الطب — الخريطة الكامنة

جون أوكيف (أمريكي)، الكلية الجامعية، لندن، بريطانيا
ماي بريت موزر (نرويجية)، الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، النرويج
إدفارد موزر (نرويجي)، الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا، النرويج

كيف يتمكن الإنسان من التعرف على الأماكن والمساحات من حوله؟ وكيف يدرك مع الوقت الأماكن المألوفة ويتحرك فيها دون تفكير مُسبَق؟ هذا هو السؤال الذي حازت إجابته نوبل في الطب لهذا العام، إذ اكتشاف الفائزون أن هناك ما يشبه الجي بي إس الكامن في الدماغ الذي يعرف به الإنسان موقعه في مكان ما.

أول اكتشاف على الطريق قام به جون أوكيف عام 1971، إذ اكتشف نوعًا من الخلايا العصبية في منطقة الحصين في الدماغ دائمًا ما تكون مفعّلة في الفئران أثناء وجودها بمكان معيّن في غرفة ما، في حين تُفعَّل خلايا أخرى حين تغيّر موقعها، وهو ما دفعه للاستنتاج بأن هناك ما يشبه الخريطة الكامنة في الدماغ تحتوي على خلايا “مكانية” يشير كل منها لموقع معيّن في الغرفة.

بعد حوالي ثلاثة عقود، اكتشف الزوجان موزر جزءًا آخر هامًا في تلك المنظومة، إذ تعرّفا على خلايا تنتج ما يشبه الإحداثيات، وتتيح التحديد الدقيق للأماكن والتعرّف على الطرق، وهو ما حققوه بتجاربهما على الفئران حين اكتشفا نشاطًا غير عادي في منطقة من دماغها تُسمى القشرة الأنفية الداخلية Entorhinal Cortex، عندما أخذت تتحرك في مساحة سداسية الشكل، وهو ما أتاح اكتشاف الخلايا التي ترصد وضع الرأس واتجاهه وحدود المكان الذي تتواجد فيه. أدت هذه البحوث معًا إلى إثبات أن هذين النوعين من الخلايا، المكانية والإحداثية، يشكلان معًا قدرتنا على التحرك وتحديد المواقع.

تشير الدراسات التي تُجرى مؤخرًا على البشر بأن مثل تلك المنظومة توجد لدينا مثلما توجد في أدمغة الفئران، وهو أمر تثبته أيضًا حقيقة فقدان مرضى الزهايمر في وقت مبكر لقدرتهم على الوصول لأماكن كثيرة، إذ تتأثر منطقتا الحصين والقشرة الأنفية الداخلية في وقت مبكر من الإصابة بالمرض.

الفيزياء — المصابيح الصمامية

إسامو أكاساكي (ياباني)، جامعة مَيجو وجامعة ناجويا، اليابان
هيروشي أمانو (ياباني)، جامعة ناجويا، اليابان
شوجي ناكامورا (ياباني)، جامعة كاليفورنيا سانتا باربرة، الولايات المتحدة

على العكس من المصابيح الكهربية التقليدية، التي تعتمد على مرور تيار كهربي يقوم بتسخين سلك كهربي رفيع ليشع ضوئًا، تعتمد المصابيح الصمامية، المعروفة بالموفرة، على تحويل طاقة الإلكترونات الكهربية بشكل مباشر إلى فوتونات (جُسيمات الضوء)، وهو ما يعني أنها توفّر الكثير من الطاقة المهدرة في المصباح العادي في صورة حرارة، إذ أن المصباح العادي بالأساس يحوّل 90٪ من طاقة الكهرباء المارة عبره إلى حرارة، ولا يكون الضوء (10٪) سوى أثر جانبي له.

تصنيع المصابيح الصمامية، والتي تحول أكثر من نصف الطاقة الكهربية المارة عبرها إلى ضوء، يعتمد بالأساس على مكوّن كهربي وهو الصمام الثنائي (Diode)، والذي تمر عبره الإلكترونات ليُنتج ضوءًا بلون معيّن، أحمر أو أخضر أو أزرق. بتجميع مجموعة من صمامات الألوان الثلاثة يمتزج الضوء الأخضر بالأحمر بالأزرق، ويصبح بسهولة ضوءًا أبيضًا قابلة للاستخدام في الإضاءة، بيد أن العقبة الأساسية في تحقيق هذه الخطوة البسيطة، كانت في تشكيل الصمام الثنائي الأزرق، وهي مهمة فشلت فيها الكثير من المعامل، حتى نجحت جهود ناكامورا عام 1994، وبشكل متوازي، أبحاث أكاساكي وأمانو في جامعة ناجويا عام 1995، في التوصل إلى الصمام الأرزق.

رُغم بساطتها كاختراع، تعتبر المصابيح الصمامية هامة لحماية موارد الأرض بالنظر لاستهلاك البُشر لرُبع الطاقة المتاحة لهم في الإضاءة، وهو ما يعني أن استخدامها سيؤثر بشكل كبير على حماية موارد الكوكب وتوفير الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر أعمار تلك المصابيح أطول كثيرًا، إذ أن المصابيح العادية تبلى بعد ألف ساعة من استخدامها نظرًا لاحتراق السلك الكهربي فيها، في حين يمكن للمصابيح الصمامية أن تعمل لحوالي مائة ألف ساعة.

الكيمياء — ما بعد الميكروسكوب

إريك بتزيج (أمريكي)، معهد هاورد هيوز الطبي، فرجينيا، الولايات المتحدة
ستيفان هِلّ (ألماني روماني المولد)، معهد ماكس بلانك للكيمياء الفيزيائية الحيوية، ألمانيا
ويليام مورنر (أمريكي)، جامعة ستانفورد، كاليفورنيا، الولايات المتحدة

يُعتَبر الميكروسكوب واحدة من أهم الاختراعات التي تقوم عليها العلوم الطبيعية، بيد أنه بالدخول إلى القرن العشرين، واكتشاف الحمض النووي والبروتينات والفيروسات، لم يعد الميكروسكوب كافيًا للنظر إلى تلك الأجزاء الضئيلة من عالمنا الطبيعي، ولسبب بسيط، هو أن هناك حدًا أقصى لقدرة الميكروسكوب على التكبير تعتمد على طول موجات الضوء المرئي، مما يعني أن استخدامه يظل محصورًا في النظر إلى مكوّنات كبيرة نسبيًا كالخلايا والكائنات الدقيقة والبكتريا.

لوقت طويل، كان هذا الحد، المعروف بحد أبِه Abbe Limit، أمرًا مسلمًا به، حتى بدأ الألماني ستيفن هِلّ في العمل على تجاوزه باستخدام الميكروسكوبية الفوسفورية، وهي ببساطة استخدام جزيئات فوسفورية لتتبع أجزاء صغيرة داخل خلية أو كائن دقيق، وهي الجزيئات التي تشع عند تعرض أي عيّنة تحت الاختبار للضوء لتُطلق لونًا يدلنا على مكان وحجم الجزء المطلوب تتبُّعه. على سبيل المثال، يمكننا استخدام أجسام مضادة فوسفورية، تلتصق بالحمض نووي، وتعريضها لنبضة ضوء قصيرة تؤدي لإطلاق فوسفوري، مما يتيح لنا رؤية موقع الحمض بالتحديد في قلب الخلية. هذا هو ما عمل ستيفان طوال التسعينيات على تعزيزه لزيادة دقته وقدرته على كشف عوالم أصغر لنا، حتى برهن على ذلك عام 2000 باستخدام ميكروسكوب الانبعاث المُحفّز (STED) — نسبة لتحفيز الجزيئات الفوسفورية بالضوء على إطلاق ألوانها — في تصوير بكتيريا الإشرشية القولونية المعروفة بدقة غير مسبوقة.

في نفس الفترة تقريبًا، عمل مورنر بدوره على تقنية أخرى، وهي التصوير منفرد الجزيئات Single Molecule Microscopy، هو محاولة استخدام الميكروسكوبية الفوسفورية، ليس لتعزيز الدقة فقط، بل للوصول إلى تصوير جزيء فوسفوري منفرد بذاته، مما يتيح تصوير مكوّنات متناهية الصغر، وهو ما نجح فيه بالفعل عام 1989 بقياس امتصاص جزيء منفرد للضوء لأول مرة. بالإضافة لذلك، توصل مورنر عام 1997 إلى نوع معين من الجزيئات الفوسفورية الخضراء المستخلصة من هلام البحر (Jelly Fish) يمكن التحكم بها بحيث تضيء وتنطفئ حسب رغبة الباحثين، هو ما أثبت قاعدة جديدة: إمكانية التحكم بجزيء فوسفوري منفرد.

يأخذنا هذا إلى بتزيج الذي كان مهتمًا هو الآخر بتجاوز حد أبِه، والذي استهوته فكرة الجزيئات المنفردة مثل مورنر، وعمل على تطبيقها بحيث يمكن استخدام جزيئات بألوان مختلفة لا تتجاوز أي منها منفردة حد أبِه، ولكنها مجمعة يمكنها أن تعطينا صورة شديدة الدقة تتجاوز الحد. في عام 2005، وصل بتزيج إلى مراده، ليس باستخدام ألوان مختلفة، ولكن بالتصوير على مراحل زمنية مختلفة، بحيث يمكن التقاط فوسفورية الجزيئات على مرات عدة، وتركيب كافة الصور في نهاية التجربة لتُعطينا الصورة الكاملة الدقيقة.

الأدب — أدب الذاكرة والماضي

باتريك موديانو (فرنسي)

الحنين إلى الماضي، الذي يحاول موديانو الإمساك به، وشوارع باريس، التي جابها في شبابه بائعًا للكتب، هما الملمحان الرئيسيان لأعمال موديانو، والذي لم يكن معروفًا ربما للكثيرين خارج فرنسا قبل إعلان اسمه هذا العام. لطالما اتهم الكثير من النقاد موديانو بأنه غارق في النوستالجيا، وأصبح له طابع واحد في رواياته لا يغيّره منصب على كل ما يخص الماضي، ويتجاهل المستقبل تمامًا، بيد أن تلك المدرسة “الموديانية”، كما يسميها البعض، والتي جعلت كافة روايات موديانو معلّقة بماضي وذكريات باريس، هي ما مُنِح لأجله جائزة نوبل هذا العام.

وُلِد موديانو عام 1945، عام الانتصار في الحرب العالمية الثانية، لأم بلجيكية وأب يهودي، ورُغم أن هذا سبب منطقي ليكون موديانو متفائلًا بالمستقبل وعازمًا على ترك الماضي الملوّث بمعاداة السامية، إلا أن هذا لم يحدث، إذ تناولت أولى رواياته، “لا بلاس دِه لتوال” — التي تشير للميدان الذي يحمل نفس الاسم حول قوس النصر في باريس وكذلك للنجمة التي فُرِض على اليهود ارتداؤها تحت الحكم النازي — آثار معاداة السامية في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية، وحققت نجاحًا كبيرًا آنذاك، لتستمر بقية رواياته على ذات المنوال.

الزمان في عالم موديانو إذن هو الماضي، والمكان هو غالبًا شوارع وأزقة باريس، والأبطال هم إما فاقدي الذاكرة أو أناس لا يتذكرون أسماءهم، أو ربما شبه مجانين أو مفقودين جرّاء الحرب، تجمعهم جميعًا حيرة وقلق موديانو من فقدان الذاكرة والنسيان.

 

السلام — أطفال جنوب آسيا في مواجهة وحشيّ السوق والتطرّف

كايلاش ساتيارتي (هندي)
ملاله يوسفزَي (باكستانية)

على خطى غاندي يسير ساتيارتي، الذي نظم الكثير من التظاهرات والاحتجاجات السلمية ضد ما يخوضه الكثير من أطفال الهند، إذ يتم استغلالهم اقتصاديًا في بلد تجاوز المليار، وهو ما دفعه لتأسيس حركة إنقاذ الطفولة (باتشبن بتشاو أندولَن) لحماية حقوق الأطفال عام 1980، وخاصة حقهم في التعليم. أيضًا، أسس ساتيارتي “جودويف إنترناشونال” المتخصصة في مراقبة ورصد والتعريف بالسجاجيد التي تمت صناعتها بدون استغلال الأطفال في جنوب آسيا، وهي منظمة قامت بحملة واسعة في أوربا والولايات المتحدة لتوعية المستهلكين هناك.

على الناحية الآخرى من الحدود الفاصلة بين الهند وباكستان، يبدو أن جهود ملاله هي الأخرى قد جذبت لجنة نوبل النرويجية التي تحدد الفائز بجائزة نوبل للسلام كل عام، لتصبح جائزة 2014 مناصفة بينها وبين ساتيارتي. ساهمت ملاله لسنوات في مجال حقوق الفتيات، خاصة حقهن في التعليم، وقد واجهت مصاعب كثيرة نظرًا لذلك، لا سيما تحت حكم طالبان، وهي تقيم اليوم في بريطانيا. بحصولها على الجائزة، تصبح ملاله، ذات السبعة عشر ربيعًا، أصغر حاصل على جائزة نوبل على الإطلاق.

جائزة هذا العام ليست فقط محاولة لرفع الوعي بتعليم الأطفال، بل وتضرب عصفورًا آخر بمحاولة الجمع بين الشعبين الهندي والباكستاني، ولو في فرحتهما بجائزة تُهدَى على بُعد أميال، إثر توتر العلاقات بين البلدين، لا سيما وقد شهدت الهند مؤخرًا تصاعد الحركة الهندوسية المتطرفة، كما يشهد جوارها عودة طالبان إلى الساحة الأفغانية، وبالتبعية الباكستانية، وما يعنيه ذلك للمنطقة بأسرها من اضطراب سياسي، بقدر ما يعنيه من تراجع الاهتمام بأولويات اجتماعية غالبًا ما تتجاهلها الحركات المتطرفة، وأحيانًا عن عمد.

العلوم الاقتصادية — أسواق القِلّة

جيان تيرول (فرنسي)، جامعة تولوز 1 كابيتول، فرنسا

تيرول، واحد من أهم علماء الاقتصاد حاليًا، تدور أبرز إسهاماته حول فهم كيفية عمل وإدارة الصناعات التي تضم عدة شركات قليلة وقوية تُعَد كلها مؤثرة بشكل كبير في سوقها. قبل تيرول، لم تكن هناك دراسات اقتصادية معروفة للأسواق التي تدور في فلك بضعة شركات، إذ انصبت معظم الأعمال على مناقشة إما حالة الاحتكار الصرف، حين تحتكر شركة واحدة سوقًا كاملًا، أو حالة التنافس المثالي بين عدد كبير من الشركات، ولكن مع دخول الخصخصة إلى مجالات كبيرة وهامة، مثل السكك الحديدية والرعاية الصحية والاتصالات والطاقة، نشأ نوع جديد من الأسواق محصور بين عدد قليل من الشركات — نظرًا لأن تلك القطاعات الثقيلة لا تحتمل عددًا كبيرًا من المتنافسين — بينما لم تكن السلطات في الدول التي قامت بخصخصة تلك القطاعات تمتلك أي خبرة للتعامل مع هذه الأسواق، والتي عُرِفَت بـ”أسواق القِلّة”: Oligopoly.

إحدى أبرز المشاكل التي تناولها تيرول هي اللاتوازي المعلوماتي (توفُّر معلومات لطرف ما في السوق وغيابها عن الطرف الآخر)، إذ تتجسد تلك الأزمة في عدم امتلاك السلطة لكافة المعلومات في مقابل الشركات والهيئات العامة المنظّمة لتلك الأسواق، وهو ما قد يؤدي لتحالف الهيئات العامة مع الشركات لتحقيق الأرباح وتهميش دور الحكومة في تلك القطاعات الهامة. هذه المشكلة هي واحدة من الموضوعات التي انصبت فيها جهود تيرول، وبعض من زملائه، لتحديد الكيفية التي تقرر بها الحكومات جدوى الاحتكار من عدمه، واختيار الطرف الذي تتعاقد معه في تلك القطاعات.