لا يعرف كثيرون أن مدينة العلا التي احتضنت القمة الخليجية الشهيرة (41) في 5 يناير/ كانون الثاني 2021، والتي كان من مخرجاتها إنهاء الأزمة الخليجية التي اندلعت عام 2017، واحدة من أقدم مدن العرب تاريخًا، إذ تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد حين كانت عاصمة مملكة لحيان القديمة، وإحدى قلاع العرب الاقتصادية قبل الإسلام.

وكانت تسمّى لحيان قبل ذلك بـ"ديدان" نسبة إلى المملكة التي قامت على أنقاضها، والتي لم يدُم بقاؤها طويلًا كما سيرد ذكره، واستمرت عبر مراحلها التاريخية الثلاث من عام 2000ق.م إلى 150م، وقد ساهمت بعطائها المتنوّع في إثراء الحضارة الإنسانية بقدر وافر من الفنون والكتابة والتجارة والعمارة، ولا تزال آثارها باقية هناك حتى اليوم.

جغرافيًّا، تقع لحيان وفق التقسيم الحالي في شمال غرب السعودية، وتتبع إداريًّا المدينة المنورة، وذلك بين خطَّي الطول 36 - 37، وخطوط العرض من 20 إلى 27، وعلى بُعد 22 كيلومترًا جنوب مدائن صالح، كما يتميز هذا الموقع بأهمية استراتيجية كبيرة إذ يقع على الطريق التجاري القادم من جنوب الجزيرة العربية، متجهًا إلى بلاد الشام وسواحل البحر المتوسط شمالًا وإلى بلاد الرافدين، فهو حلقة الوصل بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط.

ويشير المؤرخون -رغم قلة ما كُتب عن تلك المملكة- إلى أنها واحدة من القلاع الاقتصادية في تاريخ العرب، وإحدى الحضارات التي استطاعت في وقت قصير أن ترسّخ لما أُطلق عليه لاحقًا "الإمبراطوريات الاقتصادية"، حيث نجحت في توظيف ما لديها من إمكانات جغرافية في إنعاش خزائنها وتحقيق طفرة تنموية كبيرة، كانت سببًا رئيسيًّا في تعرُّضها للكثير من الأطماع الخارجية.

المرحلة الديدانية (2000-1700ق.م)

مرّت مملكة لحيان بـ 3 محطات رئيسية عبر تاريخها الممتد لقرابة 2000 عام، المرحلة الأولى كانت تسمّى بـ"الديدانية" نسبة إلى مملكة ديدان التي سبقت لحيان مباشرة، وامتدت فترة 2000-1700ق.م، وتشير الكتابات التاريخية إلى أنها كانت جزءًا من مملكة معن اليمنية، حيث انتقلت جالية من المعينيين اليمنيين إلى مدينة العلا وأنشأوا بها مملكة صغيرة أسموها "مملكة ديدان"، وكانت صغيرة للغاية لا تتجاوز مساحتها مساحة المدينة الواحدة.

ويعود الفضل في توثيق هذه المملكة تاريخيًّا إلى السائح تشارلز مونتاغو دوتي خلال رحلته إلى أرض مدين عام 1876م، حيث زار العديد من المناطق التراثية والأثرية مثل مدائن صالح والحجر والعلا، ويعدّ ما كتبه عن مملكة ديدان أفضل ما كُتب في الأدب الإنجليزي عن تلك المنطقة والفترة الزمنية، بحسب المؤرخ جواد علي في موسوعته "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام".

وبعد دوتي جاء رحّالون آخرون واكتشفوا المعالم الأثرية لتلك المملكة، مثل يوليوس أويتنك وتشارلز هوبر وجوسن وسافينه وغيرهم، حيث صوّروا بعض الكتابات والرسوم المنقوشة على جدران المعالم الأثرية في العلا وغيرها، والتي توثّق تلك الحضارة الممتدة لأكثر من 4 آلاف عام.

كان الأنباط ينظرون إلى لحيان على أنها كنز اقتصادي يجب السيطرة عليه، وكانت لديهم نزعة انتقامية منهم بسبب تحويلهم تجارة العطور والبهارات إلى مصر مباشرة دون المرور بعاصمتهم البتراء

ولفت المؤرّخون إلى أن تلك المملكة كانت عقدة من عقد المواصلات الهامة التي تربط جزيرة العرب ببلاد العراق وبلاد الشام ومصر، وفيها التقت ثقافات وحضارات هذه الأماكن، كما أنها تقع على الطرق البرّية الموازية للبحر الأحمر، حيث كان أهل الجزيرة العربية الجنوبية ينقلون منها تجارتهم وتجارة أفريقيا والهند وبقية آسيا إلى بلاد الشام.

كما أنها لا تبعد أكثر من مسيرة 5 أيام عن البحر الأحمر حيث كان التجّار يذهبون إلى موانئه لبيع ما عندهم لتجّار مصر، لذلك كانت ديدان ملتقى العرب (عرب الجنوب وعرب الشمال) وملتقى التجار الأجانب، وهو ما يظهر في كتاباتها بالخط الشمالي والجنوبي معًا.

ويشير المؤرخ العراقي في موسوعته إلى أن ندرة الكتابات عن ديدان أضفت شيئًا من الغموض عن كيفية حصول الديدانيين على استقلالهم وعلاقاتهم بالمعينيين اليمنيين الذين كانوا قبلهم في تلك الأرض، إلا أن دراسات أخرى أشارت إلى وجود العديد من الملوك الذين حكموا تلك المملكة الصغيرة، منهم الملك كبير إل بن متع، والملك جشم بن شهر، وقهال نبط، وكبرا، ومتعال بر كبرا، وعاصي فعل لطحن، وهناء يامن، وهبال بن حيو ذعم رتنع، ومنعي لذن بن هنأس.

المرحلة اللحيانية الأولى (1300-200ق.م)

تبدأ المرحلة الثانية من تاريخ مملكة لحيان والمسمّاة بـ"اللحيانية الأولى" منذ 1300ق.م وحتى 200ق.م، ومن سمات تلك الفترة كثرة الكتابات بشأنها مقارنة بالمرحلة الديدانية، حيث عُثر على الكثير من الوثائق المكتوبة باليونانية واللاتينية التي توثّق لتلك المرحلة التي وُصفت بأنها الأهم في تاريخ المملكة اللحيانية.

كان اللحيانيون في ذلك الوقت حلفاء البطالمة الذين كانوا يحكمون مصر، وكانت بينهم علاقات اقتصادية قوية، حيث كانوا يصدّرون لهم العطور والبهارات والخيول العربية الأصيلة من خلال مينائي أمبليوني البطلمي ولويكي كومي اللحياني، كما توطدت العلاقات السياسية بينهما بشكل دفع كلاهما إلى وقف حروبهما مع السلوقيين والسبئيين.

وعلى الجانب الآخر كانت علاقتهم مع الأنباط المجاورين (البتراء بالأردن) متوترة، إذ كان الأنباط ينظرون إلى لحيان على أنها كنز اقتصادي يجب السيطرة عليه، وكانت لديهم نزعة انتقامية منهم بسبب تحويلهم تجارة العطور والبهارات إلى مصر مباشرة دون المرور بعاصمتهم البتراء، ما أثّر سلبًا على اقتصادهم.

وكثيرًا ما تحرّش الأنباط باللحيانيين، غير أن قوة الأخيرين كانت حائلًا دون السيطرة عليهم، مع الاستقواء بالحليف البطلمي الذي كان في أوج قمّته، هذا مع الوضع في الاعتبار ضعف حكّام الأنباط في معظم الأوقات، وبعد مناوشات وتحرشات بين الطرفَين، ارتأى الأنباط إيفاد ممثل دبلوماسي لهم للتوصُّل إلى اتفاق سلام مع اللحيانيين، وهو اتفاق أقرب إلى الاستسلام، وما كان أمام ملك لحيان سوى الرفض.

وظلت العلاقات متأرجحة بين الشدّ والجذب حتى ضعف البطالمة الذين كانوا بمثابة حائط الصد الأبرز للحيانيين في مواجهة الأنباط، ما جعل الأمر سهلًا على الأخير في معاودة التحرش مرة أخرى بجاره الثري اقتصاديًّا، وبعد سنوات من المحاولات نجح في فرض السيطرة عليه وإذعانه لشروطه وأوامره، لتبدأ المرحلة الثالثة من تاريخ مملكة لحيان.

جدير بالذكر أنه قد توالى على حكم لحيان في مرحلتها الثانية العديد من الملوك الأقوياء، أبرزهم بحسب ما ذكره علماء الآثار الملك هنأس بن شهر، والملك تخمي بن لذن الملقّب بـ"ذسفعن"، والملك شمت جشم بن لذن، والملك جلت قوس، والملك منعي لذن بن هنأس.

المرحلة اللحيانية الثانية (107-150م)

رغم سقوط لحيان في قبضة الأنباط، إلا أنها لم تستسلم بشكل كامل، وظلَّ أهلها في مقاومة شرسة على أمل نيل استقلالهم، ولذلك تحالفوا مع الرومان ضد الأنباط، ونجح هذا التحالف في القضاء على الأنباط عام 106م، وردًّا لهذا الجميل أوقف الرومان زحفهم عند مشارف الأرض اللحيانية، على بُعد 10 كيلومترات من عاصمتهم العلا، ولم يسيطروا عليها، فيما منحو اللحيانيين حكمًا ذاتيًّا وإن كانوا تحت إمرة الرومان في الوقت نفسه. 

غير أن الغزوات التي شنّها الرومان أضعفت دولتهم بشكل كبير، وفي المقابل تعاظمت قوة اللحيانيين بصورة أكبر، وهو ما شجّعهم على الاستقلال عن الرومان، برئاسة الملك تيمي سليل الأسرة الحاكمة قبل سيطرة الأنباط على المملكة، وبالفعل بدأوا في إعادة بناء دولتهم الكبرى من جديد.

كانت ديانة اللحيانيين ديانة وثنية في المقام الأول تعتمد على تعدد الآلهة

وتعاقب على حكم لحيان بعد إعادة بنائها مرة أخرى واستقلالها عن الأنباط العديد من الملوك، منهم -بجانب تيمي- الملك تامني بن تيمي، والملك تارتلو الملقّب بـ"سكيوبس"، والملك عبدنان، والملك صلحان، والملك فضج، والملك عمدان، والملك شهر بن عاسفان، وغيرهم من الملوك الذين كانت تتميز فترات حكمهم بقصر مدّتها.

لم يكن ملوك مملكة لحيان الثانية كملوك المملكة الأولى من حيث القوة والنزاهة، ففي عهدهم كثرت السرقة والحوادث وانتشر السكر والعربدة في الشوارع، وفَقَدَ المزارعون حماسهم والتجّار رزانتهم، ولم يكن الحكم مستقرًّا في المجمل، بل أن السلطة كانت في يد رئيس مجلس الشعب (هجبل)، ما أدّى في النهاية إلى سقوط المملكة عام 150م، وتشتّت شعبها بين العراق وعاد ومكة وقليل منهم من بقيَ في العلا.

الثقافة والفنون ومظاهر التحضُّر

كانت ديانة اللحيانيين ديانة وثنية في المقام الأول تعتمد على تعدد الآلهة، ومن أبرز الآلهة التي كانت منتشرة في المملكة الإله ذو غابة، والذي كان يقع مقرّه في وسط العاصمة العلا، وكان هناك فناء كبير به حوض ماء يغتسل منه كل من يريد التعبُّد، وكان شعب لحيان يتقرّبون لآلهتهم بالدعاء والنذر لتوسيع الرزق وشفاء المرضى.

وما يبرهن على تديُّن اللحيانيين أنه كان هناك شهر معلوم يُشدّ فيه الرحال إلى مقرّ الإله، حيث كانوا يقيمون بالقرب منه وينحرون الذبائح ويقدّمون النذور، ولم يكن ذو غابة هو الإله الوحيد، فهناك آلهة أخرى مثل الإله ود، والإله سلمان، والإله بعل سمن، والإله عجلبون، وكانت هناك حرية في التعبُّد دون قيود أو ضغوط أو استهداف من أنصار هذا الإله أو ذاك.

وكان اللحيانيون يتحدثون لغة عربية شمالية، وكان خطهم الذي يكتبون به هو الخط اللحياني المنبثق عن الخط المسند الجنوبي، وكانت حروف الهجاء عندهم 28 حرفًا كاللغة العربية اليوم، وكانت هناك 3 طرق رئيسية للكتابة، هي إبراز الحرف عبر تفريغ ما حول الحرف لإبرازه، وطريقة الحز بأداة حادة بحيث يكون الحرف غائرًا، وطريقة النقر حيث يتمّ نقر الأحرف على الصخر وتكون سميكة، وتشير الوثائق والرسوم التاريخية إلى وجود مدارس لتعليم القراءة والكتابة في العلا، ما يبرهن على اهتمام لحيان بالتعليم والتعلم.

كما عرف اللحيانيون الموسيقى والفنون ويمارسون العزف على الآلات الوترية كالسمسمية والمزامير، وهو ما توثّقه الرسوم المنقوشة على بعض الواجهات الصخرية لجبل العكة وبعض الجدران الأخرى في العلا، والتي كشفت عن امتهانهم لبعض المهن الفنية كالنحت والصياغة.

وتتميز منازلهم بالطريقة المعمارية التربيعية، أي تُبنى البيوت بشكل مربّع لا تزيد فتحتها عن متر واحد، وعمقها في داخل الصخر حوالي مترَين، ومن أشهر البيوت بيت الأسدين، كما تميّزوا بنحت الجبال واتخاذها بيوتًا للتباهي ودفن موتاهم بها، ومن أكثر مظاهر التحضر عند اللحيانيين حرية التملك للمرأة وهو ما أثبتتها نقوشهم.

النماء الاقتصادي

ساعد الموقع الاستراتيجي للحيان في أن تكون قوة اقتصادية كبيرة، إذ كانت واحدة من أهم المحطات التجارية التي تربط بين الشرق والغرب، ما أهّلها لأن تكون قبلة القوافل التجارية، البرّية والبحرية، القادمة من الهند إلى مصر وبلاد الرافدين، وهو ما حوّلها مع مرور الوقت إلى سوق كبير للتجارة الحرة بين الحضارات التي كانت متواجدة في ذلك الوقت، وكما ذُكر سابقًا تميّزت لحيان بتجارة وتصدير البخّور والعطور والبهارات، بجانب المواد الغذائية أبرزها الحبوب والتمور والأعلاف.

كما ازدهرت الزراعة بفضل مصادر المياه المتوفرة، سواء كانت مياه جوفية يتمّ استخراجها عن طريق حفر الآبار، أو مياه الأمطار والسيول وبناء السدود، ومن ثم تميّزت منطقة شمال الجزيرة العربية، ومنها ديدان ولحيان، بالرخاء الزراعي والحدائق الغنّاءة والمزارع المنتشرة، وقد وثّقت النقوش التي وُجدت في العلا وجود بعض المحاصيل الزراعية كالنخيل.

وما يدل على ازدهار الزراعة في المملكة وجود العديد من المعاملات ذات الصلة بالمجال الزراعي، ومنها المحاقلة (استئجار الأراضي) والمزارعة (اتفاق بين صاحب الأرض والمزارع على زراعة الأرض نظير نسبة منها) والمساقاة (قيام شخص بتوصيل المياه للأرض نظير حصة من الإنتاج)، هذا بجانب تدشين شبكة متطورة من القنوات لحسب المياه المخزّنة في الآبار الجوفية وريّ المحاصيل بها، ويُقال إن العلا كان بها 90 عينًا للماء، بعضها كان على عمق أكثر من 10 أمتار.

مما نُقل عن مجتمع لحيان ويدلّ على تطورهم الحضاري، أنهم كانوا يتعاملون بالعملات وليس بالمقايضة كما هو الحال في الحضارات القريبة منهم

كما تميّز اللحيانيون بالثروة الحيوانية الكبيرة كالأغنام والأبقار والإبل، وما ساعدهم على ذلك المراعي التي كانت موجودة في العلا الزاخرة بالأعشاب في مواسم المطر، حيث ازدهرت المنتجات المصنوعة من الحيوانات كالأصواف والأوبار والألبان والجبن وغيرها، كما كانت الإبل في ذلك الوقت وسيلة الانتقال الأبرز، وكان البعض يقيّم الرجل ومستواه المادي نسبةً إلى عدد الإبل التي يملكها.

ومما نُقل عن مجتمع لحيان ويدلّ على تطورهم الحضاري، أنهم كانوا يتعاملون بالعملات وليس بالمقايضة كما هو الحال في الحضارات القريبة منهم، فكانت هناك عملة مسكوكة (تسمّى سلعت) على نمط عملة مدينة الإسكندرية، غير أنها كانت مميزة بوجود اسم الملك اللحياني مكتوب عليها بالخط المسند، وقد وَجَدَ الباحثون نقشًا لحيانيًّا على أحد جدران العلا يشير إلى "أنَّ رجلًا اشترى 10 مناهل من المياه بـ 40 سلعتًا".

وبعد مرور قرابة 4 آلاف عام على نشأة مملكة لحيان ومن قبلها ديدان، وحوالي 1900 عام على نهايتها، لا تزال تلك الحضارة واحدة من أنصع الحضارات العربية قبل الإسلام، وأزهرها تقدمًا، وأطولها عمرًا، فيما بقيت معالمها الأثرية القائمة حتى اليوم أكبر شاهد على ما كان عليه العرب قبل الميلاد، وكيف أنهم كانوا ندًّا قويًّا ومنافسًا شرسًا لحضارات العالم المتقدمة في ذلك الوقت.