بعد صيف صامت تخللته فيما يبدو تأملات سياسية عميقة، خرجت الأحزاب الخمس بموقف شجاع عندما قررت مقاطعة انتخابات ديسمبر/كانون الأول التي دعا إليها الانقلاب، مع إعلان الاستعداد للنزول إلى الشارع والاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية المتردية لكن بشروط واضحة وهي عدم السير في الشارع مع الخوانجية.

سأفكك هذا الموقف باعتباره موقفًا استئصاليًا موجهًا ضد الإسلاميين أولًا وليس ضد الانقلاب إلا من قبيل التمويه ومنافقة الشارع الرازح تحت كلكل الانقلاب.

الأحزاب الخمس تحتكر الصفة الديمقراطية

الأحزاب الخمس التي صار الإعلام ينعتها بالخماسي الديمقراطي هي: حزب العمال الشيوعي بقيادة حمة الهمامي وحزب التيار الديمقراطي بقيادة ظاهرها غازي الشواشي وباطنها سامية عبو وزوجها والحزب الجمهوري لعصام الشابي وحزب التكتل لورثة مصطفي بن جعفر أما خامس الخماسي فهو القطب أو فلول ما تبقى من الحزب الشيوعي القديم.

تجمع الخماسي في موقف موحد ضد الانقلاب، لكن بعدما فقد الأمل في مكان بجانبه، فباستثناء السيد عصام الشابي الذي ظل صامتًا طيلة الشهور الأولى للانقلاب فإن البقية انحازت له ودافعت عنه واعتبرته منقذًا من العشرية السوداء التي سبقته، لكن الانقلاب لم يفسح لهم مكانًا بجانبه بل أشعرهم بهوانهم، فبدأت عبارات التراجع الخافتة، ثم لما ملكت جبهة الخلاص الشارع مسنودة بحزب النهضة ارتفعت أصوات هؤلاء بالمعارضة المشروطة:

أولًا: نعارض ولا ننسق مع أي تحرك يفسح مكانًا لحزب النهضة ولا يحملها مسؤولية العشرية، وثانيًا: نعارض تحت سقف النقابة وفي حمايتها، لكن النقابة وجدت نفسها في ورطة كبيرة فانحازت إلى الانقلاب، فبقي الخماسي في العراء، إذ هم أعرف الناس بحجمهم ووزنهم في الشارع.

رغم ذلك ما زال الخماسي يضع شروطه على الجمهور بمنطق سيروا معنا فنحن وحدنا الديمقراطيون ولا تسيروا مع النهضة فإن سرتم معها فأنتم مسؤولون معها عن العشرية، ولا نقرأ هذا الموقف إلا كموقف استئصالي يواصل حروب اليسار الفرانكفوني الكامن خلف الأسماء الظاهرة، ولا نجد اختلافًا بين هذا الموقف وموقف الخارجية الفرنسية الذي تعبر عنه صحف فرنسية اعتادت تقديم دروس الديمقراطية للتونسيين.

لا يمكن الجمع بين الديمقراطية والاستئصال

كتبنا كثيرًا أنه لولا الروح الاستئصالية الفاشية بين مكونات مشهد سياسي مأزوم ما كان للانقلاب أن يكون وأن يجد سندًا، فقد مر المنقلب من ثقب الخلافات السياسية القائمة على رغبة مرضية في القضاء على المكون الإسلامي في الساحة السياسية، وما نقرأه الآن هو أن هذه الرغبة (العقيدة) لم تراجع ولم يقدم معتنقوها نقدهم الذاتي، بل يغالون فيها إذ يتفضلون بمعارضة الانقلاب واضعين شروطًا على الشارع.

وفي الوقت الذي انكشف للجميع حجمهم وعجزهم عن تسيير مظاهرة في شارع ضيق، فإنهم يرفضون تنسيق عملهم مع مكونات أخرى تقاربت أو عملت مع حزب النهضة والمكون الإسلامي عامة.

لا نجد داعيًا إلى طرح السؤال: لماذا هم استئصاليون؟ فالسرطان لا يزال مرضًا مجهول المصدر ولا يحيط الطب بأسبابه والاستئصال سرطان سياسي أصاب هؤلاء، لكن السؤال الذي يجب أن يطرح في أفق المستقبل بعد الانقلاب: هل يمكن تقاسم العمل السياسي مع هؤلاء واعتبارهم عناوين للديمقراطية؟

الاستئصاليون في خدمة الانقلاب

العقل السياسي الذي لم يرتق في هذه المرحلة (مرحلة تهديم مؤسسات الديمقراطية) إلى أن معارضة الانقلاب محور نضال سياسي (يقتضي التجميع) والحكم بعده محور آخر (يسمح بالاختلاف) وأن العمل المرحلي لاستعادة المسار الديمقراطي المؤسساتي يقتضي بناء جبهات حول مهمة محددة هي استعادة الديمقراطية، لا يمكن منحه وهؤلاء القُصَّر سياسيًا الثقة في هذه المرحلة وفيما يليها.

إن جهدهم يخرب معارضة الانقلاب ولا يبنيها، وخراج نضالهم  يصب في سلة الانقلاب، إذ يثبت صورة الساحة السياسة الممزقة وغير القابلة للعمل المشترك.

إنها صورة اغتنمها بن علي ونظامه لمدة ربع قرن واستقوى بها، واللحظة الوحيدة التي أوشكت فيها هذه الصورة أن تنكسر (وهي لحظة 18 أكتوبر/تشرين الأول 2005) شعر نظام بن علي بأن الأرض تميد تحته وأنه على أبواب زلزال سياسي، والعجيب أن أغلب مكونات الخماسي الحاليّ كانت في حركة 18 أكتوبر/تشرين الأول وعرفت وزن التحالفات وتأثيرها، لكنها ترفض الآن استعادة تلك اللحظة لأن فيها تشريعًا لوجود الإسلاميين كشركاء لا كتابع أو قطيع انتخابي، لهذا بقدر حرصهم على رفض العمل المشترك معهم لإسقاط الانقلاب نراهم استئصاليين وننعتهم بذلك ونرى أن فضح موقفهم من صميم العمل المقاوم للانقلاب.

هل المطلوب من هؤلاء الوقوف وراء النهضة والإسلاميين عامة في مقاومة الانقلاب؟ ليس فيما قدمت أعلاه شرط من هذا القبيل، فليس مطلوب من أحد التذلل لأحد لكن بداية الموقف السياسي السليم هي أولًا التوقف عن احتكار صفة الديمقراطية ثم التواضع للشارع الذي وزن الجميع ووضعهم في مواقعهم ولم تنطل عليه أحاديث العشرية السوداء.

إن اللحظة السياسة البائسة التي نعيش تسمح لنا بطرح سؤال مباشر على الخماسي: ما وزنكم؟ أو من أنتم لتضعوا الشروط وتوهموا الناس بالمعارضة وإقصاء الشارع الحقيقي؟

ملاحظة خاتمة، كل الذين يسلمون للخماسي بحق في احتكار صفة الديمقراطية مصابون بعقدة نقص ويعيشون هزيمة داخلية، ونراهم يتمتعون بوضع خدودهم مداسًا لليسار الاستئصالي الذي يموه وجهه تحت أسماء حزبية أخرى، لذلك فإن معارضة الانقلاب عندنا هي اعتبار الخماسي جزء من الانقلاب لا قوة مضادة له.