تعدد قوائم العفو الرئاسي بشأن بعض المحبوسين في سجون مصر خلال الآونة الأخيرة

في الأيام القليلة الماضية، توالت دفعات المفرج عنهم من المعتقلين المحبوسين على ذمة قضايا بقرارات عفو رئاسية استنادًا إلى لجنة العفو المعاد تشكيلها تزامنًا مع دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للحوار الوطني الذي أعلن عنه في شهر أبريل/نيسان الماضي.

وكتب عضو اللجنة، المحامي طارق العوضي، عبر صفحته الشخصية على فيس بوك، مشيرًا إلى الإفراج عن قائمة جديدة من المحبوسين تبلغ 50 اسمًا، يوم 3 أكتوبر/تشرين الأول 2022، مع التعهد بقوائم جديدة خلال الأيام القادمة بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر/تشرين الأول.

تعد القائمة المتوقع الإفراج عنها الرابعة خلال أقل من 20 يومًا، أطلق على إثرها أكثر من 100 معتقل، بعضهم سياسي والآخر جنائي، فيما بلغ إجمالي المفرج عنهم حتى اليوم 360 شخصًا، وبحسب تقديرات أخرى فإن العدد الإجمالي وصل إلى 800 محبوس على ذمة قضايا مختلفة.

لا شك أن خطوة كتلك تحظى باستحسان الجميع، فالإفراج عن المحبوسين على ذمة قضايا، لا سيما المعارضين المعاقبين بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية، مطلب شعبي وحقوقي منذ تولي السيسي منصبه في 2014، غير أن هناك بعض التفاصيل التي تحتاج إلى تسليط الضوء عليها لفك طلاسم المشهد برمته، خاصة مع صعود بعض الأسئلة التي تتحدث عن التعنت إزاء الإفراج عن أسماء بعينها، والانتقائية التي تواجه عملية الاختيار وإعداد القوائم، وهو ما يقود في النهاية إلى الحديث عن أهداف ورسائل معينة تستهدفها السلطات من وراء تلك المرونة المفاجئة والأولى من نوعها خلال السنوات الثمانية الأخيرة.

Cop27 وطمأنة الخارج

عودنا السيسي ونظامه أن أي خطوة غير متوقعة أو تكون خارج السياق العام الذي ينتهجه منذ توليه السلطة، لا بد أن تكون مرتبطة من قريب أو بعيد بالمجتمع الدولي، فالرئيس اعتاد منذ دخوله قصر الاتحادية أن ينظر بعين للداخل وأخرى للخارج، وفي بعض الأحيان يحول كلتيهما للخارج.

في ضوء تلك السردية فإن التفسير الأول الذي قوبلت به دفعات الإفراج عن المعتقلين - رغم أهميتها - ذهب إلى رغبة النظام في طمأنة الخارج الذي يصعد من انتقاداته بين الحين والآخر للسجل الحقوقي المصري المشين، ويطالب بفتح باب الحوار المجتمعي وإطلاق سراح المعتقلين في قضايا تخص الرأي وحرية التعبير.

فالنظام الحاليّ اعتمد في محور مهم من استمراره حتى اليوم على سياسة "الترهيب" وتسليط سوط الاعتقال والتعذيب على ظهور المعارضين والمتعاطفين معهم، وهو ما أسفر في النهاية عن الزج بعشرات آلاف المصريين في السجون والمعتقلات دون تهم حقيقية، تجاوز تعدادهم وفق بعض التقديرات حاجز الـ60 ألف خلال السنوات الثمانية الماضية.

كما تتزامن تلك الخطوات مع قمة الأمم المتحدة للمناخ Cop27 التي ستستضيفها مدينة شرم الشيخ المصرية في الفترة من 6 - 18 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والمتوقع أن يشارك فيها زعماء وقادة عشرات الدول، وسط انتقادات حادة من بعض المنظمات الحقوقية التي طالبت بمقاطعتها اعتراضًا على الانتهاكات الحقوقية التي يمارسها النظام المصري ضد المعارضين، الذي بدوره يحاول مغازلة تلك المنظمات عبر الإفراج عن بعض المحبوسين والحديث عن تدشين حوار وطني يضم بعض التيارات السياسية، أملًا في تبريد درجة حرارة الموقف الدولي الحقوقي إزائه.

الاقتصاد والاحتقان

في 4 أبريل/نيسان الماضي طلبت 7 منظمات حقوقية من صندوق النقد وضع شروط قاسية لحصول القاهرة على القرض الذي تسعى إليه الحكومة المصرية أبرزها إطلاق سراح المعتقلين سياسيًا وفتح المجال أمام الحوار والسماح للمعارضة بممارسة نشاطها السياسي دون استهداف ممنهج، كذلك الشفافية في التعامل مع شركات الجيش التي تغولت على الاقتصاد المدني، فتلك الشركات لا تخضع للرقابة أو المحاسبة وتعمل في سرية تامة تقريبًا.

وبعيدًا عن التزام الصندوق بتلك المطالب، فإن القاهرة لا تريد وضع المؤسسة الدولية في مرمى الانتقادات الحقوقية، ومن ثم تحاول تقديم رسائل طمأنة عبر الإفراج عن عدد من الأسماء المحبوسة دون كشف هويتها السياسية ولا خلفيتها التي زجت بسببها في السجون، مكتفية بالقوائم المعلنة دون تفاصيل، وهو ما قد يحقق الهدف منه شكلًا لكن من حيث المضمون فالأمر بحاجة إلى مزيد من التدقيق والغربلة.

يعاني السوق المصري خلال الآونة الأخيرة من هروب الاستثمارات الأجنبية جراء التطورات الإقليمية والدولية التي شهدتها الساحة منذ الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير/شباط الماضي وما تلاها من إسالة واشنطن لعاب أصحاب رؤوس المال من خلال رفع معدلات الفائدة، وهو ما أثر سلبًا على الاقتصاد المصري.

بعيدًا عن الدوافع التي قادت النظام المصري لتبني تلك الخطوة المغايرة تمامًا لمنهجه السلطوي الواضح الذي راح ضحيته عشرات الآلاف ما بين سجين ومنفي وهارب، فإن الآلية التي تمت بها تضمنت الكثير من الشكوك والانتقادات التي جردتها بشكل كبير من مضمونها

سياق آخر كان عاملًا مهمًا في خروج المستثمرين خارج البلاد، يتمثل في تعامل السلطات مع رجال الأعمال، واستهدافها بعضهم بسبب مواقفهم وآرائهم وإن كانت المبررات المعلنة غير ذلك، من أبرزهم رجل الأعمال صفوات ثابت ونجله، وغيره ممن اعتقلهم السلطات وتحفظت على شركاتهم وأموالهم، وهو ما أثار قلق المستثمرين ودفعهم للتفكير في مسألة الاستمرار في السوق المصري من عدمه.

كما أن الداخل لعب هو الآخر دورًا كبيرًا في الضغط على النظام الحاليّ، حيث تصاعد الاحتقان الشعبي جراء موجات التضخم وارتفاع الأسعار وزيادة معدلات البطالة وتراجع الأجور وهيمنة الجيش على حساب القطاع الخاص وتفشي الفساد الناجم عن السياسات الاقتصادية الخاطئة التي تصمم السلطات الحاليّة على انتهاجها، كل هذا دفع البعض إلى إطلاق مبادرات ودعوات للتظاهر اعتراضًا على هذا الوضع المتدني الذي زاد تفاقمه بسبب الديون الكارثية التي تثقل كاهل الدولة المصرية وتبلغ أرقامًا لم تشهدها الدولة حتى في مراحل استعمارها أجنبيًا.

كل ذلك أجبر السيسي ونظامه على تبني سياسة للتهدئة وامتصاص هذا الغضب، فكانت دعوة الحوار الوطني التي أطلقها قبل 6 أشهر، وكان من بين مخرجاتها إعادة تشكيل لجنة العفو التي بمقتضاها تم الإفراج عن عشرات المعتقلين والمحبوسين، غير أن التفاصيل التي شهدتها قوائم المفرج عنهم وطريقة الاختيار كانت مثار العديد من التساؤلات، لرجل الشارع العادي والحقوقيين على حد سواء.

خطوات شكلية

بعيدًا عن الدوافع التي قادت النظام المصري لتبني تلك الخطوة المغايرة تمامًا لمنهجه السلطوي الواضح الذي راح ضحيته عشرات الآلاف بين سجين ومنفي وهارب، فإن الآلية التي تمت بها تضمنت الكثير من الشكوك والانتقادات التي جردتها بشكل كبير من مضمونها بعد أن تحولت بشكل لا يقبل الريبة إلى وسيلة وليست غاية، لتجميل الصورة وترقيع خروقاتها المتعددة.

بداية يقول الخبراء: "العفو الرئاسي لا ينطبق إلا على الصادر بحقهم أحكام نهائية وباتة غير قابلة للطعن، ولا ينطبق على المحبوسين احتياطيًا بقرار من النيابة العامة، إلا في حالة صدور عفو شامل في قضية معينة، فيتم على أساس ذلك وقف القضية تمامًا والإفراج عن المحبوسين على ذمتها، لكن في هذه الحالة يتطلب العفو الشامل صدور قانون يوافق عليه مجلس النواب".

ورغم تلك القاعدة القانونية، فإن السيسي تجاوزها بالعفو الذي أصدره عن الصحفي حسام مؤنس، المحبوس احتياطيًا ولم يصدر بحقه أحكام نهائية باتة، وذلك بعد وساطة المرشح الخاسر حمدين صباحي (صديق مؤنس المقرب) الذي شارك في إفطار الأسرة المصرية الذي عقد في أبريل/نيسان الماضي، ما اعتبره البعض جميلًا يود السيسي رده للمرشح المعارض،  وهو ما تسبب في وضع النيابة العامة في حرج.

ومن المسائل التي وضع الخبراء تحتها خطوطًا حمراء تلك المتعلقة بالتعنت في الإفراج عن أسماء بعينها، فيما يجري العفو عن آخرين متورطين بالصوت والصورة في قضايا إجرامية فجة، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه المطالبات بإطلاق سراح زياد العليمي وعلاء عبد الفتاح وأحمد دومة، والمفترض أنهم أبناء ثورة يناير الحقيقيين، إذ بالعفو الرئاسي يشمل كل من رجل الأعمال الشهير هشام طلعت مصطفى، المُدان في جريمة قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم في دبي عام 2008، والصادر بحقه حكم بالسجن 15 عامًا في القضية، وذلك وفق القرار الجمهوري الصادر في يونيو/حزيران 2017، ثم تلاه قرار عفو آخر في مايو/أيار 2020 بحق شريكه في الجريمة، ضابط أمن الدولة السابق محسن السكري، الصادر بحقه حكم بالإعدام قبل أن يُخفّف إلى المؤبد 25 عامًا.

وفي الإطار ذاته قرار العفو الرئاسي الصادر بحق البلطجي صبري نخنوخ، تاجر السلاح الشهير وأحد مقاولي البلطجية في مصر، الذي تكرر اسمه كثيرًا في أحداث العنف التي صاحبت ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وأخيرًا الإفراج عن الفنان  طارق النهري، المحكوم عليه بالسجن المشدد 15 عامًا، بتهمة حيازة سلاح ناري وممارسة العنف والبلطجة في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"حرق المجمع العلمي"، وفق القرار الجمهوري رقم 329 لسنة 2022.

الإفراج عن المحبوسين، حتى لو كان بشكل انتقائي ممنهج، أمر محمود ومحل إعجاب من الجميع، لكن الحديث جزمًا عن طفرة حقوقية ونية جادة لدى النظام في الحوار مع المعارضة والإفراج عن رموزها وطرق درب جديد نحو الانفراجة السياسية، ليس إلا دندنة دعائية لا محل لها من الإعراب في جملة الواقع المرير

المتابع لقوائم المفرج عنهم يرى أنها خاوية تمامًا من أسماء المعارضين المعروفين، لا سيما أبناء التيار الإسلامي، فالغالبية المفرج عنها تنتمي لتيارات يسارية مقربة حاليًّا من النظام، أو لمشاركين في جرائم الثورة المضادة التي استهدفت التجربة الديمقراطية في البلاد.

البعض كان ينظر إلى قوائم المفرج عنهم بقرارات عفو رئاسي على أنها اختبار عملي لجدية النظام في الحوار وتحسين صورته الحقوقية، لكن أن تأتي خالية من المعارضين الحقيقيين وعلى رأسهم عبد المنعم أبو الفتوح وحازم أبو إسماعيل وباسم عودة وعلاء عبد الفتاح وغيرهم، رغم المناشدات المستمرة، مع الإصرار على العفو عن أسماء محل شك وكان لها دورها في الثورة المضادة، أجهض المبادرة من مضمونها وجردها من كل الأهداف التي كانت تزعمها.

في المجمل.. فإن الحديث جزمًا عن طفرة حقوقية ونية جادة لدى النظام في الحوار مع المعارضة والإفراج عن رموزها وطرق درب جديد نحو الانفراجة السياسية، ليس إلا دندنة دعائية تستهدف الخارج الذي بات من السهل عليه الكشف عن صدق أو زيف تلك التصريحات التي يغازل بها السيسي العالم بين الحين والآخر ويمتص من خلالها حالة الغضب الشعبي المتصاعد ضده.