بثّت القناة العبرية (14) مؤخرًا حلقة استقصائية حول المجموعات الفلسطينية والحلقات القيادية التي قام جهاز "الشاباك" الصهيوني بإلقاء القبض عليها في منطقة القدس هذا العام (وهو ما كانت غطّته بعض أخبارها الصحف العبرية في العديد من تقاريرها منذ مطلع هذا العام).

تلك القيادات والعناصر التي تم تجنيدها في تركيا على يد ناشطين فلسطينيين هم من فئة خريجي السجون الذين من المفترض أن يكونوا متمرسين في العمل السرّي، ولكن المدهش والمذهل أن هؤلاء النشطاء من الخارج يمارسون نشاطهم بمنتهى العفوية والانكشاف (على الرغم من وجود أكثر من قضية ملاحقة أمنية كان المستهدف المباشر فيها العنصر الفلسطيني، وأصبح بعضها معروفًا في الإعلام وأخذ طريقه لمعالجته في القضاء التركي).

ويعتمد هؤلاء النشطاء في التواصل مع من يجنّدونهم وسائل الاتصال الحديثة، وهذه الوسائل ورغم ادّعاء المجنِّدين بأنها "محمية" وذات نظام تشغيل سرّي وآمن، غير أن العناصر التي تم تجنيدها في تركيا سرعان ما تكتشف بأن هذا الادّعاء غير صحيح. وأن العدو يتمتع بقدرات وخبرات تكنولوجية وسيبرانية يسهل عليه معها الكشف عمّا يُعتقد بأنه نظام تواصل مغلق أو محمي أو خارج القدرة على الرقابة.

الأنكى من ذلك؛ أن مراكز التجنيد في تركيا نفسها مخترقة لدرجة أبزر فيها ضابط الشاباك صور من يتم تجنيدهم (الذين تم اعتقالهم) مع مجنديهم في تركيا!! وفي إحدى الحالات، قال ضابط الشاباك لأحد هؤلاء الضحايا: لقد كنا نعلم بأمر الهاتفين اللذيْن تم إعطاؤهما لك، وذكر له في أي حقيبة كانا موضوعين عندما اجتاز بهما جسر اللنبي على نهر الأردن (النقطة الحدودية البرية) وهذين الهاتفين مما قيل لحاملهما بأنهما من النوع المحمي! وفي التحقيق تفاجأ الضحية بتوثيق سجلّ مكالماته جميعها على الهاتفين، والتي تمّت مواجهته بها!

طبعًا يتم عرض هذه القضايا في الإعلام الصهيوني كإنجازات لأجهزة أمنهم، من جهة، ولتسليط الضوء وتوجيه السهام إلى السياسة التركية التي تحنو على الفلسطينيين من جهة أخرى.

والمشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، فنفس الإشكال واقع مع مشغّلين ومجنّدين من قطاع غزة، وهم ينحدرون من نفس فئة كوادر وقيادات فلسطينية "خرِّيجي سجون" تسعى إلى خلق أو مواكبة حالة مقاومة في الضفة الغربية بنفس الطرق والأساليب المنكشفة، والتي يعاد فيها تكرار نفس الأخطاء الغبية، لدرجة أنه يوجد على اسم أحد هؤلاء المشغلين خمسة مواقع إلكترونية، ثلاث منها اخترعها الشاباك وواحد اخترعته السلطة!! وطبعا للتغرير بمن يمكن اصطياده، واستراق ما يمكن استراقه من أموال.

ويفيد أحد المحامين المواظبين على متابعة قضايا سجناء ضحايا لهذا النوع من التجنيد بأن هذه القضايا المنسوبة لمجند واحد تعدّ بالعشرات!! وهذا المجنِّد تبلغ به السذاجة وقلّة النباهة وغياب الحذر إلى إعادة تكرار نفس الأخطاء لعشرات المرّات، بالرغم من الصيحات التي تخرج من السجون والفشل واللاجدوى، ولولا أننا نعرف ماضي وصدق وحرقة هؤلاء الرجال لكنّا شككنا بأنهم متواطئون مع الاحتلال، مع أنه في الحقيقة تواطؤ بالغباء.

فلطالما كنا نسمع من ضباط الشاباك عبارة: "نحن نعتاش على غبائكم". وهذا الغباء المتكرر أشبه ما يكون بأداء الأسرى الفلسطينيين الذين يصمد كثير منهم في أقبية التحقيق لمدد زمنية طويلة، ولكن سرعان ما يُدلون بكل ما في جعبتهم في غرف "العصافير – الجواسيس الذين يمثلون أنهم سجناء وطنيين"، والتي تعتمد على الخداع. وعلى الرغم من معرفة جميع الفلسطينيين بقصة غرف العصافير، ووجود ثقافة ومعرفة كافية ومفصّلة، تقوم التنظيمات الفلسطينية بتعميم الوعي حولها وتحديث المعلومات والأساليب الجديدة المتعلقة بها. ومع ذلك يقع كثير من المناضلين في حفرتها، وبعض هؤلاء أصيب بصدمة نفسية، فقد معه البعض عقله. ومع ذلك لا يزال الفلسطينيون يقعون في هذا الشرك الذي إنْ دلّ على شيء فإنما يدلّ على مكوّن ينطوي على خلل في الشخصية العربية الفلسطينية، نجح العدو الخبيث في النفاذ من خلاله.

نفترض أن يكون هناك عقلًا مفكرًا، ليتوقف للحظة ويعيد التفكير بكل هذه الأخطاء التي يعاد تكرارها بدون توقف وبدون أي مراجعة، أو القيام بعملية أخذ الدروس والعبر واستخلاص الأساليب الأنجع لتلافي الأخطاء.

ويبدو أن هذا الخداع أول لنقل "الذكاء" الذي يمارسه العدو هو نفسه الذي يفعل فعله في تقويض كل المحاولات التي تبدو وكأنها يائسة، وهي تحاول بناء مقاومة منظمة في الضفة الغربية.
على مدى أكثر من عشر سنوات ماضية، هناك مئات حالات الأسر التي كان سببها هو هذا النوع من الغباء وفلّة النباهة والفقر في التفكير.

والمصيبة أن الأخطاء نفسها، وطريقة التفكير نفسها هي التي تعيد إنتاج ذاتها في كل مرة. وقد ضجّ الأسرى وقياداتهم مرّات عدّة من هذا الكسل الذهني، ومن إعادة إنتاج حالة لا مقاومة، لا بل تأكل في المعنويات، وتفتّ من العضد، وتكرّس الفشل والإحباط ولا يثمر عنها أي فعل مقاوم ذو شأن، ولو أثمرت عن شيء ولو كان بسيطًا فلربما سببًا للتعلّل واخذ الأعذار.

لقد مرّ حين من الزمن في مرحلة ما قبل الانتفاضة الأولى، كنا نعتبر معه أي مظهر من مظاهر المقاومة – مهما يكن – إيجابيًّا، لأنه كان ينطوي على رفض الاحتلال والتجرؤ عليه، وعلى التشجّع وتقوية النفس على المواجهة، أما بعد اندلاع تلك الانتفاضة، وعندما أصبح هناك فعلًا جماعيًّا ونوعيًّا مقاومًا، أصبح من غير المقبول عدم التفكير بالجدوى، وهو موضوع طالما تطرّق إليه بعض المفكرين والحركيين والسياسيين الفلسطينيين، خاصة وأن المقاومين الفلسطينيين طوّروا بعد الانتفاضة الأولى إبداعات وأفعالا نوعية وذكية، وكلما اتّسم الفعل المقاوم بالذكاء والحيلة العالية، كلما كان وقعه وتأثيره ومفاعليه وقدرته على إحداث التغيير أفضل وأنجع، أما عندما كانت الأفعال المقاومة التي كانت تنتهي بتصفية المقاوم والمنفّذ من دون إحداث أي فعل فكانت ذات مردود سلبي ويعيد طرح سؤال الجدوى.

سالت ذات مرة أحد المناضلين العريقين المتقدمين في السن (64 عامًا) والذي قضى في السجن شهيدًا وكان أحد الكوادر النشطة في إحدى لجان القطاع الغربي أيام العمل الفدائي ما قبل 1987، وكان ومجموعته من الذين برعوا في حرث الحدود اللبنانية – السورية – الأردنية – الفلسطينية في تهريب العتاد والرجال، وفي تجنيد المقاومين والمناضلين، سألته: كم كانت نسبة النجاح في عملكم؟ أجابني بأنها لم تكن تتخطّى الـ20%، وحدّثني عن المرارات والاحباطات، مع أن لجنته كانت تتمتع بالجدية العالية جدًّا، وكان يقودها رجال معروفون بهيبتهم وخبرتهم والذين قضوا شهداء، وإذا كان هناك من إشراقات مضيئة في سجلّ الكفاح الفلسطيني من الخارج، فقد كان عمل هذه اللجنة واحدة من أهمها، مما يتوجب معه دراسة تجربتها التي تم نشر العديد من مذكرات لأفراد خدموا فيها أو كتبوا عنها. فكيف والحال، وقد غيرت موجة الحداثة الراهنة الكثير مما له بعالم الرقابة والاستشعار عن بعد التي لم تعد تنفع معها الأساليب فقيرة التفكير.

صحيح أن العدو يتفوق علينا بإمكانياته ومقدراته واستعداداته، لكن نفترض أن تكتسب أي مقامة لهذا العدو أساليب وتقنيات هي من طبيعة ومكوّنات أطراف هذا الصراع

لقد وهبنا الله العقل لوظائف عديدة، ليس أقلّها الأخذ بالحيلة والسبب عندما نخوض معاركنا الوجودية والمصيرية. ولقد كان من أهم الدروس والعبر التي ذهبت إليها "لجنة فينوغراد" التي حققت في أسباب الفشل الصهيوني في معركته الأخيرة مع حزب الله في تموز/ يوليو 2006 هو ما سجّله معدّوه بما أسموه "الفقر في التفكير"، بمعنى أن مهمة كمهمّة خوض حرب كالحرب التي حدثت، لم تستغرق من صنّاع القرار المختلفين، ما كانت تستحقه وتستوجبه أو ما يكافؤها من تفكير يغطي الجوانب التي طالتها وامتدّت إليها الحرب. يُقال مثل هذا التقييم وهذا الكلام في تجربة ارتكبت فيها أخطاء لمرة واحدة، وبعد ذلك، وبعد ذلك سنجد جيشهم وأجهزتهم تأخذ جميع التوصيات بالجدّيّة اللازمة، ويتحمل المسؤولية من يقع على كاهله تحمّلها، حتى لا يُعاد تكرار نفس الأخطاء.

نفترض أن يكون هناك عقلًا مفكرًا، ليتوقف للحظة ويعيد التفكير بكل هذه الأخطاء التي يعاد تكرارها بدون توقف وبدون أي مراجعة، أو القيام بعملية أخذ الدروس والعبر واستخلاص الأساليب الأنجع لتلافي الأخطاء.

ثم إذا كان أحد ما ممن يقود هذه الطريقة الكارثية في العمل ولا يتقن غيرها فعليه أن يتوقف حالًا، ولا أدري كيف يتحمل أحد كل هذه الأخطاء والخطايا ثم يستمر في نفس الأسلوب والطريقة وكأن شيئًا لم يحدث. فالتوقف، والتوقف فقط، هو أفضل "عمل" يمكن أن يتم في هذه الحالة حتى يتوقف النزيف، نزيف الاعتقالات المجانية! والمصادرات المجانية، واللاجدوى. وعلى من يعنيه الأمر، البحث في مسالك أخرى ذات نفع وفائدة وجدوى

والمفروض أن طبيعة الصراع تعكس نفسها على المتصارعين، صحيح أن العدو يتفوق علينا بإمكانياته ومقدراته واستعداداته، لكن نفترض أن تكتسب أي مقامة لهذا العدو أساليب وتقنيات هي من طبيعة ومكوّنات أطراف هذا الصراع، فإذا كان العدو يتمتع بدرجة عالية من التنظيم والذكاء الشديد في إدارة معاركه وتحريك عناصر الصراع بدهاء ومكر شديدين، فإن السؤال هنا هو: وماذا ينقصنا؟! خاصة وأن المقاومة في غزة ولبنان برهنتا على اكتساب الكثير من هذا الذكاء والتنظيم. هل هناك مشكلة تفكير، أو لنقل أزمة تفكير؟ إذًا لنطرح هذه المسألة على بساط البحث. فإذا ما توصلنا إلى تفكير سليم فعلينا صياغته في خطط ومنطلقات وتوجيهات وأفعال على الأرض، أما الاستمرار في هذه الغفلة وهذا الكسل والإهمال فهو مما يستفز الحجارة!

والحقيقة أن المرء كان يمسك على مدى سنوات ماضية عن الجهر بهذه المعضلة، لكن بسبب تفاقمها، خاصة وأن هناك ضحايا جددًا يملؤون السجون في هذا العام على نفس هذه الخلفية، كان لا مندوحة من الجهر بالصوت العالي. فنحن نواجه عدوًّا منظمًا وذكيًّا ويحسب خطواته بحرفية وحذر شديدين ولم يعد تنفع معه هذه "السبهللة" و"الغفلة".

المصدر: عربي 21