عادة يتزوج الشباب في قطاع غزة بعمر الـ 20، لكن اليوم تبدل الحال وتجاوزت أعمارهم الـ 35 وقد تصل للـ 40 دون أن يتزوجوا، وذلك ليس لمرض جسدي بل لقلّة الإمكانات المادية وانعدام فرص العمل، والتي إن توفّرت تكون بأجور زهيدة بالكاد تكفي "مصروف الجيب".

في السنوات الخانقة منذ 15 عامًا من الحصار الذي تفرضه "إسرائيل" على قطاع غزة، تغيّر وضع الشباب كثيرًا؛ إذ لم يعد يجد الشباب حرجًا في أن يطلب مصروفه من والده، فكل الأبواب موصدة فلا سفر مضمون ولا وظائف متوفرة، ما يدفع غالبيتهم للبحث عن أعمال بسيطة بعيدة عن تخصّصاتهم الجامعية، لا سيما أن المجتمع الغزّي متعلم ذكورًا وإناثًا.

ودومًا حين يقرر أي شاب عربي الهروب من شبح البطالة والبحث عن فرصة عمل، يردد: "مستعد للعمل في غسل الأطباق"، لكن هذه الجملة طبّقها الشاب الغزاوي في مدينته واضطرّ العشرات منهم، وهم يحملون الشهادات العليا بمختلف التخصصات العلمية، العمل في مطاعم كـ"غرسون" أو محلات تجارية أو حارس عقار ليلي، أو سائق أجرة يتصيد الزبائن من المواقف تحت أشعة الشمس الحارقة مقابل 20 أو 30 شيكلًا (حوالي 10 دولارات) يعود بها ليلًا إلى بيته.

كما كان للحصار أثر عميق على الأحوال المعيشية في قطاع غزة المحاصر، إذ مزّق النسيج الاقتصادي والاجتماعي فيه، وهنا يسلط "نون بوست" الضوء على أبرز مشاكل الشباب الغزي في الحصول على فرصة عمل تلائم تخصصاتهم الجامعية، وعن الأسباب التي تحيل دون تطبيق الحد الأدنى من الأجور.

الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشباب

داخل أحد المطاعم المخصصة للمأكولات البحرية، يتنقّل الشاب مصطفى سعد (33 عامًا) بين الطاولات ليقدّم الطعام للزبائن، فهو يعمل منذ التاسعة صباحًا وحتى منتصف الليل، وله في هذا المجال 10 سنوات وتحديدًا منذ تخرجه من كلية الصحافة والإعلام، كما يخبر "نون بوست".

يحكي أنه اعتاد على هذا العمل مقابل أجرة يومية وصلت 50 شيكلًا (حوالي 15 دولارًا)، وحياته الاجتماعية شبه معدمة كونه يعمل ساعات طويلة، وتزوّج قبل عامَين بعدما ألحَّ عليه والداه، فقرر الزواج والسكن في غرفة ببيت العائلة، فهو لا يستطيع استئجار بيت كون راتبه بالكاد يكفي لجلب أدنى الاحتياجات الأساسية له ولزوجته وطفله الصغير.

يقول: "بعد تخرجي مباشرة حاولت البحث عن فرصة عمل، وكلها تدريب فقط دون مقابل مادي، حتى علمت أن صاحب المطعم بحاجة لشاب يغسل الأطباق، لم أتردد، تعبت كثيرًا حتى وصلت لأقدّم الطعام للزبائن"، متابعًا: "بداية كنت أخجل لو كان أحد أصدقائي أو معارفي هو الزبون، لكن اليوم اعتدت على ذلك بدلًا من البطالة".

ويضيف: "دومًا أحلم بالعودة للعمل في تخصصي لكن لا توجد فرصة عمل، وأخشى أن تسرقني الأيام وأبقى نادلًا في المطعم (..) قدّمت على تصريح للعمل داخل الأراضي المحتلة وأنتظر دوري، وسأعمل في أي شيء حتى يكون لي بيت ويتحسّن وضعي المادي بدلًا من الاعتماد على والدي ماديًّا".

احتياجات الشباب تتجاوز البُعد الاقتصادي في غزة، إذ يقول نصف الشباب أنّهم قد عانوا من مشاكل نفسية خطيرة

ومن النماذج الشبابية الغزية التي تحدثت لـ"نون بوست"، عبد الرحمن نصر (26 عامًا) خريج كلية الهندسة ويعمل في مول تجاري مقابل 350 دولارًا شهريًّا ولمدة 12 ساعة متواصلة، ذكر أنه يعمل منذ 3 سنوات بعدما حاول البحث عن فرصة في مجاله، لم ييئَس وقرر العمل في أي مهنة حتى يحصل على فرصته.

بعد مضيّ 3 شهور على عمله المرهق، حسب وصفه، قرر أن يطلب زيادة في راتبه الشهري، وحينها قابله صاحب العمل بـ"هذا هو الموجود، وألف شاب يتمنى فرصتك، إن لم يعجبك بإمكانك الرحيل"، مشيرًا إلى أنه لم يستطع الرد عليه أو يرحل لقلة فرص العمل، ولا يريد أن يكون عبئًا على والده في المصاريف.

يقول: "قصتي ليست فريدة، بل تشبه العشرات من الشباب الذين يلتقطون أي فرصة عمل هنا أو هناك لسدّ أدنى احتياجاتهم الأساسية"، مضيفًا: "لا نستطيع الوقوف في وجه صاحب العمل كون لا قانون يحمينا، بالإضافة إلى الشعور بالحرج من ذوينا لاتّكالنا عليهم في الكثير من المصاريف، لذا نصمت وما باليد حيلة".

ويتمنّى عبد الرحمن لو كان باستطاعته الزواج ليتمكّن من الحصول على فرصة عمل داخل الأراضي المحتلة، لكن لا تنطبق عليه الشروط، وأهمها الزواج وإعالة أسرة.

ولا تقتصر مشكلة انعدام الفرص أمام الشباب الذكور فقط، فحتى الخريجات يعانين من عدم الحصول على عمل وحتى الزواج، فالشباب لديهم شروط أساسية هي أن تكون الزوجة عاملة لتساعده في إعالة الظروف المعيشية.

على صعيد الصحة النفسية، فإن 49% من شباب غزة يعانون من التوتر والقلق والاكتئاب، و34.5% منهم يعانون من مشاكل اجتماعية متعلقة بالروابط الاجتماعية، و12.4% منهم يمتنعون عن الزواج.

في صالون للتجميل وسط مدينة غزة، حي الرمال، تعمل آيات أبو عمرو (30 عامًا) في تصفيف الشعر، وكانت قد تدربت بعدة دورات تجميلية إلى جانب تخصصها الجامعي (الإرشاد النفسي).

تقول إنها حصلت في مجال تخصصها مرتين على فرصة عمل بعد عدوان 2014، ضمن مشروع يموّله الاتحاد الأوروبي وبراتب شهري تجاوز الألف دولار، لكن بعدها توقف المشروع وحاولت البحث كثيرًا عن عمل، فكانت غالبية مؤسسات اختصاصها تتحجّج بأنه لا موازنه لديها، ولو أرادت العمل تستطيع التطوع فقط.

وتابعت القول لـ"نون بوست": "وضع عائلتي المادي صعب ولديّ احتياجات كبقية الفتيات (..) وأي شاب يطرق بابي يريد موظفة واليوم بلغت الـ 30 وفرصي في الزواج قليلة حسب طبيعة المجتمع"، مشيرة إلى أنها لجأت للعمل في صالونات التجميل لتحصل على مصروف جيبها، رغم أن ما تتقضاه لا يتجاوز الـ 200 دولار.

وتحكي أنها تتمنى لو تحصل على فرصة عمل حكومية ليكون لها دخل شهري ثابت وحقوق مالية، لكن الوظائف الحكومية التي يعلن عنها ضئيلة، مؤكدة أنها رغم ممارستها لمهنة جديدة أحبّتها إلا أنها ستحاول الحصول على عمل يناسب تخصصها.

وفي السياق ذاته، خفّت عزلة غزة إلى حد ما بفضل إعادة فتح معبر رفح من جانب مصر جنوب القطاع منذ عام 2018، بالإضافة إلى فتح معبر إيرز في الشمال الذي من خلاله يمكن للغزيين الذهاب للداخل المحتل، والعمل هناك مقابل أجور عالية.

ووفق دراسة أعدّها الصليب الأحمر في قطاع غزة، جاء فيها أن احتياجات الشباب تتجاوز البُعد الاقتصادي في غزة، إذ يقول نصف الشباب أنّهم قد عانوا من مشاكل نفسية خطيرة، ويواجه ثُلثهم مشاكل اجتماعية.

وخلال استطلاع الرأي الذي أجرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر عبر الإنترنت، فأن 9 من كل 10 شباب يعتقدون أن حياتهم غير طبيعية، وقال ثُلثا المشاركين أنهم يعتمدون على عائلاتهم في الحصول على الدخل، بينما أفاد 40% منهم بأنّ لا أمل لديهم في العثور على فرصة عمل خلال السنوات الـ 15 القادمة.

ويرجع الشباب سوء أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية لعدة أسباب، وهي تداعيات جولات التصعيد المتكررة، والإغلاق والقيود المفروضة على الحركة، والخلافات الفلسطينية الداخلية.

ويعتبر 69.9% من المشاركين في الاستطلاع أنّ انعدام الاستقلال المالي للشباب وقبولهم لأي فرصة عمل، حتى لو كانت لا تناسبهم، هما من أهم تداعيات التدهور الاقتصادي في غزة.

أما على صعيد الصحة النفسية، فإن 49% من شباب غزة يعانون من التوتر والقلق والاكتئاب، و34.5% منهم يعانون من مشاكل اجتماعية متعلقة بالروابط الاجتماعية، و12.4% منهم يمتنعون عن الزواج.

العمل عن بُعد حلًّا والزواج بالتقسيط

القيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على الغزيين أدّت إلى تقويض اقتصادهم، ما تسبب في ارتفاع مستويات البطالة وانعدام الأمن الغذائي والاعتماد على المساعدات، بالإضافة إلى استغلال أرباب العمل قلة الفرص المتاحة أمام الشباب، ومنحهم الفتات مقابل ساعات عمل طويلة.

يصف هاني الحلبي، المدير التنفيذي للاتحاد العام للهيئات الشبابية، واقع الشباب بأنه مرير، وهذه الفئة مهمشة، ولا ينصفهم أحد حال وجدوا فرصة عمل وتقاضوا رواتب ضعيفة، مشيرًا إلى أن الرواتب في غزة تتراوح ما بين 700 و800 شيكل (حوالي 300 دولار) مقابل 12 ساعة، وهذا غير قانوني.

وذكر الحلبي لـ"نون بوست" أن هناك عقبات كبيرة أمام الجيل الذي عايش الحروب والتصعيد والحصار، مشيرًا إلى أن مشكلة الشباب في انعدام فرص العمل أو ندرتها لا يمكن حلّها من خلال حكومة أو مؤسسة، بل تكاتف جميع المؤسسات ضمن برنامج موحّد يوفر فرص عمل وتشغيل لحلّ الأزمة جزئيًّا. 

وأكّد على تهديدات أصحاب العمل لصغار العمّال بشكل مستمر في حال تمرد أحدهم، وإن حاول أن يطلب زيادة في أجره سرعان ما يكون الرد: "مع السلامة مليون واحد يتمنى فرصتك"، ما يدفع الشباب للرفض نفسيًّا لعدم وجود بديل.

وبحسب متابعته، فإن غالبية الشباب يعزفون عن الزواج بسبب ضيق الحال، لافتًا في الوقت ذاته إلى أن بعضهم يلجأ للجمعيات لمساعدته في الزواج عبر نظام التقسيط.

وفي الوقت ذاته لفت الحلبي إلى أن الأوضاع الاقتصادية صعبة بشكل كبير في قطاع غزة، لدرجة أن السجون توصف بالمكان ذي العطر الفاخر، في إشارة إلى أن غالبية النزلاء من التجار ولديهم عجز في توريد بضائعهم، وبالتالي لا يمكنهم تسديد الكمبيالات أو الشيكات لهذا يتمّ احتجازهم.

ويرى أن من إيجابيات الحصار وانعدام فرص العمل هو لجوء العشرات من الشباب للعمل عن بُعد، وحققوا في ذلك نجاحًا كبيرًا خاصة ضمن المنافسة على صعيد الوطن العربي في مجال كتابة القصة والترجمة، وبعض الأمور المتعلقة بمواقع التواصل الاجتماعي.

أفكار كثيرة طُرحت لحلّ أزمة البطالة في صفوف الشباب الغزي عبر ورشات عمل كبيرة، لكن الحل بسيط كما يراه أبناء الجيل الحالي هو فقط بصيص أمل يؤدّي إلى العيش كما الآخرين، حيث القدرة على التنقل بحرية والسفر والحصول على وظائف مناسبة، بعيدًا عن الألم والمعاناة اللذين يسببهما الحصار والعدوان المستمرّان على القطاع.