خادشًا للحياء".

ويتعرض قانون النظام العام كذلك إلى منع تظليل المركبات الخاصة والعامة إلا بعد الحصول على تصديق صادر من وزير الداخلية أو من يفوضه، كما تشدد في منح الترخيص لمحلات تصفيف الشعر للنساء، ووضع معايير وصفت بـ"القاسية" في التصديق لمحال تصفيف الشعر، بحيث لا يعمل فيها الرجال وأن تطل على الشوارع الرئيسية، فضلًا عن منح الأجهزة الشرطية الحق في التجسس ومراقبة تلك المحال واقتحامها في أي وقت، كما يمنع قانون النظام العام بيع الطعام والشراب في نهار رمضان.

وجد القانون انتقادات واسعة من المدافعين عن حقوق الإنسان داخليًا وإقليميًا ودوليًا، وكثرت المطالبات بإلغائه كونه يفتح الباب واسعًا لعناصر الشرطة لاستخدام سلطاتهم التقديرية ضد "ضحايا القانون"، فقد كان قانون النظام العام يقيد حرية النساء فيما يتعلق بالتنقل والتجمع والعمل والدراسة، إذ تستند عناصر الشرطة على الصلاحيات الواسعة الفضفاضة التي منحها لها القانون خاصة فيما يتعلق بأزياء النساء، فبموجبه للشرطي صلاحية اعتقال النساء وتقديمهن إلى المحاكمة بسبب ما يراه هو "زيًا فاضحًا"، ما يجعل الشرطي رقيبًا شخصيًا على المواطنات بشكل يتعمد إذلالهن وإهانتهن وامتهان كرامتهن، كما سبق التوضيح.

البشير انتقد النظام العام!

اللافت أن الرئيس المخلوع نفسه عمر البشير، وجه في آخر أيام حكمه نقدًا صريحًا لقانون النظام العام، إلى درجة وصفه بأنه يخالف الشريعة الإسلامية.

وأعلن البشير عن اجتماع مع أجهزة الشرطة والقضاء والنيابة بشأن الأخطاء التي ترافق تطبيق القانون، وانتهاك الخصوصية في بعض الأحوال، مما "يخالف مقاصد الشريعة"، بل إنه اعتبره أحد أسباب تفجر الثورة ضده، قائلًا: "مقصد الشريعة هو الستر، لكن التطبيق استُغل للابتزاز، وأنا سأوكل النيابة والشركة لإيقاف هذا العبث".

كما وجه مدير جهاز مخابرات البشير صلاح قوش في أيام الثورة ضد النظام، انتقادات مماثلة لسلوك الحزب الحاكم سابقًا في التضييق على السودانيين، بإغلاق شارع النيل أمام المواطنين وملاحقتهم بقانون النظام العام.

الانتقادات التي وجهها البشير ومدير أمنه لقانون النظام العام، لا تعدو أن تكون مجرد مناورة من الرجلين لتخفيف الضغط واستمالة النساء والشباب، إذ شكلت النساء وجودًا قويًا في التظاهرات المناهضة لنظام البشير، لم تنجح في إيقافهن الآلة القمعية ولا الاعتقالات وسياسة الترهيب والتخويف ومحاولة تشويه السمعة.

لماذا قانون النظام العام مجددًا؟

قد يتساءل البعض عن الأسباب التي دعت النظام العسكري الحاكم في السودان، إلى إصدار قرار إعادة النظام العام في هذا التوقيت ولو باسم جديد "الشرطة المجتمعية"، خاصةً أن السلطة الانقلابية تواجه تحديات مستمرة كبيرة بالفعل، فما الداعي لتورط نفسها في زيادة سخط الناس عليها، ومن فئة الشباب التي تشكل نحو 70% من الحجم الكلي لسكان السودان وفقًا لإحصاءات الأمم المتحدة.

كما أن الشرطة نفسها تواجهها اتهامات متزايدة بالتراخي في مواجهة السيولة الأمنية وعصابات النهب المسلح، خاصة ظاهرة "9 طويلة" التي تفاقمت بعد الانقلاب، بل إن عددًا من الفيديوهات المسربة كشفت قيام أفراد الشرطة أنفسهم بنهب ممتلكات المواطنين. 

هناك تفسيرات محتملة للقرار

أولهما، أن يكون الهدف من إعادة هذا القانون سيئ السمعة، ملاحقة الناشطين وشباب لجان المقاومة وتلفيق الاتهامات في مواجهتهم، فقد مهدت الشرطة السودانية وغيرها من أجهزة الأمن منذ بداية الانقلاب إلى محاولة تشويه صورة الحركة الثورية المناهضة للانقلاب، بتوصيف المتظاهرين على أنهم مجموعات من المخمورين والمتعاطين للمخدرات، أي ذات الوصف الذي استخدمته الشرطة المصرية لشباب ثورة 25 يناير/كانون الثاني، وكذلك استخدمه العقيد معمر القذافي ضد ثوار 15 فبراير/شباط.

التفسير الآخر، أن يكون الهدف الأساسي من إعادة تفعيل القانون هو الحصول على أكبر قدر ممكن من المال، فقد اعترف وزير مالية السلطة الانقلابية جبريل إبراهيم في مقابلة تليفزيونية قبل يومين، أنهم لا يملكون أي موارد غير جيوب المواطنين، ما أثار سخرية الإعلامي الشهير يوسف حسين، مقدم برنامج "جو شو". 

جبريل إبراهيم حصر كل الإيرادات في "جيب المواطن"، لذلك من المحتمل أن يكون الهدف من إعادة النظام العام عبر إنشاء الشرطة المجتمعية ابتزاز المواطنين عن طريق حملات الضبط المزعومة على المقاهي والحفلات وصالونات التجميل وحملات مراجعة تظليل السيارات.

أما الاحتمال الثالث وهو الأكثر ترجيحًا: الجمع بين الهدفين المذكورين، أي ملاحقة شباب الحراك الثوري وإذلالهم وتشويه صورتهم بفتح البلاغات الكيدية في مواجهتهم، إلى جانب ابتزاز أكبر قدر من المواطنين لأجل استنزافهم ماديًا، إذ تشير المعلومات إلى أن إدارة الجمارك عجزت مؤخرًا عن تحقيق الربط الشهري الذي فرضته عليها السلطة الانقلابية، بعد انخفاض حركة الاستيراد بنسبة 70% بسبب رفع قيمة الدولار الجمركي، وتصاعد سعر الدولار في السوق الموازي.

هل بدأت حملات النظام العام بالفعل؟

بعد إعلان السلطة الانقلابية تفعيل الشرطة المجتمعية، تداول مدونون على وسائل التواصل الاجتماعي، أنباءً تفيد بأن حملات النظام العام قد استؤنفت بالفعل، رغم نفي الشرطة، فقد أفادت شاهدة عيان على منصة تويتر، بأنها رأت عناصر الشرطة وهي تعتقل الفتيات من داخل أحد الكافيهات في مدينة بحري، بسبب أزيائهن.

"نون بوست" تواصل مع الشاهدة "يقين المبارك"، فأفادت بأن الحادثة وقعت يوم الأربعاء 17 أغسطس/آب، الساعة 8 مساءً بالتوقيت المحلي، في شارع المؤسسة بحري، وتابعت المبارك أن القوة الأمنية التي نفذت الاعتقالات كانت ترتدي ملابس مدنية، مرجحةً أن تكون القوة قد اعتقلت فتيات من الشارع العام، إضافةً إلى الفتاتين اللتين اعتقلن من الكافيه بالقوة بحجة أن ملابسهن خليعة، وأكدت الشاهدة أن أزياء الفتيات كانت عاديةً تمامًا.

لم ينته الأمر هنا، فقد ذكرت الشابة يقين المبارك أنها شاهدت عناصر القوة الأمنية تقوم بإيقاف حافلة مواصلات عامة، وأحد الأفراد صعد إلى المركبة، وطلب بخشونة من شابين في مؤخرة الحافلة إبراز بطاقاتهما من دون أي سبب، إلى أن رد الشابان بأنهما طالبان جامعيان وأظهرا البحث الجامعي حتى تركهما فرد الأمن وغادر الحافلة.

وفي ذات اليوم - 17 أغسطس/آب الحاليّ -، اعتقلت قوات الأمن 7 أشخاص من محل لشرب الشاي والقهوة أمام مستشفى أمدرمان، واقتادتهم إلى قسم الشرطة الأوسط ودونت في مواجهتهم بلاغات "شغب وإزعاج"، في وقت لم يكن هناك موكب أو أي فعالية سياسية، وفقًا لمحاميي الطوارئ "منظمة تطوعية تدافع عن المتظاهرين".

جدير بالذكر أن المتحدث باسم الشرطة رفض الرد على أسئلة طرحتها عليه صحيفة "سودان تربيون" بشأن الفكرة التأسيسية التي تم بموجبها تفعيل "الشرطة المجتمعية" وما المهام التي ستنفذها، وطبيعة القانون الذي ستعمل بموجبه، والموقف من الحريات الشخصية وما إن كانت ستشكل تهديدًا للحريات العامة أو تضع قيودًا على حقوق الناس في التعبير عن أنفسهم في إطار القانون السوداني وما تكفله القوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان.

رفض المتحدث باسم الشرطة الإجابة عن الأسئلة المشروعة التي طرحتها عليه "سودان تربيون" يمكن أن يكون دليلًا إضافيًا على نية الشرطة استئناف حملات النظام العام، كما كانت قبل إلغاء القانون عام 2019، أما البيان الذي أصدرته إدارة العلاقات العامة وقالت فيه إن الشرطة المجتمعية ستقوم بـ"تنظيم المحاضرات والأنشطة الرياضية والثقافية، وإبرام المصالحات"، فهذا ما لن يصدقه أحد، نسبة لأن صورة الشرطة السودانية مشوهة للغاية بسبب سوء سلوك أفرادها ووحشيتهم خاصة بعد انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول.

إلى أن يسقط انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول، ستستمر معاناة السودانيين، فقد وصف عضو "محاميي الطوارئ" محمد علي الجراح عودة الشرطة المجتمعية بثوب النظام العام بأن الهدف منها إذلال الشعب السوداني، وكشف الجراح عن استمرار عمل نيابات ومحاكم الطوارئ في جميع ولايات السودان رغم إلغاء أمر الطوارئ الذي أصدره قائد الانقلاب الجنرال البرهان في 29 مايو/أيار الماضي.

وعلى الأرجح ستفجر حملات النظام العام التي بدأت إرهاصاتها بالفعل، مزيدًا من الغضب الشعبي ضد الطغمة الحاكمة، فالجيل الذي لم يرهبه الرصاص الحي والمدرعات الثقيلة ورصاص مدافع الدوشكا لن يوفقه شيء آخر.. فالمعركة لم تنجلِ بعد ولا خيار إلا الانتصار.