مظاهرات منددة بالوجود الفرنسي في بوركينافاسو

مظاهرات منددة بالوجود الفرنسي في بوركينافاسو

ستبقى سنة 2023، أو لنقل بدايتها، عالقة في ذهن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لفترة طويلة، فالمشاكل والأزمات تحاصره من كل مكان، دون أن يعرف حل لها، حتى إنه فقد السيطرة على ملفات عدة.

مشاكل ماكرون، لم تكن داخلية فقط، ولم تتعلق، حصرًا، بملف "إصلاح قانون التقاعد" الذي يرفضه غالبية الشعب الفرنسي، ولا بمشاكل المستشفيات وندرة الأدوية في الصيدليات ولا التفاوت الاجتماعي في بلاده ولا الصعود المتنامي لليمين المتطرف الذي يهدد وحدة ومبادئ الفرنسيين.

مشاكله الخارجية أشد وأعمق، فأين وجه ماكرون نظره وجد أزمة تنتظره أشد من سابقتها، آخرها المظاهرات المنددة بالوجود الفرنسي في بوركينا فاسو وطلب الحكومة البوركينية من نظيرتها الفرنسية سحب جنودها من هناك.

التحاق بوركينا فاسو بركب دولة مالي، نتاج حتمي لسياسة فرنسا في إفريقيا التي ترى في دول القارة السمراء "بقرات حلوب" تدر المال الوفير ووجب الاستحواذ عليها، فضلًا عن عدم تطوير باريس لسياساتها تجاه القارة الإفريقية، واستغلال ذلك من طرف دولة إقليمية ودولية أخرى.

طرد القوات الفرنسية من بوركينا فاسو

كما قلنا، التحقت بوركينا فاسو بمالي، إذ طالبت حكومة البلاد بشكل رسمي أول أمس السبت القوات الفرنسية الموجودة على أراضيها بمغادرة البلاد "في غضون شهر"، بعد أسبوع فقط من تنديدها بالاتفاق الموقع عام 2018 الذي ينظم وجود القوات المسلحة الفرنسية على أراضيها.

وتحتضن بوركينا فاسو على أراضيها غرفة عمليات قوات عملية "سابر" التي يتراوح تعدادها ما بين 350 و400 من القوات الخاصة، وهي المنفذ الرئيسي لأغلب الضربات النوعية الفرنسية ضد قيادات الجماعات المسلحة بالمنطقة.

جاء هذا القرار، تزامنًا مع تجدد المظاهرات في العاصمة واغادوغو، ضد الوجود العسكري الفرنسي في البلاد، وردد المحتجون شعارات مناهضة لباريس، ورفعوا لافتات تدعو الجيش الفرنسي إلى الخروج من البلاد، كما أشعل بعض المحتجين النار في أعلام فرنسا أو استخدموها لجمع القمامة.

هدف روسيا من وراء دعمها تراوري الحصول على رخص استغلال مناجم الذهب والألماس والأحجار الكريمة لشركاتها

خرجت المظاهرات، بناءً على دعوة تجمّع القادة الأفارقة (CLP) الذي يجمع المنظمات المؤيدة لإبراهيم تراوري، الضابط الذي يتولى السلطة منذ نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، إثر انقلاب عسكري قاده ضد الضباط الماسكين بالسلطة.

رفض الوجود الفرنسي في البلاد، ظهر أيضًا في استهداف مقرات السفارة الفرنسية والمركز الثقافي الفرنسي، إضافة إلى قاعدة عسكرية فرنسية في بوركينا فاسو، فضلًا عن قرار السلطات وقف بث "راديو فرنسا الدولي" في ديسمبر/كانون الأول وطلبت الحكومة البوركينية استبدال سفير فرنسا الحاليّ في واغادوغو.

أول رد فرنسي على الطلب البوركيني، جاء عن طريق الرئيس إيمانويل ماكرون الذي قال إنه ينتظر "توضيحات من الكابتن إبراهيم تراوري، الرئيس الانتقالي لبوركينا فاسو"، واعتبر ماكرون، أن الأنباء التي تنتشر في واغادوغو منذ السبت بشأن طلب انسحاب القوات الفرنسية من بوركينا فاسو في غضون شهر تخلق "ارتباكًا كبيرًا".

أي دور روسي في الأمر؟

قبل أيام قليلة قال الضابط إبراهيم تراوري أمام جمع من الطلاب إن معركة السيادة قد بدأت، فقد أراد القول إنه سيخوض معركة لاسترداد سيادة بلاده من فرنسا التي تحكمت في كل صغيرة وكبيرة في هذا البلد الإفريقي، رغم حصوله على الاستقلال منذ عقود.

لكن، في الوقت الذي تطرد فيه بوركينا فاسو الجنود الفرنسيين من أراضيها، فتحت أذرعها لروسيا، وبسطت لقوات الفاغنر السجاد الأحمر للدوس على الأراضي البوركينية وأخذ مكان القوات الفرنسية هناك، أي أنها استبدلت بمستعمر قديم آخر جديد.

أفلحت روسيا ركوب موجة العداء لباريس، فقد شوهدت أعلام روسية في أكثر من مرة وهي ترفرف في سماء العاصمة واغادوغو، ونشرت قواتها الخاصة "فاغنر" في هذا البلد الإفريقي، وفق ما سبق أن أكده الرئيس الغاني في 16 ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين قال: "بوركينا فاسو أنهت، على غرار مالي، اتفاقًا مع فاغنر، من أجل نشر قوات تابعة لها في البلاد".

ويعتقد الرئيس الغاني بأن "منجمًا في جنوب بوركينا فاسو، تم تخصيصه لفاغنر، كشكل من أشكال الدفع مقابل خدماتها"، وتُشتهر بوركينا فاسو بمناجم الذهب، التي تقدرها مصادر حكومية استنادًا إلى صور لأقمار صناعية التقطت عام 2018، بنحو 2200 منجم صغير غير رسمي.

وغالبًا من تستحوذ عناصر فاغنر الروسية على مناجم الذهب مقابل تقديم خدمات أمنية، فلديها شركات متخصصة في تعدين الذهب والألماس، على غرار ما حصل في جمهورية إفريقيا الوسطى ومالي والسودان، وتعتبر فاغنر سلاح روسيا القوي للتغلغل في الدول.

تعتبر باريس كل مستعمراتها السابقة جزءًا من ترابها إلى الآن، رغم خروجها الرسمي من هناك

انتقال بوركينا فاسو من معسكر فرنسا، إلى التحالف مع روسيا، كان متوقعًا، منذ نجاح انقلاب تراوري على رئيس المجلس العسكري السابق بول هنري داميبا، فهذا البلد الإفريقي في حاجة إلى حليف قوي للصمود أمام الضربات العنيفة للجماعات المسلحة التي تستهدف البلاد منذ 2015.

وقد قدمت روسيا الدعم اللوجستي ووعدت بالمزيد لنظام تراوري، مستغلة حاجته لذلك، ما مكنها لإضافة بوركينا فاسو إلى جملة الدول الإفريقية الموالية لها، ضمن مساعيها الحثيثة للتغلغل في القارة الإفريقية ومنافسة القوى التاريخية هناك.

هدف روسيا من وراء دعمها تراوري الحصول على رخص استغلال مناجم الذهب والألماس والأحجار الكريمة لشركاتها، إلى جانب كسب نفوذ جديد في القارة السمراء بعد تمددها في أماكن عدة على غرار مالي وإفريقيا الوسطى وليبيا ومدغشقر وموزمبيق والسودان وإريتريا.

وتعمل روسيا في أن تظهر كقوة إقليمية مهمة في القارة الإفريقية، خاصة أنها تقدم الدعم العسكري والأمني بسخاء إلى حلفائها في القارة السمراء، كما أنها عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ولها خبرة في مجالي المناجم والتنقيب عن النفط.

جرائم فرنسية أضعفت موقفها

ما أضعف النفوذ الفرنسي في بوركينا فاسو وغيرها من الدول الإفريقية، فشلها في وضع حد لنشاط الجماعات المسلحة في القارة وخاصة في منطقة الساحل والصحراء رغم مرور سنوات عدة على بدء حربها ضد هذه الجماعات، فضلًا عن ارتكابها جرائم في حق المدنيين بالقارة الإفريقية، إذ تتهم القوات الفرنسية بارتكاب العديد من الجرائم في حق مواطنين في دول عدة من القارة السمراء.

تتهم القوات الفرنسية أيضًا، بمحاولة تقسيم العديد من الدول، وتشكيل كيانات موازية فيها على غرار ما حصل في مالي، للحفاظ على نفوذها، ومزيد من نهب ثرواتها والسيطرة على قرارها السيادي، ذلك أن باريس تعطي لنفسها أحقية التصرف وفق الرؤية التي تخدم مصالحها في القارة الإفريقية.

تعد باريس كل مستعمراتها السابقة جزءًا من ترابها إلى الآن، رغم خروجها الرسمي من هناك، فهي إلى الآن لا تسمح لأي منها بالاستقلال الحقيقي، خاصة أنها تتمتع بامتيازات وافرة لشركاتها، في مجالات عدة على غرار الطاقة والنقل والاتصالات، وهو ما أجج مشاعر الكراهية ضدها.

مع تصاعد المشاعر المناهضة لها، تطرح تساؤلات عن مستقبل وجود فرنسا العسكري في القارة الإفريقية وخاصة منطقة الساحل، فهل نشهد انسحابات متتالية للقوات الفرنسية المتمركزة هناك، أم أن مهمتها لم تنته بعد؟