في الوقت الذي تستمر فيه المناقشات السياسية بين الأحزاب والكتل الكردية والشيعية والسنية والمكلف بتشكيل الحكومة السيد محمد شياع السوداني، بشأن الحصص والمناصب الوزارية والأمنية، برزت العديد من التوجهات بين قوى الإطار التنسيقي الشيعي تحديدًا، بشأن مناصب ووزارات بعينها، الأمر الذي أخر عرض الكابينة الحكومية للسوداني على مجلس النواب العراقي، كما كان مخططًا يوم السبت الماضي.

فقد أبدت قوى الإطار المسلحة القريبة من إيران، خصوصًا عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، رغبةً واضحةً في الاستحواذ على المناصب الأمنية، وبشكل خاص جهاز الأمن الوطني وجهاز المخابرات وجهاز مكافحة الإرهاب، فيما يحتدم التنافس على وزارة الداخلية بين رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض ومنظمة بدر التي يتزعمها هادي العامري.

يشير إصرار عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله على مناصب أمنية بعينها، إلى رغبة واضحة في إعادة ترسيخ نفوذها داخل هذه الأجهزة، فإلى جانب التغييرات الإدارية التي قامت بها حكومة مصطفى الكاظمي، عبر إبعاد العديد من عناصر العصائب والكتائب من جهاز المخابرات، فإن وضعها داخل جهاز الأمن الوطني ليس بأفضل حال، فبعد أن كان رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض يشغل المنصب بالوكالة، سحبت حكومة الكاظمي المنصب منه وأوكلته إلى شخصية من خارج نفوذ الفصائل المسلحة، وهو حميد الشطري.

يدرك السوداني أهمية إبعاد هذه المناصب عن سيطرة الفصائل المسلحة، لما لذلك من تداعيات خطيرة على الأمن الوطني العراقي

إلى جانب جهاز الأمن الوطني وجهاز المخابرات، فإن حكومة الكاظمي تمكنت خلال الفترة الماضية من استبعاد العديد من الشخصيات والأسماء القريبة من الفصائل المسلحة، من عدة مناصب أمنية، أهمها قيادة العمليات المشتركة وقيادة الدفاع الجوي وفرقة القوات الخاصة المكلفة بحماية المنطقة الخضراء، من أجل خلق متنفس للحكومة العراقية، إلى جانب إقالة كل من: رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع ووكيل وزير الداخلية لشؤون الاستخبارات ومدير عام استخبارات ومكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية (خلية الصقور) ومدير قسم الاستخبارات وأمن عمليات بغداد، من أجل تقليص دور الفصائل داخل هذه المناصب الحساسة، التي تغلغلت كثيرًا في داخلها خلال فترة حكومة عادل عبد المهدي.

فرصة مواتية للفصائل المسلحة

شكلت عملية انسحاب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر من العملية السياسية، فرصةً مواتيةً للفصائل المسلحة القريبة من إيران، وتحديدًا عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، للاستفراد بالعملية السياسية وإعادة تشكيل خريطة نفوذهم داخل مؤسسات الدولة التي ضعفت كثيرًا خلال الفترة الماضية.

إذ يسعى المالكي وعبر الدفع بالسوداني لتشكيل الحكومة، الذي هو من جانب آخر يحظى بدعم الخزعلي، لجعل منصب رئيس الوزراء بمثابة المطرقة التي يمكن من خلالها التأثير بمسار العملية السياسية في المرحلة المقبلة، وكذلك تهيئة وضعهم داخل الحكومة، استعدادًا لأي خطوة مفاجئة قد يقدم عليها الصدر أو متظاهرو تشرين بأي وقت.

وفي سياق الصراع المحتدم على المناصب الأمنية، يدرك السوداني أهمية إبعاد هذه المناصب عن سيطرة الفصائل المسلحة، لما لذلك من تداعيات خطيرة على الأمن الوطني العراقي، فهناك العديد من الشراكات الأمنية التي أبرمها العراق خلال الفترة الماضية، وتحديدًا مع التحالف الدولي وحلف الناتو، إلى جانب تعاون استخباري مع العديد من المؤسسات الاستخبارية في الدول المجاورة للعراق، وتحديدًا الأردن ودول الخليج وتركيا ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وجميع هذه الدول والشركاء ليسوا على علاقة جيدة بالفصائل المسلحة القريبة من إيران، التي تريد الاستحواذ عليها، ما قد يؤثر سلبًا على وضع العراق في منظومة الأمن الدولي.

جميع هذه الكتل ومنها الفصائل المسلحة، تنظر للكابينة الحكومية التي يطمح السوداني في استكمالها، على أنها جزء من غنيمة سياسية أكثر من كونها استحقاقًا سياسيًا

إن إصرار الفصائل المسلحة على الاستحواذ على مناصب كانت تدار في العادة من شخصيات معتدلة أو بعيدة عن نفوذ إيران، وتضمن علاقات استخباراتية جيدة مع واشنطن والتحالف الدولي وحلف الناتو وأجهزة الأمن في الدول العربية المجاورة، يعني إمكانية حصول تغيير يتيح للفصائل أن تتحكم بهذه المناصب الأمنية العليا، وسيزعزع الثقة الدولية والإقليمية بنظام الأمن العراقي، الذي حقق خلال الأعوام الأخيرة سمعة جيدة بعد النجاح في تطويق خطر الإرهاب وتنظيم "داعش"، فالسوداني لم ينجح حتى الآن في إقناع الفصائل بحكومة تمثل حلفاء طهران، لكنها تحكم عبر وجوه مقبولة نسبيًا ولا تستعجل تحقيق المكاسب ولا تقوم بتغييرات مفاجئة وشاملة للمناصب الأمنية والاقتصادية في البلاد. 

وإلى جانب طموحات الفصائل، يتحرك المالكي، للتأكد من أن الحكومة الجديدة قوية بما يكفي للبقاء دورة تشريعية كاملة، تمنع خلالها أي محاولة للاحتجاج أو التظاهر، فالمالكي يخوض مفاوضات موازية لتشكيل الحكومة، تتعلق بإعادة هيكلة المناصب العسكرية الرفيعة، وتشمل خطته تغيير قادة فرق الجيش ومنحها لضباط موالين له، ويجري هذا بالتزامن مع محاولات لتنظيف جهاز المخابرات من عناصر وضباط تشك الفصائل في ولائهم السياسي، ويعتقد أعضاء من الإطار التنسيقي الشيعي، أن المالكي بدأ بالفعل في صناعة خصوم داخل دائرة القوى الحليفة، بينما يتخوف قادة شيعة من أن يكون السوداني واحدًا منهم على المدى القريب.

مما لا شك فيه أن النفوذ الذي امتلكته الفصائل المسلحة خلال الفترة الماضية، واسئثارها بالوضع القائم بالوقت الحاضر، سيعقد مهمة السوداني كثيرًا، الذي هو الآخر بدأ يجد نفسه معرضًا لضغوط المدة الدستورية لاستكمال كابينته الحكومية من جهة، وضغوط ومطالب الكتل السياسية من جهة أخرى، فجميع هذه الكتل ومنها الفصائل المسلحة، تنظر للكابينة الحكومية التي يطمح السوداني في استكمالها، على أنها جزء من غنيمة سياسية أكثر من كونها استحقاقًا سياسيًا، فضلًا عن أن حالة عدم اليقين التي تمر بها العملية السياسية اليوم، جعلت جميع هذه القوى تحاول تحقيق أكبر قدر من المغانم السياسية، خشية أن يؤدي فشل السوداني في إدارة الحكومة الجديدة، إلى تهيئة بيئة احتجاجية جديدة، تعيد استنساخ سيناريو حكومة عادل عبد المهدي.