بدأت عملية التعويم الجزئي للدرهم المغربي سنة 2018

بدأت عملية التعويم الجزئي للدرهم المغربي سنة 2018

مرة أخرى تعود مسألة تعويم الدرهم المغربي إلى الواجهة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد في الأشهر الأخيرة، وسعي حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش إلى دفع الصادرات وجذب الاستثمارات الخارجية، فهل تقرر الرباط اتباع نهج مصر وتحرير العملة كليًا.

أزمة اقتصادية

نهاية السنة الماضية، كان الاقتصاد المغربي، قد بدأ يتعافى من تبعات أزمة جائحة كورونا، مسجلًا نسبة نمو بلغت 7.9%، مستعيدًا بذلك خسائر الإنتاج التي شهدها خلال السنة الأولى من الجائحة، وكانت المملكة تأمل في تحقيق نمو بمعدل 3.2% هذا العام.

لكن سلسلة من الصدمات المتداخلة أدت إلى تباطؤ مفاجئ في النشاط الاقتصادي، وانخفض نمو إجمالي الناتج المحلي إلى 0.3% فقط في الربع الأول من عام 2022، كما خفض رئيس الحكومة توقعات بلاده من نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نطاق 1.5-1.7% خلال السنة الحاليّة، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي 1.1%.

كما ارتفع معدل التضخم السنوي في المغرب إلى 8.3 % في سبتمبر/أيلول الماضي، مقارنة بنفس الشهر من 2021، وفي سبتمبر/أيلول الماضي، توقع البنك المركزي المغربي تضخمًا عند 6.3 % خلال 2022، و2.4% في 2023 مقابل 1.4% في 2021.

في المرحلة الأولى سمح المغرب لسعر صرف الدرهم بهامش 2.5% صعودًا أو هبوطًا

يؤدّي التضخم في ظل نمو اقتصادي ضعيف إلى تضرر القدرة الشرائية لكل الفئات الاجتماعية في المملكة، فضلًا عن إذكاء الاحتقان الشعبي، وقد عاينا ذلك في ارتفاع التحركات الاحتجاجية المطالبة بالتشغيل والتنمية في المملكة.

أرجعت الحكومة المغربية سبب ذلك إلى "الظروف الخارجية المفاجئة والتحولات المناخية غير المستقرة"، وتعني الحكومة بالظروف الخارجية تداعيات الحرب الروسية ضد أوكرانيا المتواصلة منذ أشهر، فالمغرب يعتبر مستوردًا أساسيًا للطاقة والحبوب القادمة من روسيا وأوكرانيا، وقد تأثرت المملكة كثيرًا بصدمات ارتفاع أسعار المواد الأولية التي أثارتها الحرب.

أما التغيرات المناخية، فتقصد بها الحكومة موجة الجفاف الثالثة خلال السنوات الأربعة الماضية، وهي الأسوأ منذ أربعة عقود، ولا يتعدى مخزون السدود المغربية 27% من طاقتها، لكن الوضع مرشح للأسوأ تدريجيًا بفعل تراجع الأمطار وارتفاع سنوي للحرارة.

هذه الأزمة الاقتصادية ظهرت ملامحها داخل المجتمع، إذ ارتفعت نسبة البطالة والفقر، وأفادت مذكرة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية) بأن أكثر من ربع الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا على الصعيد الوطني، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين.

كما كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن نحو 3.2 مليون شخص إضافي تدهورت أوضاعهم المعيشية، تحت التأثير المزدوج للأزمة الصحية المرتبطة بفيروس كورونا والتضخم، وأضافت المندوبية أن التقديرات تشير إلى فقدان ما يقرب من سبع سنوات من التقدم المحرز في القضاء على الفقر والهشاشة.

الأزمة تظهر أيضًا في ارتفاع أسعار العديد من المواد خاصة الأساسية منها والمواد الطاقية، كما سجلت الأسواق ندرة في العديد من المواد، ورغم تطمينات الحكومة المتتالية فإن الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فالإجراءات الحكومية لم تفلح في وضع حد للأزمة.

مسار التعويم

أمام هذه الأزمة، رجعت مسألة تعويم العملة إلى الواجهة، بهدف تقوية الاقتصاد الوطني المغربي إزاء الصدمات الخارجية، وتقوية تنافسيته ومستوى نموه، فضلًا عن تقوية انفتاح الاقتصاد على الخارج، وجذب الاستثمارات الخارجية.

بدأ مسار تعويم الدرهم في يناير/كانون الثاني 2018، حين اختارت الحكومة المغربية بقيادة سعد الدين العثماني حينها تعويم عملة المملكة المحلية تدريجيًا كأحد بنود برنامج إصلاح اشترطه صندوق النقد الدولي لتقديم مساعدة للمملكة اقتصاديًا.

في المرحلة الأولى سمح المغرب لسعر صرف الدرهم بهامش 2.5% صعودًا أو هبوطًا، أمام سلة من عملتي اليورو (بوزن 60%) والدولار الأمريكي (بوزن 40%)، وفي 9 مارس/آذار 2020، شرع المغرب في تطبيق المرحلة الثانية من تحرير سعر صرف الدرهم، بتوسيع هامش التحرك إلى 5% صعودًا أو هبوطًا.

نتيجة هذه التطورات، من المرتقب أن تؤجل الحكومة المغربية خطط تعويم العملة المحلية لفترة إضافية، حتى لا ينزلق الاقتصاد إلى المجهول

قبلها بسنة، تحديدًا يوم 24 يناير/كانون ثاني 2019، أوصى خبراء صندوق النقد الدولي السلطات المغربية بعدم التأخر في توسيع نطاق تحرير سعر صرف العملة الوطنية، وقال الصندوق في تقرير له إن توسيع نطاق تحرك الدرهم ضروري من أجل حماية الاحتياطات الأجنبية، وجعل الاقتصاد الوطني في وضع أفضل، لاستيعاب الصدمات الخارجية المحتملة والحفاظ على القدرة التنافسية.

لم تحصل ارتدادات وارتباكات كبيرة نتيجة التعويم الجزئي للدرهم، فالبنك المركزي المغربي كان له دور كبير في مسار التعويم، ما مكّن المملكة من المحافظة على التوازنات الاقتصادية الكبرى والمحافظة كذلك على السياسة النقدية لها.

المملكة غير جاهزة للتعويم الكلي

في المرحلة الأولى لم ينهر الدرهم المغربي، وبقي في نفس مستواه صامدًا وحافظ على قوته، لكن وقتها كانت الظروف الاقتصادية والمالية مغايرة عما هو الوضع عليه الآن، فقد كانت الظروف مواتية، تتسم بمستوى ملائم من احتياطات العملة الصعبة ومستوى تضخم متحكم فيه.

الوضع الآن مختلف، فاحتياطات العملة في تراجع نتيجة ارتفاع الواردات، والتضخم بلغ مستويات قياسية والاقتصاد في حالة عدم يقين، مع استمرار تفوق الواردات على الصادرات وسط ارتفاع فاتورة الطاقة، ما يعني أن المملكة الآن غير مستعدة للانتقال إلى التعويم الكلّي للعملة المحلية.

المملكة المغربية الآن ليست على استعداد لاستعمال رصيدها المتآكل من النقد الأجنبي في مواجهة الأزمة التي يمكن أن يتسبب فيها التعويم الكامل للعملة المحلية، لذلك تتريث الحكومة في إعلان هذا القرار وترفض مطالب صندوق النقد الدولي في هذا الخصوص.

حتى صندوق النقد الدولي الذي يضغط على الحكومة المغربية في اتجاه إقرار التعويم الكامل للعملة المحلية، بدأ يتراجع ويرى أن الظروف غير مواتية، فقد قال مسؤول في الصندوق - نهاية الأسبوع الماضي - إن الظروف الدولية الحاليّة لا تساعد على تسريع تعويم سعر صرف الدرهم المغربي.

وأفاد رئيس وفد الصندوق روبيرتو كارداريلي، في زيارته الأخيرة للمغرب بأن الانتقال إلى مرحلة أعلى في مسلسل تعويم سعر صرف الدرهم المغربي، يقتضي الانتظار إلى حين زوال حالة عدم اليقين السائدة على الصعيد الدولي.

وأوضح المسؤول المالي أن المغرب شهد العديد من الصدمات الخارجية التي كبحت الانتعاشة السريعة بعد جائحة كورونا، مشيرًا إلى أن الجفاف أثّر بشكل سلبي على الإنتاج الزراعي، بينما غذت الصدمات المرتبطة بالحرب الروسية في أوكرانيا التضخم وقلصت القدرة الشرائية.

نتيجة هذه التطورات، من المرتقب أن تؤجل الحكومة المغربية خطط تعويم العملة المحلية لفترة إضافية، حتى لا ينزلق الاقتصاد إلى المجهول ونشاهد تكرار السيناريو المصري في المغرب أيضًا، فمصر سارعت إلى تعويم الجنيه دون وجود ضمانات، ما جعل عملتها المحلية تنهار بسرعة أمام العملات الأجنبية.