حققت قناة السويس في العام المالي الحالي أعلى إيرادات في تاريخها

أثارت موافقة مجلس النواب المصري (البرلمان) بشكل مبدئي في جلسته، التي عُقدت الاثنين 19 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، على مشروع القانون المقدَّم من الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون رقم 30 لعام 1975 بنظام هيئة قناة السويس، حالة من الجدل داخل الشارع المصري، خوفًا وترقُّبًا لمستقبل قناة السويس، فيما تمَّ إرجاء الموافقة النهائية على المشروع لجلسة أخرى.

يقضي مشروع القانون المقدَّم بإنشاء كيان جديد تحت مسمّى "هيئة صندوق قناة السويس"، ومنحه العديد من الصلاحيات التي وصفها البعض بـ"الكارثية" على رأسها حق شراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال أصول الصندوق الثابتة والمنقولة والانتفاع بها، بجانب تأسيس الشركات والاستثمار في الأوراق المالية.

أحدث الإعلان عن موافقة البرلمان الأولية على المشروع انقسامًا داخل الشارع المصري، بين معارضين لفكرة أن تكون أصول القناة مطروحة للبيع أو الاستئجار أو المزايدة عليها بأي شكل من الأشكال، ومؤيّدين بدعوى تعزيز صناعات واستثمارات الهيئة في مواجهة الظروف الطارئة التي تؤثر على أرباح القناة، مثل جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.

وممّا أثار القلق أن تقديم المشروع للبرلمان جاء بعد أقل من 3 أيام على بيان صندوق النقد الدولي حول الموافقة على منح مصر قرضًا بـ 3 مليارات دولار خلال 46 شهرًا، والصادر في 16 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، والذي تضمّن لجوء مصر إلى بيع الأصول المملوكة للدولة للوفاء بالتزامات السداد، حيث جاء نصًّا: "يُتوقع أن يشجّع "تسهيل الصندوق الممدد" على إتاحة تمويل إضافي لصالح مصر بقيمة 14 مليار دولار أمريكي تقريبًا من شركائها الدوليين والإقليميين، شاملًا موارد تمويلية جديدة من دول مجلس التعاون الخليجي وشركاء آخرين من خلال عمليات البيع الجارية للأصول المملوكة للدولة وقنوات التمويل التقليدية من الدائنين الثنائيين ومتعددي الأطراف".

وقد بلغت إيرادات قناة السويس عن العام المالي الماضي 2021/2022 قرابة 7 مليارات دولار مقابل 5.8 مليارات دولار في العام المالي 2020/2021 بزيادة قدرها 20.7%، وهي الأعلى في تاريخها، فيما يتوقع رئيس هيئة القناة، أسامة ربيع، أن تصل إيرادات القناة إلى 8 مليارات دولار في السنة المالية الحالية.

التزامُن بين مشروع القانون المقدم من الحكومة وبيان صندوق النقد الدولي ليس اعتباطيًّا ولا مصادفة كما يميل البعض، فهو تزامُن مرحلي يعكس التنسيق المسبق بين الطرفَين، وإعداد الدراسات اللازمة لطمأنة الصندوق بقدرة مصر على الوفاء بالتزامات سداد الأقساط والفوائد في ظل تعاظُم الدين الخارجي لمستويات غير مسبوقة في تاريخ البلاد.. فهل تضطر مصر بيع أصولها في قناة السويس فعلًا؟

قانون مثير للشكّ

جرى تمرير القانون من الحكومة إلى البرلمان بشكل سريع ودون أي نقاشات مجتمعية أو سياسية، ما أثار الشكوك لدى البعض من هذه الهرولة، خاصة أن المجلس النيابي صاحب الأغلبية الداعمة للحكومة والأقلية الصورية الهشّة، لن يتردد كثيرًا في تمرير كافة المشاريع القادمة من السلطة التنفيذية، فلأجل هذا تمَّ تشكيله وفق تلك الهيكلية التي تسمح بعدم معارضة أي قوانين أو خطط تُعرَض عليه من مجلس الوزراء.

مشروع القانون المقدّم يتكوّن من مادتَين بخلاف مادة النشر، المادة الأولى (15 مكرر) تضمّنت "إنشاء "صندوق هيئة قناة السويس"، تكون له شخصية اعتبارية مستقلة، ومقرّه الرئيسي محافظة الإسماعيلية، وأجازت لمجلس الإدارة أن ينشئ فروعًا ومكاتب له داخل جمهورية مصر العربية، على أن يصدر النظام الأساسي للصندوق بقرار من رئيس الجمهورية بناءً على عرض رئيس هيئة قناة السويس وموافقة مجلس الوزراء". أما المادة (15 مكررًا "3") فحدّدت رأس مال الصندوق بقيمة 100 مليار جنيه مصري، ورأس ماله المصدر والمدفوع بقيمة 10 مليارات جنيه مصري، كما اعتبرت الصندوق أحد أشخاص القانون الخاص.

إلا أن أكثر المواد المثيرة للجدل في مشروع القانون فهي مادة (15 مكررًا "2") والتي تمنح الصندوق حق "شراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال أصول الصندوق الثابتة والمنقولة والانتفاع بها"، بما يعني أن هذا الكيان الجديد يمكنه بيع أصول القناة دون ضوابط خاصة بتفاصيل هذا البيع ولا هوية المشتري، سواء كان مؤسسة داخلية أو خارجية.

كذلك المادة (15 مكررًا "4")، والتي حددت موارد الصندوق في عدة مصادر، وهي "رأس مال الصندوق، ونسبة من إيرادات هيئة قناة السويس، أو تخصيص جزء من فائض أموال هيئة قناة السويس لصالح الصندوق بعد الاتفاق مع وزير المالية، وعائد وإيرادات استثمار أموال الصندوق"، ما يعني السحب من إيرادات قناة السويس لدعم موازنة الصندوق الجديد.

اعتراض برلماني

أعربت عدة أصوات برلمانية عن رفضها لهذا المشروع الذي يمثّل تهديدًا مباشرًا للشريان الاقتصادي الأهم في مصر، وأحد مصادر الدخل النقدي للبلاد من العملة الصعبة، بجانب أنه مسألة أمن قومي من الطراز الأول، حيث تساءلت النائبة سناء السعيد: هل ننشئ صندوقًا ونعطي لمجلس إدارته صلاحية بيع أصول؟ ومن هؤلاء الذين يعطيهم المجلس الحق في بيع أصول القناة؟ مذكّرة بأن المادة (15 مكررًا ب) تعطي للصندوق حق "شراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال أصوله الثابتة والمنقولة والانتفاع بها". 

واختتمت النائبة حديثها لموقع "درب" المصري: "الحقيقة المشروع ده خطر على قناة السويس وعلى مصر والمشروع يفتح الباب على مصراعيه لبيع أصول القناة، إحنا مش ضامنين مين اللي هيكون في مجلس إدارة الصندوق علشان نديله شيك على بياض لبيع أصول قناة السويس؟!! أرفض هذا المشروع جملة وتفصيلًا".

وعلى صفحته الشخصية على فيسبوك، علّق عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فريدي البياضي، على المشروع المقدّم، قائلًا: "كل الاحترام والتقدير لهيئة قناة السويس؛ لكن النهاردة الحكومة جاية توقّع الميزانية أكثر ما هي واقعة! الحكومة كل شوية تطلعلنا بصندوق وتقول علشان يبقى عندنا مرونة، وتاخد جزء من إيرادات الدولة بعيدًا عن موازنة الدولة، وبعيدًا عن رقابة البرلمان!".

وأضاف: "بأمارة إيه أدّيلك مرونة؟! ما أنت لو كنت بتعرف تسوق؛ كنت سيبتك تسوق، إنما أنت عمال تعوّم في الجنيه وغرقتنا في الديون! وغرّقت الطبقات المتوسطة والفقيرة! الحكومة دي ها تتسمى في التاريخ (حكومة الصناديق)"، وتابع: "كفاية إفراغ لموازنة الدولة! كفاية صناديق! كفاية سياسات خاطئة! كفاية كدا على الحكومة! الحكومة دي لازم تتشال وتتحاكم!".

أما النائب عبد المنعم إمام استنكر تخصيص موارد الصندوق الجديد من إيرادات قناة السويس، متسائلًا: "احنا بنتكلم عن أكبر مصدر للنقد الاجنبى 7 مليار دولار فى الموازنه العامه للدولة اللى فيها عجز 560 مليار جنيه! ازاى اجى انشأ صندوق ياخد نسبه من الإيرادات دى علشان احطها فى الصندوق مش كفايه عندنا 7000 صندوق خاص فى مصر"، معلنًا رفضه للمشروع المقدّم.

رفض شعبي

ردود فعل غاضبة رافقت المشروع بعد الإعلان عن الموافقة المبدئية للبرلمان عليه، حيث قال وزير الإعلام الأسبق، أسامة هيكل، على حسابه الرسمي على فيسبوك، إن هذا "أمر خطير للغاية ويحتاج مراجعه فورية، فقناة السويس مرفق استراتيجي لا يجوز التفريط فيه جزئيًّا ولا كليًّا ولا حتى التفكير فى الأمر، وليست مجرد أصل من أصول الدولة، ولا يمكن السماح بالبيع أو الشراء فيه لأي سبب من الأسباب".

وتابع الوزير الأسبق: "هذه المادة تحتاج إعادة نظر فورًا، وأتمنى أن تنظر إليها أجهزة الأمن القومى بعين المسؤولية قبل أن يعرَض المشروع على الرئيس لتوقيعه، وأتمنى أن يستخدم الرئيس حقه فى إعادة المشروع للمجلس مرة أخرى لمزيد من الدراسة.. نحن أمام حدث خطير للغاية.. إلا قناة السويس يا سادة".

كما حذّر البرلماني السابق، طلعت خليل، من تبعات هذا المشروع، منوّهًا أن الصندوق المزمع إنشائه سيبتلع هيئة قناة السويس ويمسّ بسيادة مصر على أهم مرفق دولي، مستعرضًا حزمة من الأسباب التي دفعته للتخوف من هذه الخطوة، أبرزها أن "المادة (15) من القانون الحالي التي تتكون من فقرة وحيدة من سطرَين تم عليها إضافة مريبة وبها خبث شديد حيث تم جعل هذه المادة تتفرع إلى 9 مواد من 15 مكرر وحتى 15 مكرر 8، فى حين أن القانون الأصلي لقناة السويس كله 16 مادة بخلاف مادة النشر، ما يجعل هذا الصندوق يبتلع هيئة قناة السويس تمامًا".

وكتب المرشح الرئاسي السابق، حمدين صباحي، على صفحته قائلًا: "قناة السويس خط أحمر"، فيما ناشد الإعلامي محمد علي خير الحكومة بإعادة النظر في المشروع، محذّرًا من تبعات اللعب منفردًا بعيدًا عن الإرادة الشعبية، مطالبًا السلطة التنفيذية بالشفافية مع الشعب خاصة في مثل هذه الملفات التي يعتبرها المصريون ملفات أمن قومي، كقناة السويس والأهرامات وغيرهما، والتي لا يمكن الاقتراب منها بأي شكل من الأشكال.

بيع أصول القناة.. لماذا القلق؟

رغم نفي الحكومة مسألة بيع أصول القناة، كما جاء على لسان وزير المجالس النيابية، علاء فؤاد، غير أن هناك حالة من القلق والتشكيك في هذا النفي، وذلك لعدة أسباب أولها تضمين مشروع القانون بتلك المادة المثيرة للجدل (15 مكررًا ب) التي تمنح الصندوق الجديد حق بيع الأصول وتأجيرها، وهي المادة التي لو تمَّ حذفها من القانون فلن تؤثر على مضمونه وفق الرؤية الحكومية.

كذلك السوابق الخاصة ببيع عدد من الأصول لسداد العجز وتوفير العملة الصعبة للبلاد، حيث شهد العامان الماضيان موجة بيع لبعض الأصول المملوكة للدولة بشكل غير مسبوق، وذلك بعدما وصل الدين الخارجي إلى 157.8 مليار دولار بنهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، وفق تقرير البنك المركزي المصري.

وفي 7 أغسطس/ آب الماضي احتضن فندق كيمبنسكي في قلب العاصمة السويسرية، جنيف، لقاءً جمع وفدَي مصر والصين، لمناقشة ملف مبادلة ديون الصين على مصر والبالغة 8 مليارات دولار بأصول مصرية استراتيجية، والتي في الغالب ستكون عبارة عن مطارات وموانئ بحسب ما نشرته وسائل إعلام محلية آنذاك.

الحديث عن بيع أصول الدولة لسداد الدين المتفاقم ليس بالجديد، وسيناريو لم يكن مستبعدًا، خاصة مع تعدُّد الدائنين التي تشمل قائمتهم كلًّا من صندوق النقد الدولي بـ 14.2 مليار دولار بما فيها القرض الأخير، و10.6 مليارات دولار للبنك الأوروبي، فيما تمتلك الدول العربية 21.4% من إجمالي الديون المصرية: 8.3% للسعودية و8.1% للإمارات و5% للكويت، بينما تساهم أكبر 5 بنوك أعضاء فى دول نادي باريس بقيمة 9.4 مليارات دولار (3 مليارات دولار من ألمانيا و2.5 مليار من اليابان و1.5 مليار من فرنسا و1.3 مليار دولار من أمريكا و1.1 مليار من بريطانيا)، بحسب إحصاءات البنك المركزي في بداية عام 2020.

ولأجل الخروج من هذا المأزق، تبنّت الحكومة المصرية استراتيجية ثنائية الاتجاهات، البُعد الأول فيها يتعلق بسياسة التخارج في ضوء وثيقة "سياسة ملكية الدولة" التي أُعلنت في يونيو/ حزيران الماضي 2022، وهي الوثيقة التي تكشف موقف الدولة من القطاعات الاقتصادية المختلفة وأصولها المملوكة لديها خلال السنوات الخمسة المقبلة، والتي بمقتضاها تخطّط الحكومة المصرية لبيع أكثر من 65% من أصول الدولة إلى القطاع الخاص.

أما البُعد الثاني فهو بيع أصول الدولة للخارج سواء كانت شركات أم صناديق سيادية تابعة لدول بعينها، وهو ما كشفته التقارير المتتالية لوكالة "بلومبيرغ" بشأن بيع بعض الأصول المصرية لصندوق أبوظبي السيادي وصندوق السعودية السيادي، وكان من أبرزها شركات الأسمدة والحاويات وعدد من البنوك، وكلها كيانات ذات ربحية عالية.

ردود الفعل الأولية إزاء مشروع القانون لا شكّ أنها ستكون محل اعتبار لدى البرلمان في جلسته القادمة، ولدى رئيس الدولة الذي لا بدَّ أن يوافق على القانون قبل نشره في الجريدة الرسمية، وهو ما يمكن أن يدفع نحو التأجيل أو التعديل وربما الإلغاء في الوقت الراهن تجنُّبًا لاستثارة غضب الشارع.

قد يكون من المستبعَد في الوقت الحالي التورُّط في بيع أصول قناة السويس، غير أن الضغوط التي يمارسها صندوق النقد الدولي وشبكة الدائنين على القاهرة، والخوف من تبعات عدم القدرة على الوفاء بالالتزامات الخاصة بسداد الديون والأقساط، قد يدفعان الجانب المصري إلى التفكير في ما هو أصعب، وتجاوز الخطوط التي كانت بالأمس حمراء، وهو رهن الأصول الاستراتيجية أو المقايضة عليها كضمان لإصدار سندات دولارية.. فهل تقع مصر في الفخ؟