"تهديد خطير" بحسب تعبير ممثل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سوريا، عمران رضا، و"أول تفش مؤكد في السنوات الأخيرة" وفقًا لمدير الطوارئ الإقليمي لشرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية، ريتشارد برينان.. هذا ما تمثله الأخبار الواردة من سوريا حول انتشار مخيف لوباء الكوليرا وسط انهيار في نظام الرعاية الصحية في هذا البلد العربي الذي أكلته الحرب.

وفيات وعشرات المصابين

بداية، كانت قوات سوريا الديمقراطية أول من أقرَّ بانتشار مرض الكوليرا في مناطق سيطرتها شمال شرقي سوريا، وأعلنت هيئة الصحة التابعة لها عن انتشار المرض بكثرة في الرقة والريف الغربي لدير الزور، وأشارت إلى تسجيل 3 وفيات بسبب هذا المرض، كما ناشدت المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، لتقديم الدعم اللازم للحدّ من انتشار الكوليرا.

لكن نشطاء في تلك المناطق أشاروا إلى أن تعداد الوفيات وصل إلى 11 شخصًا بينهم 5 أطفال، جرّاء إصابتهم بمرض الكوليرا، كانت السيدتان رقية كوان النهار ونعيمة نهار المزعل في قرية العزبة بدير الزور آخرهم.

 

🔺متابعات #ديرالزور

اليوم توفيت السيدتين "رقية كوان النهار" و "نعيمة نهار المزعل"، جراء إصابتهن بوباء #الكوليرا في منطقة #العزبة غرب دير الزور، وهن نازحات من أهالي بلدة #خشام شمال شرق #ديرالزور.

🔺أمس توفي (5) أطفال بدير الزور بسبب الوباء، ليرتفع الضحايا لــ (11) شخصًا.

 

وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، فإنّ أكثر من 50 مصابًا بمرض الكوليرا جرى تسجيلهم في مشفى الكسرة بريف دير الزور، حيث ظهرت عليهم أعراض المرض، وبحسب المرصد غالبية الحالات المصابة من قرى ريف دير الزور الغربي، مثل قرى الهرموشية وحوائج بومصعة والكسرة والزغير، حيث بدأت الأعراض بالظهور بتاريخ 6 سبتمبر/ أيلول الجاري، وتمَّ التأكُّد منها عبر التحاليل المخبرية وأخذ العيّنات، وأظهرت نتائج التحاليل أن سبب الإصابات بالمرض يعود لتلوث المياه.

أما في مناطق سيطرة النظام، فقد ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بالأخبار التي تتحدث عن انتشار الكوليرا وامتلاء المشافي بها، خاصة في مدينة حلب، لكن نفت المؤسسات الصحية ومسؤولوها في بادئ الأمر ما يدور على ألسن الناس من تواجد للكوليرا، ونفى مدير صحة حلب التابعة للنظام السوري، زياد حاج طه، الأنباء المتداولة، وقال إن "إجراءات التقصي والتدقيق في حالات "الإسهالات" الواردة إلى بعض المشافي، تبيّن أن الأقاويل والأرقام المتداولة بين الناس وعبر مواقع التواصل الاجتماعي مبالغ بها".

وزعم طه أن مشافي النظام استقبلت بعض الحالات فقط، ضمن الحد الطبيعي والمقبول، من المصابين بـ"إسهالات صيفية"، التي عادة ما تحدث في هذا الوقت من السنة بسبب موجات الحر الشديد وغيرها، وأن العلاج والأدوية اللازمة متوفران بشكل كامل، وادّعى طه أيضًا أن "الأعراض تتراوح ما بين الخفيفة والمتوسطة، وأغلب الحالات تتعافى سريعًا ويتمّ تخريجها في اليوم التالي".

لكن النظام اعترف أخيرًا بوجود إصابات، وبدأت وزارة الصحة بإصدار تحديثات للوضع الوبائي للكوليرا، وفي تحديثها الأخير، قالت الوزارة إنها سجلت 53 حالة إصابة بالكوليرا متوزعة على المحافظات التالية: حلب 22، الحسكة 13، دير الزور 10، اللاذقية 6، دمشق 2. فيما بلغت الوفيات 7، في حلب 4 وفي ديرالزور 2 وفي الحسكة 1.

وقالت الوزارة إنها رصدت حالة اشتباه بالإصابة بالمرض في حلب لطفل عمره 9 سنوات، يعاني أعراض إسهال حاد مترافق بإقياء متكرر، وبعد التحليل تبيّنت إصابته بالمرض، وأُعطي العلاج اللازم، وخرج من المستشفى بعد أيام، دون تحديد الوزارة تاريخ اكتشاف الحالة.

وبيّنت الوزارة أنه في الفترة ذاتها سُجّلت زيادة في أعداد المراجعين بشكوى اضطرابات هضمية في مستشفيات حلب، وبعد إجراء التحليل لعدد من الحالات المشتبهة، أثبتَت 22 حالة إيجابيتها لمرض الكوليرا، مع تأكيد الوزارة توفُّر العلاج في المستشفيات، وبحسب الرصد الوبائي للمرض، جرى إثبات عيّنة إيجابية واحدة من الصرف الصحي، وأخرى من معمل لصنع مكعبات الثلج، حيث أُغلق على الفور وفقًا للوزارة.

يُذكر أن النظام نفى أيضًا وجود إصابات في دمشق، وزعم مدير مشفى المجتهد في دمشق، أحمد عباس، أن الحالات التي تراجع العيادات والإسعاف هي "حالات إصابة بالإسهال ضمن الحدود الطبيعية في فصل الصيف وارتفاع درجة الحرارة، إذ وصل وسطي عدد المرضى يوميًّا بين 6 و10 حالات"، قبل أن تعلن وزارة الصحة لاحقًا عن أعداد المصابين بالعاصمة.

أما مديرية الصحة في إدلب التي تحكمها حكومة الإنقاذ، الجناح المدني لهيئة تحرير الشام، فقد حذّرت سكان مناطقها في بيان لها من انتقال الإصابات إلى مناطق شمال غربي سوريا، لا سيما في ظل الواقع الصحي المتردّي نتيجة تدمير روسيا وقوات الأسد للمرافق الصحية والخدمية، ودقّت المديرية ناقوس الخطر في ظل الكثافة السكانية المرتفعة بالمخيمات، ووجود مجاري الصرف الصحي بالقرب منها، وصعوبة تأمين مياه الشرب النظيفة، والصعوبة الكبيرة في تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية مع انخفاض الدعم.

من جانبها نفى وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقتة، مرام الشيخ، تسجيل أي إصابات في مناطق سيطرة المعارضة، وتحدث عن معوقات أمام عمل الكوادر الطبية في مناطق سيطرة المعارضة، ومن أبرزها: "ضعف التنسيق بين مكونات القطاع الصحي وضعف الالتزام بالتعليمات الصادرة"، فضلا عن ضعف استجابة الأهالي للتعليمات الصحية، كما حصل خلال انتشار جائحة كورونا، كما أشار إلى "مشكلة كبيرة" تواجهها سلطات المناطق المحررة في أي عملية استجابة "وهي التمويل القليل والمتأخر جدًا".

يأتي انتشار الكوليرا وسط حالة من الهشاشة تصيب المؤسسات الصحية في سوريا، خاصة في مناطق النظام التي باتت خارج الخدمة نسبيًّا، وتعاني المنظومة الصحية من شحّ الأدوات والأدوية والكوادر الطبية التي باتت تفضّل الهجرة على البقاء في البلاد، وقد طمّنت وزارة صحة النظام أن لديها مخزونًا كافيًا من أدوية الكوليرا.

استجابة عاجلة؟

إلى ذلك، حذرت الأمم المتحدة، على لسان منسقها في سوريا عمران رضا، من أن تفشي وباء "الكوليرا" يمثل "تهديدا خطيرا في سوريا والمنطقة"، موضحة أن تفشي المرض مرتبط بريّ المحاصيل باستخدام مياه ملوثة وشرب مياه غير آمنة من نهر الفرات الذي يقسم سوريا من الشمال إلى الشرق. ودعا رضا إلى استجابة عاجلة لاحتواء انتشار الوباء، مشيرًا إلى "كثير من سكان سوريا يعتمدون على مصادر مياه غير آمنة، نظرًا للدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية لموارد المياه بسبب الحرب".

بدوره، قال مدير الطوارئ الإقليمي لشرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية، ريتشارد برينان، إن المنظمة سجلت ثماني وفيات بسبب المرض منذ 25 أغسطس/ آب، منها ست حالات في حلب بالشمال واثنتان في دير الزور بالشرق، مؤكدًا أن "هذا أول تفشٍّ مؤكد للكوليرا في السنوات الأخيرة... الانتشار الجغرافي يثير القلق، لذا علينا التحرك سريعا".

 

المياه الملوَّثة

يُذكر أن مرض الكوليرا يصيب ما بين 1.3 مليون إلى 4 ملايين شخص كل عام حول العالم، ويقتل ما بين 21 ألف و143 ألف شخص، وتُعتبر الكوليرا مرضًا قديمًا، وهي مرض معدٍ تسبّبه جراثيم تعيش في الظروف الطبيعية بالماء الآسن عند مصبّات الأنهار، ومناطق التقائها بالبحار والمحيطات، وتنتقل الكوليرا إلى الشخص السليم عن طريق مياه الشرب أو الخضراوات أو الفواكه الملوثة ببقايا براز أشخاص مصابين.

قديمًا كانت نسبة الوفاة بمرض الكوليرا أكثر من 50%، لكن مع تطوير الأنظمة الفعّالة وإنتاج الأدوية المضادة انخفضت نسبة الوفاة، وتبلغ الآن في أوروبا والأمريكتَين حوالي 1%، لكن ما زالت بعض الدول تعاني من تبعات المرض بسبب الكوارث المائية والجفاف الحاصل فيها.

دمّرت الحرب التي شنّها نظام بشار الأسد على شعبه البنية التحتية لإمدادات المياه والصرف الصحي في سوريا، وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" إن الحرب دمّرت على الصعيد الوطني ثلثَي محطات معالجة المياه ونصف محطات الضخّ وثلث أبراج المياه، كما قالت إن ما يقارب نصف السكان يعتمدون على مصادر مياه بديلة وغير آمنة في كثير من الأحيان، بينما لا يتم معالجة 70% على الأقل من مياه الصرف الصحي.

كما أعلنت الهيئات الصحية الثلاثة في سوريا، أن السبب الأول لانتشار مرض الكوليرا هو المياه الملوثة بمياه الصرف الصحي، وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أن السوريين يعانون منذ سنوات من حالات تسمُّم بالمياه الملوثة بفعل تداخلها مع شبكات الصرف الصحي، والانهيار الكامل أو الجزئي لمنظومات الإمداد بالمياه النظيفة ومعالجة مياه الصرف الصحي والتخلُّص من المياه العادمة بشكل آمن، وكل ذلك بعد تدمير البنية التحتية نتيجة المعارك العنيفة التي طالت كل شيء.

 

وناتج عن تلوث المياة، ولعدم تعقيمها من قبل محطات المياة التابعة لــ #AANES بسبب كمية الفساد الكبيرة، والسرقات التي تحصل، والتي سبق وذكرتها أكثر من مرة بالذات محطات المياة، سواء في الرقة ودير الزور، لحد اللحظة المجالس التابعة لــ #AANES صامتة، ولاترد على طلبات الأستغاثة 🔽 pic.twitter.com/lqqnnjG11D

 

ومن الأسباب المباشرة لانتشار الكوليرا في البلاد هي ألواح الثلج التي يستخدمها السوريون لتبريد المياه في ظل انقطاع الكهرباء، ونتيجة فساد بعض المصانع فإنها تستخدم مياهًا ملوثة ومن ثم تقوم ببيعها، وأعلنت سلطات النظام منذ فترة إيقاف 10 معامل، اثنان منها استخدما مياهًا ملوثة.

إضافة إلى ما سبق، كشف رئيس جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد العزيز المعقالي، أن 50% من الفلاحين يستخدمون مياه الصرف الصحي في ري مزروعاتهم الورقية، كالبقدونس والنعنع والخس والسلق والملوخية وغيرها، ويرجع ذلك بسبب عدم توفر الوقود لتشغيل محركات استجرار المياه النظيفة من الآبار.

يذكر بيان صدر منذ سنوات عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في سوريا، أن "حوالي 15 مليون سوري في مختلف أنحاء البلاد يحتاجون المساعدة للحصول على المياه، كما تنفق الأسر 25% من دخلها لتلبية احتياجاتها اليومية من المياه".

وذكر البيان حينها أن ذلك "ترافقَ مع اعتماد واسع على المياه المنقولة بالصهاريج، لا سيما في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، والقادمة من مصادر لا تخضع بالضرورة للمراقبة من قبل المؤسسات المعنية، ولا تمرّ بعمليات التعقيم والفلترة المطلوبة لتحسين نوعيتها".

ليس بعيدًا عن الكوليرا، يتسبب تلوث المياه أيضًا بأمراض مختلفة في سوريا، ففي أحد مخيمات النازحين في محافظة الرقة ظهرت حالات التهاب الكبد الوبائي، وقبل ذلك ظهرت عشرات حالات التسمُّم في عدة مناطق بريف دمشق بسبب تلوث المياه، كما أُصيب العشرات في درعا جنوبي سوريا بالتسمُّم، من بينهم عائلات بأكملها، جرّاء اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، ما يدل على أن كل هذه المناطق معرضة لانتشار الكوليرا في حال لم يتمّ تدارك الأمر، لأن غالب المناطق السورية معرّضة للمياه الملوثة.

 

يشار إلى أن الحرب ليست العامل الوحيد لتلوث المياه، إنما يساهم فساد المصانع في هذا الأمر، فقد انتشرت منذ أيام مقاطع فيديو تظهر تلوث مياه نهر العاصي بعد أيام من تشغيل معمل تصنيع السكر في منطقة سلحب التابعة لسيطرة النظام السوري، وبعد تشغيل المعمل بات فلاحو تلك المناطق يشتكون من الأضرار التي أصابت أراضيهم الزراعية، حيث أصبح المجرى ملوثًا ببقايا مياه معمل سكر سلحب، ما يهدد المزروعات، عدا عن الرائحة الخانقة المنبعثة لمسافة عدة كيلومترات.